بقلم ياسر رافع
الإخصاء .. هى تلك العملية التى يتم من خلالها بتر الخصيتان للرجل مما يجعله غير قادر جنسيا ، ومع أنها محرمه ومجرمه فى الإسلام ، إلا أنها كانت لها عظيم الآثر فى تسيير الأحداث فى التاريخ الإسلامى ، وأصبحت العلاقه بين الإخصاء والسلطه علاقة متلازمه حتى بدايات القرن العشرين والذى فيه تم القضاء على العبودية والرق وبذلك لم يعد لهم ذكر فى التاريخ الحديث إلا بقايا من زمن الخصيان يحرسون الحرم المكى كبقايا لتقليد سيتم إلغاءة بموت آخر الخصيان ..
وعلى الرغم من أن إستخدام العبيد الخصيان عادة غير عربية
ولا إسلامية إلا أنها إرتبطت منذ البدايات الأولى للدولة الإسلامية ، فقد كان أول
من إستخدمهم هو الخليفة " معاوية بن أبى سفيان " المؤسس للدولة الأموية
، وكانوا يقومون بحراسة الحريم فى القصر، وشاع بعد ذلك إستخدام الخصيان فى القصور
الملكية ولدى الأثرياء من القوم ، وأصبح وجود العبيد الخصيان بجانب الخلفاء آمرا
شائعا ومستساغا كعبدى الخليفة الأشهر " عمر بن عبدالعزيز" . ولكن حدث تطور لافت فى علاقة الخصيان
بالسلطه حيث زاد نفوذهم مع بزوغ نجم الخلافة العباسية والتى وصل الخصيان مع
نهايتها لأوج مجدهم فأصبح لهم دورا مؤثرا فى السياسه العامه للدوله بل فى ترجيح الأطراف
المتصارعه على السلطة بسبب تولى بعضهم أمور الجيوش . وأصبح الجميع يخشاهم ويخشى
سلطتهم خصوصا من يريد التقرب من القصر الحاكم من العلماء والأدباء والشعراء .
وأستمر هذا الوضع فى عهد الدولة الفاطمية فى مصر وهنا كان الملفت هو تولى الخصى
" برجوان " أمر تدبير شؤون الخليفه " الحاكم بأمر الله " الذى
تولى الخلافه وهو إبن أحد عشر سنه فقط , فسار نفوذه قويا ولما لا وقد صار حلقة
الوصل بين الحاكم والرعية . وبهذا يكون الخصيان قد إقتربوا من سدة الحكم ، وهذا ما
تحقق لهم فى عصر الدولة الإخشيدية ، فبعد أن قام " محمد بن طغج
الإخشيدى" بالإستقلال بمصر عن الخلافة العباسية قام بشراء عبد أسود خصى إسمه
" كافور " الذى كان دميم الخلقه ولكنه كان ذكيا بما يكفى ليكون قائدا
عسكريا ومعلما وراعيا لولدى الملك " أنوجور " و "على " ، ولكن
بعد موت " بن طغج " قام " كافور" بالإستئثار بالسلطه منفردا
بعدما قتل الأبناء ليلحقا بولادهما . وبهذا يكون الخصيان قد بلغا أوج السلطه فقد
صار أحدهم حاكما لدولة عظيمه تمتد من مصر إلى الشام ولمدة 23 عاما .
وهنا نقف عند فترة حكم العبد الخصى " كافور" الذى صار ملكا متوجا ، حيث
رغم قسوته وشدته إكتسب شعبية كبيرة بسبب تقريبه لعلماء الدين والأدباء والشعراء منه
والآغداق عليهم بالعطايا والهدايا ، ولكن حدته وقسوته كانت تغلب عليه ولعل علاقته
بأهل العلم هى ما تخصنا حيث حدثت حادثه شهيرة ، قام فيها الشاعر الكبير "
المتنبى " بإلقاء قصيدة مدح فى وجود " كافور" ولاقت القصيدة
إستحسانا كبيرا إلا أن المتنبى كان يريد أكثر من ذلك أموالا وعطايا ولكن "
كافور" لم يعطه شيئا، فقام بكتابة قصيدة هجاه فيها وهرب خارج مصر خوفا من بطش
كافور ، ولكنه لخص فى أبياته وصفا لعهد كامل قائلا :
نامت نواطير مصر عن ثعالبها .. فقد بشمن وما تفنى العناقيد
صار الخصى إمام الآبقين بها .. فالحر مستعبد والعبد معبود
وعلى الرغم من سلطوية " كافور"
ضد الشاعر " المتنبى " إلا أن تلك العلاقة شكلت علامه غائرة فى الوجدان
المصرى حيث شكل الخوف من بطش السلطه العلاقة مع أهل العلم والأدباء بإستثناء علماء
الدين فى معظم الحالات بسبب موالاتهم للسلطه فى معظم مراحل التاريخ وهذا بالطبع لا
ينفى أدوارهم العظيمه والتاريخيه ، وأصبحت مطاردة السلطه للعلماء والأدباء
الخارجين عليها بمثابة عملية " إخصاء " ممنهجه تمت فيها مطاردة كل من
يقول عكس السلطه بسبب وجود الخصيان داخل كواليس الحكم متحلقين حول العرش يمنعون
التقدم ويكرسون للسلطوية .
ومع بزوغ نجم الدولة الوطنية وإنتهاء شكل القرون الوسطى فى الحكم ، وإختفاء ظاهرة
الخصيان تماما من القصورالجمهورية ، ظهر شكل جديد منهم وذلك مع جنوح الجمهوريات
إلى الشكل السلطوى فى ثوبه العصرى والتى إغتالت فيه الفكر وطاردته لصالح أفكارها
التى تريد من شعوبها ان تعتنقها ، وهذا الشكل تمثل فى نوع جديد من الخصيان يملكون
كامل جسدهم دون بتر ولكنهم بارعون فى إخصاء العقول ، مثلما حدث فى ألمانيا إبان
حقبة " هتلر " التى تمت فيها مطاردة الأدباء والعلماء لصالح أدباء
السلطه النازية ، ولكنها حقبة لم تستمر طويلا وهزمت شر هزيمة ، وهو ما جعل من أشهر
" إخصائى للعقول " فى تاريخ العالم الحديث " جوبلز" وزير
الدعاية النازى يقول قبل الهزيمة في الحرب العالمية الثانية 1943 " سيذكرنا
التاريخ سنكون من كبار الدولة فى كل زمان أو من كبار المجرمين " ، هكذا
ببساطه يفكر فيما سيكتب عنه التاريخ من كبار الدولة أم كبار المجرمين !! ولا يريد
الإعتراف بكونه قام بعملية لإخصاء الشعب الألمانى فكريا وعقائديا كله لصالح حاكم
أهوج ، ولكن حركة التاريخ قالت كلمتها " لا للإخصاء الفكرى " .
مع إنتصاف القرن العشرين وحتى نهايته تولى السلطة حركات التحررالوطنى التى حررت
الدول الفقيرة من نير الإستعمار والرجعية وقامت بتأسيس جمهوريات جديدة ، ولكنها
وقعت فى نفس الفخ وأصبح السلوك السلطوى القائم على تجييش الجماهير وحشدها لضمان
البقاء فى السلطه هو الأسلوب الأمثل ، بل قامت بمطاردة أصحاب الأفكار المخالفة من
المفكرين والأدباء فى عملية " إخصاء " ممتدة من القرون السابقة لكل من
يناهض السلطه الجديدة ولكن بثوبا وطنيا جديد ، وهو ما جعل الكاتبة " حنة
أردنت " فى كتابها المعنون " أسس التوتاليتارية " تصف هؤلاء
الأشرار الذين يقفون مع السلطه ويحرضونها على الفتك بالمفكرين والمبدعين بأنهم
تافهين وتقول " تفاهة الشر تكمن فى إستقالة العقل والضمير عن تحمل المسؤولية
بوعى لأنه ببساطة نتاج للبيروقراطية التوتاليتارية " .
مع إندلاع عصر الثورات الملونه فى أوروبا ، والبلدان العربية مع بدايات القرن
الواحد والعشرين ، فقد بدا أن عهد الخصيان وعصرالبارعون فى الإخصاء الفكرى
والتافهين من الأشرار المتحلقين حول السلطه قد إنتهى عهده للأبد مع وعى الشعوب
بحقوقها وأخذها بزمام المستقبل ، إلا أن الشعوب التى قامت بالثورات داهمها شكل
" إخصائى " جديد جاء من مستقبل لم يحسبوا حساباته فى السابق ، فلقد
داهمت التكنولوجيا بتطورها المذهل تلك الشعوب وجعلت منهم عبيدا لدى منتجها بعدما
تخطت شكل الدوله السلطوية وأصبح التأثير من خارجها وأصبح تأثيرالأفكار العالمية
خطرا داهما يهدد الوجود الفكرى والثقافى لدى تلك الشعوب ، وأصبح الحديث عن عملية
إندماج بين السلطة المطلقة الإستبدادية وتكنولوجيا الذكاء الإصطناعى فى المستقبل
القريب شيئا محتوما ، يعاد فيها عملية صهر للخصيان المقطوعى الأعضاء مع البارعون
فى الإخصاء الفكرى مع التافهون من أشرار الدولة الوطنية ليتحولوا لشكل تكنولوجى
يراقب ويتجسس ويحرض بل يتعداه إلى أن تكون الأله مفكرة وأديبة وتحل محل العقل
البشرى الذى سيصبح متلقيا فقط ، وبهذا سيكون العقل البشرى قد تمت له أكبر عملية
إخصاء فى التاريخ.
...............................................................
ببساطه أدر عينيك فى الإتجاهات الأربع وستجد أنك على مشارف أكبر عملية إخصاء فكرى
فى التاريخ لصالح فئة من الحكام السلطويين تقودها التكنولوجيا .