بقلم ياسر رافع
" إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ
نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماعيه ولم أدرى
أننى سأكررها يوما ما ، وكأنها قدر محتوم على الشخصيه المصريه التى تعانى تهميشا
متعمدا ، ووسما كوسم العبوديه يعرف به كل المهمشين عمدا من قبل كل الأنظمه
السياسيه التى تعاقبت على حكم هذا البلد المكلوم وبالأخص منذ بداية عصر مصر
الحديثه والذى يزيد عمره قليلا عن المائتى عام والذين أرادوا أن يتفاعلوا ويشاركوا
فى صنع المستقبل فوجدوا من يقف كحائط صد ضد طموحات وتصورات ثوريه لشباب يريد
المستقبل وقادرا على الوفاء بمتطلباته وأستخدمت كل الأساليب لكبح جماح تلك الطموحات
والتصورات على مدار عشرات السنوات حتى أضحت أجيالا بكاملها عباره عن دفاتر أحوال
متراصه على أرفف التاريخ يعلوها التراب ولا تجد من ينفض عنها تراب الظلم والقهر
ولو حتى لتجميل البيت ، وجيلى ليس إستثناءا من تلك الأجيال التى سبقتنا والتى أضحت
أثرا تفوح الروائح من بعض جنباته المبدعه ولكنها لا تستطيع مقاومه رائحة التراب
المتراكم فوق دفاتر أحوال وطن تحوى سخريه القدر عن شباب يمثل أجيالا بكاملها مات
حلمها وتحولت إلى مجرد أرقام وعناوين وأضحى أقصى حلمها أن تقف في طوابير طويله
للبحث عن لقمة عيش كقطيع ضلت الطريق وأصبح مرشدها الوحيد طابور الخبز أو أيا ما
كان إسمه .
لقد كانت بداية تفتح الوعى لدى فى منتصف ثمانينيات القرن العشرين وأنا على مشارف
تجاوز المرحله الإعداديه فى التعليم ، حيث كان الجو المحيط بى ينبأ عن عملية حراك
مجتمعى يقوده تيار مقاوم يريد المستقبل محمل بآمال كبيره للتغيير مشفوعه بتجربه
كبيره فى خمسينيات وستينيات القرن العشرين وتجربه مختلفه عنها مارست فعلها فيما
قبل ثورة 23 يوليو 1952 ، أى أننا نتكلم عن حراك إشتراكى قومى وتيار ليبرالى
رأسمالى جرى إستدعاؤه من على الأرفف ليقوم بدور المحلل الشرعى للمرحله الجديده ولشرعية
حكم جديد ، وقد شاهدت بأم عينى بل وشاركت " جلوسا وما زلت بعد صبيا "
على مقاعد الندوات والمؤتمرات السياسيه الكبيره التى كانت تعقد بين الحين والآخر
فى قريتى والتى كانت تلهب حماسى وأنا أرى حماسة المنظمين والمشاركين وقيمة
المشاركين على منصات المؤتمرات أمثال المرحوم " إبراهيم شكرى " مؤسس حزب
العمل الإشتراكى والذى يمثل علامه فارقه فى تاريخ مصر السياسى ، وكذلك الأستاذ
" خالد محيى الدين " زعيم ومؤسس حزب التجمع ممثل اليسار بعامه فى تلك
الفتره . كل هذا وسط صعود لا يخفى على أحد لتيار الإسلام السياسى والذى كان بعد
يتوارى خلف دفقات وحماس ما تبقى من فورات حماس لجيل أرادت السلطه له أن يصعد كما
غيره من أجيال وأن يتحول إلى دفتر أحوال الوطن على أرفف أرشيف التاريخ ، فقد أرادت
الدوله أن تأخذ منحى جديدا يعبر عن توجهاتها الجديده التى تريد به أن تبتعد عن
مسار وطنى يدافع عنه جيل يزأر فى الشوارع دفاعا عنه ، وكذلك لا تريد منهجا
ليبراليا يعيد فكرة تداول السلطه مرة أخرى ، لهذا إختارت التحالف مع تيار الإسلام
السياسى الذى تكفل معها فى إزاحة ما تبقى من أجيال تريد مستقبلا مختلفا عن
تصوراتهم . لكن سرعان ما تبدد وهم التحالف وتحول إلى صدام مسلح فى بداية
التسعينيات من القرن العشرين وكنت بعد أتلمس خطواتى الأولى فى التعليم الجامعى
والذى لم أجد فيه المتعه الحقيقيه إلا خارج الأسوار حيث أن الجدران كانت تحوى
تماهيا قميئا بين السلطه والتيار الإسلامى وبعدا إقصائيا لكل التيارات الفكريه
الأخرى ، ومع إرتفاع وتيره العمليات العسكريه والإرهابيه بين الدوله والتيار الذى
تحالفت معه لإقصاء التيارات الأخرى فقد
بات واضحا أن عملية إكتمال صعود أجيال شهدت فورتها قد تمت بنجاح وأخذت مكانها على
الأرفف ولم أجد حولى من يساعدنى على تجاوز تلك المرحله الصعبه التى أصبحت أتحسس
رأسى وما تحويها خوفا من سلطه لا تريدنى وجو عام يخاصم المستقبل ." أين ذهب الجميع " عباره أقلقت نومى طويلا باحثا لها عن إجابه ، فقد أصبحت فى وضع جديد تماما ، فقد إنتهت دراستى الجامعيه وإنتهت معها فترة الصدام بين الدوله والتيار الإسلامى بإنتصار الدوله عسكريا وأمنيا ، وعلى الرغم من الزج بأنصار ذاك التيار فى السجون إلا أن هذا لم يكن شافعا لعودة أنصار الأجيال السابقه ، فقد آثر معظمهم أن يتوارى عن المشهد مؤثرا أرفف التاريخ وأقبية الزمن حماية لما تبقى له من مستقبل يحمله أبناؤه وحماية لهم من بطش السلطه ، وقله تماهت مع السلطه أملا فى مكاسب ربما حصلت عليها فيما بعد ، وآخرون أثروا الرحيل بحثا عن أمل فى مكان آخر . لذلك لم أجد حولى ولجيلى من يقف بجانبه تركونا على قارعة الطريق تنهشنا سلطه تريد جيلا بمواصفات معينه ، وتيار عائد بقوه للمشهد مرة أخرى وهو التيار الإسلامى بصيغة تحالف جديده مع السلطه فى ظلال رأسماليه جديده تغير الدوله فيها جلدها بالكامل وتتملص به من حقبه كامله تقصف ما تبقى لدينا من موروث ورثناه من أجيال سبقتنا كل هذا وسط تراجع مزرى للمنظومه التعليميه والثقافيه .
لذلك لا عجب أن أرى نفسى أسيرا لعالمى الخاص مع الكتب محاولا التحصن فى خندق يحمينى أقاوم فيه إلى أن يأتى يوم الإنتصار وفى الوقت نفسه متماهيا بالعمل مع عالم رأسمالى جديد يختلف عن موروث أجيال تعلمنا منها نمطا إقتصاديا مختلفا من أجل لقمة العيش ، وكلما أتوجه يمنة ويسارا لا أجد من يخبرنى أين ذهب الجميع ؟ ولكن الدوله دائما ما كنت تهمس فى اذنى أن إستعد للحاق بمن سبقوك إلى أرفف التاريخ وأقبية الزمن وانا على مشارف الأربعين من العمر ..
ومع تفاقم مأزق الرأسماليه الجديده فى مصر وإرتفاع وتيرة السخط الشعبى الناتج عن السياسات الإقتصاديه المتخبطه وكذلك إرتفاع معدلات البطاله التى عندها بدأت الأزمه فى مصر تأخذ منحنى جديدا ، فقد بات واضحا أن نذر سحب التغيير قد لاحت فى الأفق ، وهو ما حدث يوم 25 يناير 2011 والذى سطر تاريخا جديدا فى تاريخ مصر المعاصر بأحرف من نور ، معلنا ميلاد جيل جديد ، جيل هادر أزاح سلطه جاثمه على صدر وطن جعلته يلهث ، جيل جديد يعانى أزمه مفاصله تاريخيه مع ما قبله فى سابقه ليس لها مثيل فى التاريخ وهذا بفعل سياسات التعليم والممارسات الأمنيه لنظام مبارك ، جيل يريد المستقبل ولا يعرف له قائدا ، يحمل جموحا للمعرفه ولا يعرف إلى أين يتوجه ، هنا أصبح لزاما أن يبحث هؤلاء الشباب عن قياده تأخذ بأيديهم وتعلمهم وترشدهم فكان لزاما عليهم أن يبحثوا فى أقبيه الزمن وفى دفتر أحوال الوطن عن كاريزما تعوضهم عن قصور أجيال تركتهم لسلطه تنهشهم ، فكسروا الأرفف ووقعت الدفاتر وصار غبار كثيف يغطى مساحة ركام تاريخى كبيره ، لم يجنى منها الشباب بعد إنقشاع الغبار إلا قيادات آلت إليها ثورتهم لا تناسب لا المكان ولا الزمان بل وليسوا هم أولى بتلك اللحظه التاريخيه ، حتى عندما طلب من الأستاذ الكبير الراحل " محمد حسنين هيكل " النصيحه لزمن قادم فوصف نفسه وجيله " بالكراكيب " التى لا يجب أن يقف عندها الشباب ليستقى منها خبره لزمن قادم
وعلى الرغم من أن دفتر أحوال الوطن كان لا يزال يحمل فى طيات اوراقه الصفراء أناسا ساعدوا هؤلاء الشباب ولا زالوا يمارسوا فعل مقاومة السقوط وهؤلاء قد فعلوا فعل قبلة الحياة لمشروع تواصل أجيال ولحمه تاريخيه مطلوبه فى هذا الوضع التاريخى الحرج ، ولهذا وفى خضم وضخامه حدث الثوره الذى حمل كميه هائله من الأحداث السائله والتى أوجدت اسئله كثيره لدى شباب وجد نفسه قد فعل إعجازا تاريخيا ولكنه يجهل ملامحه وقسمات المستقبل فيه ، لذلك تلفت يمينا ويسارا باحثا عن إجابات تريحه وتسلمه إلى مسار تاريخى يحافظ فيه ومن خلاله على مكتسباته ، وهنا وجدت نفسى منساقا كغيرى فى حوارات مع شباب تفاجئ كلانا بوجود الآخر جيل فقد دوره بفعل التيه الذى إصطدم به وتحلق حول عالمه الخاص الملئ بالكتب والندوات المتناثره هنا وهناك مكتفيا بالمشاهده التاريخيه فى معظم الأحوال نظرا لطبيعه وجبروت السلطه الحاكمه ، وجيل يبحث عن إجابات متسلحا بتعليم نظامى متدنى يفتقر للمستويات المطلوبه لشباب يريد اللحاق بالمستقبل ناهيك عن قياده تحولات كبيره كثورة 25 يناير ..
تفاعلت وشاركت مؤثرا التراجع خطوه خلف هؤلاء الشباب لأنهم الأحق بصدارة المشهد منى ومن غيرى لأنهم اصحابه ، وأصبح اللقاء يوميا نقاشات وحوارات وأصوات تعلو أحيانا وتخبو أحيانا ، ولكن بمرور الأيام وتصاعد الأحداث وسيولتها قد تسلل إلى إحساس غريب بأن هناك شكا متصاعدا بين الشباب وأجيال سابقه ، الشباب يرون أن هناك من يحاول أن يسرقهم ويسلبهم حقهم فى الإنتصار وجيل يرى أنه إذا لم يكن هو من أسقط النظام إلا أنه الأحق بالإنتصار بدعوى أنه هو الذى مهد الطريق للثوره وهو طبعا ليس محقا فى كامل تصوراته .
هنا وفى خضم عالم صاخب لم يعد أحد يسمع الأخر وصولا لأحداث 30 يونيو والتى تلت الخروج الثانى أو الموجه الثانيه لثورة 25 يناير ، وجدت من يهمس فى أذنى بنصيحه " أنه لا داعى لإستهلاك ما تبقى من مقاومه فى محاوله _إعتبرها هامسى محاوله فاشله_ تصويب إتجاهات شباب فى معظمه يرى أنه الأحق والأجدر وأن ما عاداه لا يفهم شيئا " .. " وأنه يجب تغيير نمط المقاومه من الإتصال المباشر إلى إستخدام فعل الكتابه مستعينا بوسائل الإتصال الإلكترونيه لمحاوله توصيل الفكره وتصحيح المفاهيم بعيدا عن رواد مقاهى لا يرغبون من وراء نقاشاتهم البيزنطيه إلا إظهار الفحوله التى تريد الإنتصار لرأى بغض النظر عن معقوليته "
وعلى الرغم من أن النصيحه جاءت متسلسله وعلى فترات إلا أنها كانت بمثابة صيحه للإستفاقه من عوالم الوهم التى إنتابتنى وإنتابت أجيالا أسبق منى ، وأن الثوره كانت ولا زالت هى المحاوله الأخيره لمن يريد أن يثبت أنه قادر أن يلحق بالمستقبل أو يساعد على لحاق غيره بالمستقبل ،لذلك كان تطبيق النصيحه هو القيام بفعل الكتابه وإستغلال وسائل الإتصال الإلكترونى وكان أول مقال لى وهو ما أعتبره أصعب مقال كتبته فى حياتى وهو حوار مع هذا الصديق القادم من وراء عوالم الوهم التى كنت أتيه فيها ، بعنوان " صديقى الوهمى " وكان على هيئة حوار قصير ، ومنذ ذاك اليوم والذى قوبل فيه مقالى الأول بحفاوه رأيتها مشجعه على المضى قدما إلى أبعد من ذلك ، حتى فوجئت فى يوم من الأيام بصديقى الشاب الصغير " سراج أبوستيت " يبعث لى ببروفه لصفحة جريده يعمل بها محررا فنيا وبها مفاجئه من العيار الثقيل وهى أننى منشور لى أحد مقالاتى على مساحة عمود بالجريده وهو حدث لا يناله أحدا بسهوله مع وعد من رئيس تحرير الجريده ومدير تحريرها بمواصله الكتابه فى الصحيفه ولكن بنفس المستوى وكذلك بنفس الخصوصيه على صفحات الجريده ، وهكذا وجدت نفسى أتجاوز مراحل كثيره وتعددت المقالات التى تناولت فيها قضايا الشباب والوضع الداخلى والخارجى والإنتخابات الرئاسيه وقضايا تهم الشأن العربى والدولى . وفى تلك الفتره كانت هناك جسورا أخرى تمتد إلى مساحات جديده للكتابه فعلى مواقع إلكترونيه مثل موقع " الغلاف " وجدت الصحفى الشاب " محمد حلمى " شابا أخر يمد يده ليساعد على جسر الهوه بين الأجيال ويوفر لى منصه وإطلاله جديده للحوار مع الشباب ، وكذلك الصحفى النابه المحترف " أيمن الشحات " مدير التحرير ورئيس التحرير للعديد من الصحف والمواقع الإلكترونيه الذى لم ألتقى به حتى كتابة تلك السطور لكن كان له فضل كبير فى إتصالى المباشر مع الشباب ..
ويبدوا أن الرياح دائما تأتى بما لا تشتهى السفن ، فقد طالت الأزمه الإقتصاديه الجميع وأصبحت مسألة الإنتظام فى الكتابه محاوله فيها من الصعوبه بمكان ، فكان التفكير بعمل آخر يحول دون القطع مع ما سبق ، وهو ما كان من نتيجته إنشاء مدونه إلكترونيه خاصه تحمل إسمى " مدونة ياسر رافع " لتكون منصه لا تطولها الأزمه الإقتصاديه وتكون معينا لى فى حال رفض أو إعتذار بلطف ممن لا يريد النشر لى وهذا لم يحدث إلا فى حالات تعد على أصابع اليد الواحده ..
وأنطلقت من تلك المنصه إلى عوالم أختبر فيها نفسى وقدراتى وأختبر فيها فعل مقاومة السقوط الذى بدأت السلطه الجديده تمارسه فى إعاده لعقارب الساعه مرة أخرى ، فكان ممارسه فعل الكتابه فى التراجم والسير الخاصه بأناس أعرفهم وعاشرتهم ، وصولا للإختبار الحقيقى من وجهة نظرى وهو فعل النقد الأدبى لأعمال أدبيه بعينها رأيت فيها عملا يستحق التعرض لها لأهميتها ، حتى حانت اللحظه التى قررت فيها أن أجمع كل المقالات التى كتبتها خلال العامين الأولين لممارسة فعل الكتابه بشكل إحترافى وإصدارها فى كتاب منفصل يحتفظ به من يريد الإحتفاظ به هذا من ناحيه ، ومن ناحيه أخرى توثيق لفعل تاريخى وإجابه تاريخيه عن سؤال أزلى وهو " هل نحن فعلا جيل مظلوم ؟ "
بعد ما مارست فعل الكتابه والإختلاط بالشباب أستطيع ان أجاوب على هذا السؤال " بأننا لسنا جيل مظلوم بل جيل ظلم نفسه كغيره ممن سبقوه " الذين لم يمارسوا فعل المقاومه إلى النهايه وآثروا الركون لتهديد سلطه غاشمه ولم يستخدموا قدراتهم الذاتيه المتعدده وأهمها فعل الكتابه وإستخدام أدوات المستقبل للتواصل مع ساكنى المستقبل من الشباب الحائر الباحث عمن يرشده ويأخذ بيده ..
لذلك أرجوا ان تكون مجموعة المقالات التى كتبتها منذ أن مارست فعل الكتابه ومقاومة السقوط فيها من القدر الكافى من التواصل مع الشباب ومع المستقبل على قدر إستطاعتى ، وإيمانى بأننى إذا كان لم يتوفر لى الوقت الكافى لكى يكون لى مكان فى الماضى ولن يكون هناك وقت كافى للحاق بالمستقبل فعلى الأقل يكون لى صوت مسموع يجد صدى وآذانا صاغيه لعل وعسى تجسر ولو جزء بسيط من الهوه بين الأجيال
ياسر رافع
طحانوب – شبين القناطر- القليوبيه
15 فبراير 2017
الساعه السابعه صباحا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه