الخميس، 23 ديسمبر 2021

النكته السياسيه .. واقع مأزوم ! أم ضحكه عابره


 


بقلم / ياسر رافع

لم يكن تنويه الرئيس المصرى " عبد الفتاح السيسى " لحجم النكات التى أطلقها الشعب المصرى حول إحدى تصريحاته التى تناولت " الوزن الزائد " للمصريين ، وكذلك أمنياته من المصريين قائلا " أرجوا إنكم تنكتوا على مهلكم شويه عليا " ، إلا إشاره على مدى علاقة الشعب بالحاكم وحجم حرية التعبير فى مصر . وقد يبدوا للغالبيه العظمى من الشعب المصرى أن هذا الموقف هو الأول عندما يتحدث رئيس مصرى عن النكته التى تتناول الأوضاع السياسيه والإقتصاديه  وهذا ليس صحيحا ، فمن المعروف أن الرئيس جمال عبد الناصر كان قد سبقه وأشتكى من حجم النكات التى أطلقها الشعب على قواته المسلحه عقب نكسة 1967 ففى المؤتمر العام للإتحاد الإشتراكى العربى _ التنظيم السياسى الوحيد آنذاك _ قال بلغه صارمه " بطلوا نكت " لأن معنويات القوات المسلحه بعد الهزيمه كانت منهاره وكان سيل النكات لا ينتهى .
ولكن لم يسأل أحد لماذا يطلق الشعب النكات ؟ ومتى يتقبلها النظام الحاكم ؟ ومتى يتضايق منها ؟ الإجابه على هذه التساؤلات نجدها بين دفتى كتاب " النكته السياسيه عند العرب " للعميد الركن الدكتور اللبنانى " هشام جابر " الرئيس الحالى لمركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامه ، ويعتبر هذا الكتاب دراسه شيقه ومهمه حول النكته السياسيه فى الوطن العربى والتى لا تجد لها دراسات تتحدث عنها إلا داخل أروقة المخابرات والأجهزه الأمنيه والتى تولى النكات السياسيه أهميه خاصه حيث تستخدم فى " الحرب النفسيه " للهجوم على أى عدو ، وفى " العمليات النفسيه " إذا كان الهدف هو حماية البلاد من الداخل . والكاتب يطوف بنا بين دفتى الكتاب معطيا درسا عمليا على أهمية النكته السياسيه فى التعبير عن واقع شعبى مأزوم عندما ينخفض سقف التعبير وإنسداد الأفق السياسى ، وهو الأمر الذى يجعل النكته تنتشر وتصبح هى السمه العامه للتعبير عما يدور بداخل الشعب من أزمات .
 وقد عدد الكاتب وهو ضابط متخصص فى الحرب النفسيه  والإعلام والإتصال الجماهيرى أشكال التعبير بالنكته التى تتخذ أشكالا متعدده منها النكته الصريحه والمقال الساخر والكاريكاتير الهزلى ، وأشكال التعبير الكوميدى فى السينما والمسرح ، وجال بنا فى سرد شيق على عديد الدول العربيه فى العراق وسوريا ولبنان ، ولكنه وعلى الرغم من كونه لبنانى الجنسيه إلا أنه ركز على مصر لأنها على حد توصيفه هى البلد التى يتميز شعبها بالنكته وكانت الدوله التى صدرت النكته السياسيه إلى الدول العربيه ، وكذلك لأن مصر كانت محل الدراسه التى بناءا عليها حصل على درجه نجاحه فى أمريكا للدراسه التى قدمها عن الحرب النفسيه .
فالكاتب بعين الخبير الدارس يرصد تطور النكته فى مصر بأسلوب علمى منذ بدء الصحافه الهزليه المصريه فى أواخر القرن التاسع عشر وتعرضها لرأس النظام المصرى ، وتطور المسرح الكوميدى الساخر وكذلك السينما ، كل هذا مواكبا للنكته الشعبيه التى تعتبر مصدرا هاما وأساسيا للسخريه ، ويرصد تفاعل الحكام الملكيين والجمهوريين فى مصر مع النكته ومدى حبهم لسماعها ومدى غضبهم منها ويرصد قول سامى شرف – رئيس مكتب عبد الناصر للمعلومات – أن الرئيس عبد الناصر كان يحب سماع النكات التى تطلق ولكنه سجل إمتعاض عبد الناصر من بعض النكات التى تطال الحاله الإقتصاديه والسياسيه وخاصه النكات التى أطلقت عقب نكسة 67 ، ونوه إلى أن النكات السياسيه عادة تستخدم من قبل الجهات المعاديه التى تنتج نكات ضمن الحرب النفسيه ضد الدوله وتطلقها فى الشارع كما حدث مع أعضاء السفاره الأمريكيه فى مصر وهو ما جعل عبد الناصر يحذر من خطورة النكته على الحاله العامه فى مصر .
ولكن الكاتب وعلى لسان وزير الداخليه المصرى الأسبق / حسن أبو باشا يرصد أهمية وحجم تأثيرالنكته السياسيه ، قائلا " والميزة الكبرى للنكته السياسيه هى تخفيف حدة التوتر والتنفيس عن الضيق فى الصدور أو الرغبه فى توجيه نظر الحاكم إلى هموم تؤرق الجماهير ، إذا لم يتم الإمتثال لوجهة نظر الرأى العام المتمثله فى النكات فقد تنفجر فى صورة إضطرابات تؤثر على الأمن بشكل عام أو بشلل عام " .
أى أننا أمام شكل تعبيرى شعبوى يعبر عن مأزق سياسى وإقتصادى لا يجد إلا التعبير بالنكته كحل أخير ووحيد ، لهذا لم يخلوا الكتاب من التعرض لبعض النكات التى وصل بعضها لإستخدام المفردات الجنسيه للتعبير بقسوه عن الحاله التى وصل لها الشعب العربى ، لهذا يكرر إحدى النكات قائلا
" قيل إن حاكما فى بغداد فى العصر الوسيط نصب عدة خوازيق ، وكان يستمتع برؤية المحكومين من الشعب يتعذبون فوقها ، ولكن أحد المحكوم عليهم كان كلما وضع على خازوق يطلب نقله على خازوق أكبر ، ولفت هذا نظر الحاكم فأحضره وسأله عن سبب ذلك ؟ فأجاب المواطن " حتى يتسنى لى الراحه بين الخازوق والآخر "
نكته لخصت علاقة مأزومه بين المواطن وسلطة الحكم لتكرار الأزمات المتعدده ، ولكن الكاتب وعلى الرغم من إعجابه بالنكته وتعدد اشكالها الفنيه مسرح وسينما وأشعار وأزجال ، إلا أنه يلفت النظر إلى أهميتها فى الحروب النفسيه الموجهه ضد الدول العربيه وهو ما نوه إليه رئيس المخابرات المصريه السابق " صلاح نصر " فى كتابه عن " الحرب النفسيه " ، وهو الأمر الذى يجب أن يؤخذ على محمل الجد وسط سيل النكات التى تطلق بين الحين والآخر ، وفى المقابل يجب أن تدرس الدوله أسباب الإحتقان التى دعت إلى إطلاق النكات بكثافه ومتعددة الأشكال ومساحة إنتشارها . وعما إذا كانت النكته السياسيه تعبر عن واقع مأزوم محتاج إلى إصلاحات جذريه ، أو نكته عابره مدعاه للسخريه المشروعه للضحكه الغائبه .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...