الأربعاء، 29 يونيو 2022

محاكمة قاتل الجنرال كليبر والطالبة نيرة



بقلم ياسر رافع

مصر عرفت أسرع محاكمة في تاريخها الحديث تحديدا قي يوم 14 يونيو عام 1800م وأستمرت ثلاثة أيام وأصدر الحكم بالإعدام على القاتل ومن عاونه يوم 17يونيو عام 1800م. وكان المقتول هو الجنرال " كليبر" خليفة " نابليون بونابرت" قائد الحملة الفرنسية، والقاتل كان البطل " سليمان الحلبي".

وبعد 222 عام بالتمام والكمال وفي نفس شهر يونيو وفي ذكرى تخليد بطولة " سليمان الحلبي" تقع جريمة قتل طالب جامعي إسمه " محمد" لزميلته الطالبة " نيرة". وتنعقد محاكمة سريعة للقاتل نتج عنه الحكم بتحويل أوراقه لفضيلة المفتي لأخذ رأيه الشرعي في إعدام القاتل.

عفوا : ما العلاقة بين المحاكمتين غير أنهما مشتركتان في عامل السرعة ومختلفتان في الدوافع؟

المحاكمتان بينهما قواسم مشتركة رغم إختلاف الدوافع منها

أولا : أن السرعة جاءت بسبب حجم الجريمة وليس في طبيعة الجرم ذاته. حيث الأولى كانت لقتل حاكم مصر المحتله الفرنسي " كليبر". والثانيه بسبب صدمة المجتمع من جريمة لفتاة تقتل أمام عدسات الكاميرا

ثانيا : نفذت أحكام القانون الفرنسي على " الحلبي" وهي كانت جديدة لدرجه أدهشت المصريون آنذاك. وهو ما تم في قضية " نيرة" بعد تثبيت أركان القانون والإحتكام له في مصر

ثالثا : إعتراف " الحلبي" بقتل " كليبر" ومعه السكين التي نفذ بها، بل وأعترف على من ساعده وموله. وهو فعل مثله " محمد" قاتل " نيرة" حيث إعترف ومعه السكين تفصيليا ورفض الدفع بإهتزازة النفسي وقت الجريمة وأصر على إعترافه

رابعا : وقر في يقين المحكمة بأن القاتل قديما وحديثا مذنبين ومقرين بإرتكابهما فعل القتل وبناءا عليه حكم عليهما بالقتل

كيف تساوي بين محاكمة " بطل" قتل " محتلا" وبين شاب قتل فتاة يحبها؟

عفوا.. لم أساوي بينهما ولكن كنت أشرح واقعه تاريخية تشابهت بينهما الوقائع وسرعة المحاكمة لأعرج سريعا على رد فعل الشارع المصري على المحاكمتين.

عندما قتل "الحلبي" الحاكم الفرنسي المحتل فرح الناس لمقتل كبير الفرنساويه ولكن كان هناك من كان ينظر إليه أنه قاتل مأجور ويعيب على الفرنسيين عقدهم محاكمة عادلة لقاتل كما ذكر " الجبرتي" عند وصف المحاكمه " ألفوا في شأن ذلك أوراقا ذكروا فيها صورة الواقعة وكيفيتها وطبعوا منها نسخا كثيرة باللغات الثلاث الفرنساوية والتركية والعربية... لتضمينها خبر الواقعة وكيفية الحكومة (إصدار الحكم)، ولما فيها من الاعتبار وضبط الأحكام من هؤلاء الطائفة (الفرنسيين) الذين يحكمّون العقل ولا يتدينون بدين، وكيف وقد تجارى على كبيرهم ويعسوبهم رجل آفاقي أهوج وغدره وقبضوا عليه وقرروه (جعلوه يعترف)، ولم يعجلوا بقتله وقتل من أخبر عنهم بمجرد الإقرار بعد أن عثروا عليه".

وكان مع رأي الجبرتي كبار المماليك المتعاونين مع الفرنسيين.

وللأسف ورغم شيوع الواقعه عبر الوسائل الإعلامية وحالة التضامن مع " نيرة" القتيلة والمطالبة بأخذ حقها من القاتل، ظهر علينا من ينكر سرعة المحاكمة تقليلا من قدرة القضاء على دراسة الحادث ومحاولات رخيصة للطعن في شرف القتيلة رغم إعتراف القاتل وثبوت اليقين لدى المحكمه بأن " محمد" هو القاتل. ولا ندري لمصلحة من كل هذا.

" الحلبي" تحول إلى بطل شعبي رغم محاكمة قانونيه وإعترافه، ورغم الطعن فيه من قبل المتعاونين مع المحتل. كذلك ستتحول " نيرة" إلى أيقونه لغدر المجتمع الذي بعد 222 سنه لا زال بينه من لا يحسن الحكم ولا التقدير يخالفون العداله الناجزه وشرع الله وحق المجتمع رغم إعتراف القاتل. 

إنني أرى ( الحلبي ونيرة) في كفه و ( كليبر ومحمد) في كفه أخرى ميزانهما مجتمع غائب بثقافته الشعبية عن قيمة العدالة وتطبيق القانون إما تعمدا أم جهلا.

#الحلبي_بطلا

#نيرة_أيقونه

الثلاثاء، 28 يونيو 2022

ما الذي يحدث في مصر؟


 

بقلم : ياسر رافع 

سؤال : ما الذي حدث ويحدث في المجتمع من إنفلات أخلاقي، جعل من العنف مظهرا شائعا؟

للإجابه على هذا السؤال يجب أن نعرف ما الذي حدث منذ 217 سنه هي عمر الدولة المصرية الحديثة.. فقد حدثت أربع إنعطافات مجتمعية حادة غيرت شكل المجتمع المصري وصولا إلى اللحظة الحاليه من حيث التكوين الطبقي وما تبعه من سلوكيات عرف بها المجتمع خلال كل مرحلة..

الإنعطاف الأول : وهذا حدث مع تولى " محمد على باشا" الحكم والذي نقل مصر من مرحلة العصور الوسطى إلى الحداثه قصرا عبر إتباع سياسات إقتصاديه وإجتماعيه صارمة نتج عنها تحولات إجتماعيه وظهرت طبقات إجتماعيه جديدة واختفت أخرى وظهر نمط إجتماعي جديد كان للمصريين فيه على امتداد خلفاء الباشا حظا من الظهور المجتمعي الواضح عبر تكوين عائلات مصرية تمتلك الثروة وتشارك في الحكم وهذا بطبيعه الحال أوجد سلوكا مجتمعيا استقر لسنوات طويله.

الإنعطاف الثاني : وهذا تم مع ثورة 1919 والذي عبر فيه الشارع المصري عن حاجته لطبقه متوسطه تعبر عنه، وهذا أقلق الطبقه الإجتماعيه الحاكمه من كبار الملاك والتي راهنت على بروز تلك الطبقه في صراعها فيما بينها على الحكم.. وكان البروز الحاد للطبقه المتوسطه أنذاك مظاهر كانت مرفوضه لعل أهمها احتقار شبابها للموروث وعدم احترام الثوابت وكبار القوم كما ذكر " المنفلوطي" في رصدة لأحداث ثورة 1919

الإنعطاف الثالث : هو قيام ثورة يوليو 1952 التي مثلت إنعطافا كبيرا يماثل ما حدث مع تولى " محمد على باشا" مصر.. فقد قضت على النظام الإقتصادي الممتد منذ القرون الوسطى وكانت الإبن الشرعي للطبقه المتوسطه التي نشأت مع ثورة 1919.. وكان التحول إلى النظام الإشتراكي إقتصاديا وإجتماعيا بمثابة عملية مفاصلة مع الماضي بالكلية حيث تغير شكل المجتمع وعاداته مع اختفاء طبقات إجتماعيه وبروز أخرى وإتساع شريحة الطبقه المتوسطه. وهذا أوجد عادات إجتماعية وأنماط سلوكية سرعان ما شكلت شكل وطبيعه المجتمع لسنوات طويلة تاليه. 

الإنعطاف الرابع : وهذا بدأ مع قرار الدولة المصرية بالتحول الإقتصادي من الإشتراكية إلى الرأسمالية في تسعينات القرن العشرين وما تبع ذلك من بداية ظهور طبقه إجتماعيه تربحت من عوائد الخصخصه وكان تأثير الخصخصه السلبي واضحا على الطبقه المتوسطه فكانت ثورة 25 يناير 2011 صرخه مجتمعيه ضد هذا الإنعطاف. لكن هذا لم يتوقف بل إستمر بعد 30 يونيو 2013 حيث إستمرت الدولة في نهجها نحو التحول الإقتصادي ولكن بوتيرة أسرع مما نتج عنه إنكسارات وعوارض إجتماعيه حادة لا نعلم متى تنتهي فترة التحول الحاليه حتى نستطيع أن نحدد شكل وطبيعة المجتمع

بعد هذا العرض البسيط نستطيع أن نقول.. أن كل إنعطاف تاريخي مجتمعي حدث خلال أكثر من مائتي عام وحتى الآن صاحبه تغيير نمط سلوكي كان في بدايته همجيا وغير معتاد حتى إستقرت الأوضاع على شكل محدد الملامح نستطيع من خلاله الحكم على كل فترة تاريخيه.

ولكن الإنعطاف الأخير يتسم عن غيرة بعدة مظاهر.. الإتصال الواسع والكبير بالعالم الخارجي عبر وسائل العصر الحديث من إنترنت ووسائل تواصل إجتماعي وفضائيات عالمية.. بجانب أزمة إقتصادية طاحنه تقابلها طموحات إجتماعية بالعيش الرغيد وهزة ضخمة تعرضت لها الطبقة المتوسطه جعلها تترنح تحت ضربات الإصلاح الإقتصادي المتتاليه مما جعل من ظهور الجريمة وتعدد مظاهرها وطبيعتها أمرا مقلقا خصوصا وأنه ليس هناك سقفا زمنيا لإنتهاء فترة الإصلاح الإقتصادي. وهذا يتطلب من الدولة المصرية أن تحاول تهدئة الطبقة الوسطى الجريحه عبر محفزات إقتصادية تكبح إلى حدا ما ما يحدث في المجتمع مع الصرامة في تطبيق القانون

ولكن تبقى كلمة.. ما يحدث عوارض إجتماعية لإنعطاف إقتصادى حاد ولن تنتهي حتى تستقر الأوضاع الإقتصادية

الأربعاء، 22 يونيو 2022

الأسكندر الأكبر السعودى .. تدشين حكم ومرحلة


 

بقلم ياسر رافع

إن جولة ولى العهد السعودى " محمد بن سلمان " فى منطقة الشرق الأوسط فى ذكرى توليه ولاية العهد السعودى منفردا بديلا عن الأمير " محمد بن نايف " ، تحمل دلالات كثيرة من حيث التوقيت وطبيعة المستجدات التى طرأت وتطرأ على المنطقة .

الإسكندر الأكبر السعودى _ الإسم التدليلى لولى العهد _ بات قاب قوسين أو أدنى من وراثة أغنى عرش ملكى فى العالم ، بعدما إستتب له الحكم تحت مظلة والده الملك " سلمان بن عبد العزيز" وسيطر على مفاصل الحكم وتخلص من خصومه المحتملين وقام بترويض الأخرين ، لكن حادثة مقتل الصحفى السعودى " جمال خاشقجى" قوضت كثيرا من مصداقية ولى العهد دوليا ، وأصبح التخلص من عبأ مناصرته دوليا من قبل الدول الغربية وأمريكا مطلبا رسميا وشعبيا ، وعلى الرغم من الوجه الحداثى والإنفتاحى الذى إنتهجه فى تحويل السعودية من دوله محافظة إلى دوله منفتحه إلا أن ذلك لم يشفع لولى العهد إخفاقه فى اليمن وإدارة ملف العلاقات السعودية الأمريكيه بعد حادثة " خاشقجى " وملفات البترول وأوبك بلس .
وكما كان الحظ حليفا للأسكندر الأكبر المقدونى لتولى مقاليد الحكم بعد والده " فيليب " فإن الحظ لعب دوره وبقوة من أجل تسارع وتيرة تسلم " محمد بن سلمان " مقاليد الحكم ، فقد قامت الحرب الروسية الأوكرانية لتدفع بالمملكة العربية السعودية إلى صدارة المشهد العالمى بسبب أنها أكبر مصدر للنفط فى العالم وأنها تستطيع المساعدة فى كبح جماح التضخم العالمى ، وأصبحت السعودية بولى عهدها فى عشية وضحاها من الأهمية القصوى ليتودد لها العالم العدو قبل الحليف .
وأصبحت مطالبات السعودية الأمنية فى المنطقة محل إعتبار ، وأصبح لديها هامش للمناورة أمام الغرب وأمريكا للحصول على ما تريد وذلك باللعب لأول مرة أو التلويح بسياسة المحاور مع روسيا تارة ومع الصين تارة أخرى . وهو على ما يبدوا قد أتى بثمارة سريعا ، فالرئيس الأمريكى " بايدن " الذى رفض مرارا محاولات ترتيب لقاء بينه وبين ولى العهد السعودى قد إضطرته ظروف الحرب الأوكرانية والملف النووى الإيرانى وأمن إسرائيل وأزمة الطاقة والتضخم فى أمريكا ، إلى نسيان مسألة حقوق الإنسان وملف مقتل " خاشقجى " وهاهو سيحل ضيفا على المملكة وولى عهدها الذى يعيش نشوة الإنتصار .
لهذا ولإسباب متعددة ومن طبيعة وشكل الإستقبال الحافل لولى العهد السعودى فى الأردن ومصر وتركيا نستطيع وبكل بساطه أن نقول أن هذة الزيارة هى تدشين شبه رسمى لحكم سعودى جديد بقيادة ولى العهد وإعتراف دولى وإقليمى بدور متنامى للسياسة السعودية وبداية لحقبة جديدة تريد منها السعودية أن تقود المنطقة وسائلها فيها هى القوة الإقتصادية الجبارة .
إن إختيار ولى العهد للأردن ومصر وتركيا له دلالات لا تخطأها العين لتصورات السعودية وولى عهدها لطبيعة المرحلة الجديدة ، فالأردن ومصرهما حليفان تقليديان يعانيان من أزمة إقتصادية طاحنه ويعانيان من أزمة تغييرات جيوسياسية مقلقة من دول المنطقة كالإمارات وإسرائيل وتركيا ، ولكلا منهما أسبابه وأن وقوف السعودية الجديدة بجانبهما إقتصاديا عبر حزمة من المساعدات والإستثمارات فإن ذلك سيضمن تحالفا مستمرا ولكن وفق ضوابط المصلحة المشتركة ، وتركيا التى تريد أن تلعب دورا فى ترتيبات الأمن فى المنطقة والسعودية لا تمانع فى لعب هذا الدور وفق ضوابط تمليها طبيعة المنطقة وطبيعة العدور المشترك .
ولكن الزيارة فى ظنى على أهميتها إلا أنها سيقابلها عوائق يمكن التغلب عليها ولكن ليس سريعا ، فالعلاقات المصرية التركية مثلا وإن خفت حدة الخلاف بينهما إلا أن محاولة سعودية لترتيبات أمن فى المنطقة سيقابلها ضرورة تصفية المشاكل الأمنية العالقة بين مصر وتركيا فى ليبيا وشمال سوريا وشمال العراق ومشكلة إيواء عناصر المعارضة المصرية من الإخوان المسلمين ، وكذلك تريد مصر تحديدا وتوصيفا واضحا لطبيعة الدور التركى فى المنطقة إذا أرادت المشاركة . وكذلك سيقابل ولى العهد مشكلة التعاون المتسارع بين الإمارات التى تريد خلافة الخليج وإزاحة السعودية ، وبين إسرائيل التى تريد أن تنفرد بالمشهد الأمنى وترتيباته وتصبح دول الخليج والمنطقة تحت قيادتها العسكرية فى مواجهة إيران وكذل ترتيبات أمنية ممتدة لسنوات طويلة قادمة .
الزيارة أثارت موضوعات وتكهنات كثيرة ، ولكنها ستظل محل تكهنات حتى تأتى زيارة الرئيس الأمريكى " بايدن " للسعودية ولقاء القادة السعوديين ، ثم اللقاء المرتقب بقادة دول الخليج ومصر والأردن مجتمعين ، تلك الزيارة التى حملت هى الأخرى بتكهنات كثيرة ، مثل تكوين قوة مشتركة بين العرب وإسرائيل ضد إيران ، وتكوين تحالف لقيادة المنطقة فى المستقبل ، وهلم جرا من التكهنات .
لكن تبقى أهمية زيارة ولى العهد السعودى للخارج فى تأكيدها على شيئين هامين وآساسيين ، الأول هو أن تولى كرسى عرش المملكة من قبل الإسكندر الأكبر قد أصبح مسألة وقت ليس أكثر ، وأن ولى العهد يريد التأكيد على أن مرحلة جديدة فى المنطقة بدأت وأن السعودية بقيادته المستقبلية ستغير من قواعد اللعبة فى المنطقة ولسنوات قادمة .

الخميس، 16 يونيو 2022

العصامية والجربعة .. رؤية منصفة للتاريخ



بقلم ياسر رافع


بعد إندلاع ثورة 25 يناير 2011 فى مصر ، ومع وجود الحشود المليونية فى ميادين مصر المحروسة ، خرج علينا شاعر شاب " هشام الجخ " ألهب حماس الشباب بقصائدة الثورية ، ولعل قصيدة " مشهد رأسى من ميدان التحرير" هى الأبرز حيث كان مطلعها :


خبئ قصائدك القديمة كلها
مزق دفاترك القديمه كلها
وأكتب لمصر اليوم شعرا مثلها .....
 
وعلى الرغم من حماسية القصيدة التى ألهبت خيال الشباب بإمكانية التغييرالقائم على رفض القديم بالكليه وهو ماعبرعن إشكالية مجتمعية كبرى متجذرة فى الشعب المصرى فيما بعد مجئ الحملة الفرنسية 1798 مثلت عقبه كؤود فى تطور الشخصية المصرية إجتماعيا وسياسيا وهى إعتماد قاعدة " الإنكار" للماضى بالكليه دون النظر إلى الماضى بطبائعه وإعتماد مبدأ " خبئ " و " مزق " للحكم على الماضى إجتماعيا وسياسيا وفى المقابل إعادة كتابة التاريخ منذ اللحظة الحالية . وهذا السلوك أصبح ظاهرة مميته تجتاح المجتمع مما ينذر بمستقبل مظلم .
فى كتابة المعنون " تاريخ العصامية والجربعه _ تأملات نقدية فى الإجتماع السياسى الحديث " يقوم الكاتب " محمد نعيم " برصد ظاهرة من وجة نظر شعبوية الألفاظ تعتمد على الموروث المشوه القائم على قاعدة الفقر والإنكار والهجرة الداخلية . وقد عرف تلك الظاهرة بإسم " العصامية " فى مقابل " الجربعة " .
حيث العصامية ، هى الشكل الكفاحى والنضالى للشعب المصرى إجتماعيا وسياسيا ، منذ أول إحصاء للسكان أثناء الحملة الفرنسية والذى قدر عدد السكان بحوالى إثنين ونصف مليون نسمه ، أغلبيتهم الكاسحه من الفقراء وقن الأرض حيث كانت ملكية الأراضى محرمه على المصريين قبل ذلك ، وبالتالى لم توجد عائلات لها جذور مجتمعيه راسخه تدعم ماشاع بين المصريين لاحقا من أن هناك أصول ممتدة وراسخه لتلك العائلات ، ومن هنا ينطلق الكاتب ليتتبع جذور ونشأة العائلات المصرية والتى أرجعها إلى سببين رئيسيين ، الأول هو الإنعامات الخديويه والباشاوية لبعض الأفراد الذى إستطاعوا تكوين ثروات وتكوين نمط عائلى جديد ، والثانى هو تكوين الجيش المصرى والذى ساعد فى تكوين عائلات مصرية جديدة بجانب إنتاشر التعليم ، وهذان العاملان جعلهما الكاتب شكلا أساسيا للتطورالكفاحى العصامى للشعب المصرى إجتماعيا والذى تطور لاحقا إلى شكل سياسى وطنى تحررى ،
ولكن فى المقابل ظهرت ظاهرة " الجربعه " والتى يعرفها الكاتب قائلا " بأنها حزمة من التصورات الفردية والجماعية التى تعمل على إنتاج وإعادة إنتاج نفسها نفسيا وسلوكيا ، بإختصار يتوخى التجريد قدر الإمكان ، الجربعة هى الإستهانة بسلامة وإتساق المنطق الأخلاقى بنحو يحرم صاحبه من الدرجة المطلوبة من إحترام النفس وإحترام الأخر وإحترام المعانى عموما فتنحط تفاعلاته مع الوجود إلى حدود تجعل الخوف بتجلياته المختلفه ملازما لكل العلاقات ( الخوف من / الخوف على ) كعناوين رئيسية حاكمة للإجتماع الإنسانى المشترك ، بنحو يجتث كرامة الإنسان وينال من فضائل وجوده "
والجربعه ظهرت مصاحبه للعصامية منذ بداية تزاوج العائلات الفلاحية الوليدة من الشركس والأرناؤوط والأتراك وكذلك العائلات التى قامت على المهن مثل الهندسه والطب والتعليم لتجذير مفهوم الطبقيه التاريخيه للعائلات المصرية ، وكانت أهم مظاهرها هو إنكار الأساس الذى قامت عليه ألا وهو " أنه لا يوجد فى مصر أبناء حسب ونسب بالمعنى الذى يدعيه البعض وتاريخ المصريين بالمعنى الواسع هو تاريخ التخلص من الفقر ووصمته " وأن إنتسابها للطبقات الأجنبيه الحاكمه للبلاد أوعصامية الأجداد الفلاحين لن يلغى تاريخا ولن يبرر سلوكها الإجتماعى القائم على إحتقار الناس على أساس طبقى أو جنسى أو لونى أو سياسى ،
والسلوك الجربوعى قد أسس لطبقة متوسطة مشوهه تحاول تقليد سلوك طبقية وعائلية سابقه على نفس قاعدة إنكار عصامية الأباء والأجداد فى جربوعيه فجه من أجل اللحاق بمجتمع يمارس عليها فعل الجربعه ويرفض وجودها بجانبه ساكنا كان أم عاملا ، وهذا السلوك أصبح ظاهرة عامة تجتاح مصر التى أصبح السلوك الطبقى حاكم لسلوكيات الناس وأفعالهم فيها ، بدأ من إحتقار مهن الأباء والأجداد وعصاميتهم من أجل نمط جربوعى قائم على إنكار الماضى ومحاوله دؤوبه لمحو التاريخ وإعادة كتابة تاريخ جديد مزيف فى محاولة لإيجاد جذور لواقع جديد ، وهذا لم يقف عند الحدود الإجتماعية التى تريد الترقى بعيدا عن الواقعيه والعصامية ، ولكن هذا السلوك الإجتماعى أوجد نمط سياسى مصاحب له ، حيث محاولة الإرتباط بطبقات معينه من أجل الترقى جعل من الجربعه السياسية واقع متجذر ، حيث أتهم " أحمد عرابى " وتم تعييره بأصله الفلاحى ، وإلصاق تهمة التسبب فى إحتلال مصر من أجل التودد للخديوى " توفيق " الذى إستدعى الإنجليز لإحتلال مصر ، وجربعه سياسية لتطور إجتماعى بعد ثورة 23 يوليو 1952 قائمة على إنكار ما حدث فى العهد الملكى من أجل اللحاق المجتمعى بالدولة الجديدة ، وجربعة سياسية مصاحبة لظهور طبقة الوكالات الأجنبية والإنفتاح فى عهد " السادات " قائمة على الطعن فى العهد الناصرى كله ، وجربعة مصاحبة لثورة 25 يناير 2011 قائمة على إنكار ماسبق عليها من قبل تيارات سياسية لم تستطع أن تفلت هى الأخرى من فكرة الجربعه السياسية عبر إنكار وإحتقار بعضها البعض ، وجربعة سياسية مصاحبة لما بعد 30 يونيو 2013 حيث الإنفصال المجتمعى الطبقى وظهور المجتمعات الثرية خلف الأسوار والتى خلقت واقعا فجا يرفض العصامية لصالح تأصيل الجربعة كما حدث بعد تولى محمد على باشا وظهور العائلات المصرية وهو ما أوجد تيارا سياسيا جديدا قائم على التمايز الطبقى .
مصر تشهد واقعا مأزوما إجتماعيا وسياسيا ناتج عن تراكمات من الأوهام الإجتماعية والسياسية المتوارثة جيلا بعد جيل منذ حوالى مائتين وخمسة عشر عاما هى عمر تكون العائلات المصرية الحديثة ، واقع طبقى إقصائى أضر بتطورالطبقة الوسطى وجعلها إستهلاكية كعنوان للتمايز ( سيارة – فيلا ... ) ، تمارس السلوك الإستعلائى على الفقراء وذوى البشرة الداكنه والغير متعلمين وأصحاب المهن البسيطه ، لمجرد أن أفرادها نالوا حظا من التعليم والمال دون غيرهم وحاولوا اللحاق بمجتمع يعطيهم تمايزا طبقيا بل وراحوا ينكرون أصولهم الفلاحية والعمالية وإعادة كتابة تاريخ مزيف ، وهو ما جعلهم عبأ على الواقع السياسى وأصبحوا عونا للسلطات على الفقراء والمهمشين .
الكاتب بعد عرض شيق لتاريخ العصامية والجربعه ، يخلص إلى حل على شاكلة رواية " أولاد حارتنا " للكاتب الكبير " نجيب محفوظ " الذى جعل العلم وسيلة للتخلص من إشكالات الماضى ، وهذا الحل يلخصه الكاتب فى أن ثورة 25 يناير 2011 أوجدت واقعا جديدا يمكن البناء عليه من أجل التخلص من ظاهرة الجربعه الإجتماعية والسياسية وهوواقع التطور التكنولوجى الذى أتاح لكل الناس من الطبقات الفقيرة التى تجد الأفق أمامها للترقى مسدودا من قبل طبقات مشوهه إجتماعيه تمارس فعل الجربعه عليها ، حيث الفضاء الإلكترونى أتاح فرص التميز والتعلم والترقى الإجتماعى وكذلك الإنفتاح على قيم سياسية جديدة كالديموقراطية والمساواة الطبقيه والحريات وحقوق الإنسان .
ويبقى التساؤل : هل تنتصرالتكنولوجيا بأدواتها للعصامية وإحترام الإنسان وتوجد طبقه جديدة تقود الطبقة المتوسطة نحو إنتاج واقع جديد عبر رؤية منصفه للتاريخ وذلك لمستقبل أفضل ؟ أم تسود حماسية " هشام الجخ " القائمة على " خبئ " و " مزق"  وتظل الجربعه سلوكا إجتماعيا وسياسيا سائدا ويصبح المستقبل غائما وغير محدد الملامح ؟ 

 

هل تستطيع إيران هزيمة أمريكا ؟!

  بقلم ياسر رافع  منذ بداية الصراع بين إيران وامريكا وإسرائيل والممتد منذ سنوات طويلة، ومنذ ان أخذ الطابع الخشن في ملفات عده في العراق وسوري...