بقلم ياسر رافع
بعد إندلاع ثورة 25 يناير 2011 فى مصر
، ومع وجود الحشود المليونية فى ميادين مصر المحروسة ، خرج علينا شاعر شاب "
هشام الجخ " ألهب حماس الشباب بقصائدة الثورية ، ولعل قصيدة " مشهد رأسى
من ميدان التحرير" هى الأبرز حيث كان مطلعها :
خبئ قصائدك القديمة كلها
مزق دفاترك القديمه كلها
وأكتب لمصر اليوم شعرا مثلها .....
وعلى الرغم من حماسية القصيدة التى ألهبت خيال الشباب بإمكانية التغييرالقائم على
رفض القديم بالكليه وهو ماعبرعن إشكالية مجتمعية كبرى متجذرة فى الشعب المصرى فيما
بعد مجئ الحملة الفرنسية 1798 مثلت عقبه كؤود فى تطور الشخصية المصرية إجتماعيا
وسياسيا وهى إعتماد قاعدة " الإنكار" للماضى بالكليه دون النظر إلى
الماضى بطبائعه وإعتماد مبدأ " خبئ " و " مزق " للحكم على
الماضى إجتماعيا وسياسيا وفى المقابل إعادة كتابة التاريخ منذ اللحظة الحالية .
وهذا السلوك أصبح ظاهرة مميته تجتاح المجتمع مما ينذر بمستقبل مظلم .
فى كتابة المعنون " تاريخ العصامية والجربعه _ تأملات نقدية فى الإجتماع
السياسى الحديث " يقوم الكاتب " محمد نعيم " برصد ظاهرة من وجة نظر
شعبوية الألفاظ تعتمد على الموروث المشوه القائم على قاعدة الفقر والإنكار والهجرة
الداخلية . وقد عرف تلك الظاهرة بإسم " العصامية " فى مقابل "
الجربعة " .
حيث العصامية ، هى الشكل الكفاحى والنضالى للشعب المصرى إجتماعيا وسياسيا ، منذ
أول إحصاء للسكان أثناء الحملة الفرنسية والذى قدر عدد السكان بحوالى إثنين ونصف
مليون نسمه ، أغلبيتهم الكاسحه من الفقراء وقن الأرض حيث كانت ملكية الأراضى محرمه
على المصريين قبل ذلك ، وبالتالى لم توجد عائلات لها جذور مجتمعيه راسخه تدعم ماشاع
بين المصريين لاحقا من أن هناك أصول ممتدة وراسخه لتلك العائلات ، ومن هنا ينطلق
الكاتب ليتتبع جذور ونشأة العائلات المصرية والتى أرجعها إلى سببين رئيسيين ،
الأول هو الإنعامات الخديويه والباشاوية لبعض الأفراد الذى إستطاعوا تكوين ثروات وتكوين
نمط عائلى جديد ، والثانى هو تكوين الجيش المصرى والذى ساعد فى تكوين عائلات مصرية
جديدة بجانب إنتاشر التعليم ، وهذان العاملان جعلهما الكاتب شكلا أساسيا للتطورالكفاحى
العصامى للشعب المصرى إجتماعيا والذى تطور لاحقا إلى شكل سياسى وطنى تحررى ،
ولكن فى المقابل ظهرت ظاهرة " الجربعه " والتى يعرفها الكاتب قائلا
" بأنها حزمة من التصورات الفردية والجماعية التى تعمل على إنتاج وإعادة
إنتاج نفسها نفسيا وسلوكيا ، بإختصار يتوخى التجريد قدر الإمكان ، الجربعة هى
الإستهانة بسلامة وإتساق المنطق الأخلاقى بنحو يحرم صاحبه من الدرجة المطلوبة من
إحترام النفس وإحترام الأخر وإحترام المعانى عموما فتنحط تفاعلاته مع الوجود إلى
حدود تجعل الخوف بتجلياته المختلفه ملازما لكل العلاقات ( الخوف من / الخوف على )
كعناوين رئيسية حاكمة للإجتماع الإنسانى المشترك ، بنحو يجتث كرامة الإنسان وينال
من فضائل وجوده "
والجربعه ظهرت مصاحبه للعصامية منذ بداية تزاوج العائلات الفلاحية الوليدة من
الشركس والأرناؤوط والأتراك وكذلك العائلات التى قامت على المهن مثل الهندسه والطب
والتعليم لتجذير مفهوم الطبقيه التاريخيه للعائلات المصرية ، وكانت أهم مظاهرها هو
إنكار الأساس الذى قامت عليه ألا وهو " أنه لا يوجد فى مصر أبناء حسب ونسب
بالمعنى الذى يدعيه البعض وتاريخ المصريين بالمعنى الواسع هو تاريخ التخلص من
الفقر ووصمته " وأن إنتسابها للطبقات الأجنبيه الحاكمه للبلاد أوعصامية
الأجداد الفلاحين لن يلغى تاريخا ولن يبرر سلوكها الإجتماعى القائم على إحتقار
الناس على أساس طبقى أو جنسى أو لونى أو سياسى ،
والسلوك الجربوعى قد أسس لطبقة متوسطة مشوهه تحاول تقليد سلوك طبقية وعائلية سابقه
على نفس قاعدة إنكار عصامية الأباء والأجداد فى جربوعيه فجه من أجل اللحاق بمجتمع
يمارس عليها فعل الجربعه ويرفض وجودها بجانبه ساكنا كان أم عاملا ، وهذا السلوك
أصبح ظاهرة عامة تجتاح مصر التى أصبح السلوك الطبقى حاكم لسلوكيات الناس وأفعالهم
فيها ، بدأ من إحتقار مهن الأباء والأجداد وعصاميتهم من أجل نمط جربوعى قائم على
إنكار الماضى ومحاوله دؤوبه لمحو التاريخ وإعادة كتابة تاريخ جديد مزيف فى محاولة
لإيجاد جذور لواقع جديد ، وهذا لم يقف عند الحدود الإجتماعية التى تريد الترقى
بعيدا عن الواقعيه والعصامية ، ولكن هذا السلوك الإجتماعى أوجد نمط سياسى مصاحب له
، حيث محاولة الإرتباط بطبقات معينه من أجل الترقى جعل من الجربعه السياسية واقع متجذر
، حيث أتهم " أحمد عرابى " وتم تعييره بأصله الفلاحى ، وإلصاق تهمة
التسبب فى إحتلال مصر من أجل التودد للخديوى " توفيق " الذى إستدعى
الإنجليز لإحتلال مصر ، وجربعه سياسية لتطور إجتماعى بعد ثورة 23 يوليو 1952 قائمة
على إنكار ما حدث فى العهد الملكى من أجل اللحاق المجتمعى بالدولة الجديدة ،
وجربعة سياسية مصاحبة لظهور طبقة الوكالات الأجنبية والإنفتاح فى عهد "
السادات " قائمة على الطعن فى العهد الناصرى كله ، وجربعة مصاحبة لثورة 25
يناير 2011 قائمة على إنكار ماسبق عليها من قبل تيارات سياسية لم تستطع أن تفلت هى
الأخرى من فكرة الجربعه السياسية عبر إنكار وإحتقار بعضها البعض ، وجربعة سياسية
مصاحبة لما بعد 30 يونيو 2013 حيث الإنفصال المجتمعى الطبقى وظهور المجتمعات
الثرية خلف الأسوار والتى خلقت واقعا فجا يرفض العصامية لصالح تأصيل الجربعة كما
حدث بعد تولى محمد على باشا وظهور العائلات المصرية وهو ما أوجد تيارا سياسيا
جديدا قائم على التمايز الطبقى .
مصر تشهد واقعا مأزوما إجتماعيا وسياسيا ناتج عن تراكمات من الأوهام الإجتماعية
والسياسية المتوارثة جيلا بعد جيل منذ حوالى مائتين وخمسة عشر عاما هى عمر تكون
العائلات المصرية الحديثة ، واقع طبقى إقصائى أضر بتطورالطبقة الوسطى وجعلها
إستهلاكية كعنوان للتمايز ( سيارة – فيلا ... ) ، تمارس السلوك الإستعلائى على
الفقراء وذوى البشرة الداكنه والغير متعلمين وأصحاب المهن البسيطه ، لمجرد أن
أفرادها نالوا حظا من التعليم والمال دون غيرهم وحاولوا اللحاق بمجتمع يعطيهم
تمايزا طبقيا بل وراحوا ينكرون أصولهم الفلاحية والعمالية وإعادة كتابة تاريخ مزيف
، وهو ما جعلهم عبأ على الواقع السياسى وأصبحوا عونا للسلطات على الفقراء
والمهمشين .
الكاتب بعد عرض شيق لتاريخ العصامية والجربعه ، يخلص إلى حل على شاكلة رواية
" أولاد حارتنا " للكاتب الكبير " نجيب محفوظ " الذى جعل
العلم وسيلة للتخلص من إشكالات الماضى ، وهذا الحل يلخصه الكاتب فى أن ثورة 25
يناير 2011 أوجدت واقعا جديدا يمكن البناء عليه من أجل التخلص من ظاهرة الجربعه
الإجتماعية والسياسية وهوواقع التطور التكنولوجى الذى أتاح لكل الناس من الطبقات
الفقيرة التى تجد الأفق أمامها للترقى مسدودا من قبل طبقات مشوهه إجتماعيه تمارس
فعل الجربعه عليها ، حيث الفضاء الإلكترونى أتاح فرص التميز والتعلم والترقى
الإجتماعى وكذلك الإنفتاح على قيم سياسية جديدة كالديموقراطية والمساواة الطبقيه والحريات
وحقوق الإنسان .
ويبقى التساؤل : هل تنتصرالتكنولوجيا بأدواتها للعصامية وإحترام الإنسان وتوجد
طبقه جديدة تقود الطبقة المتوسطة نحو إنتاج واقع جديد عبر رؤية منصفه للتاريخ وذلك
لمستقبل أفضل ؟ أم تسود حماسية " هشام الجخ " القائمة على " خبئ
" و " مزق" وتظل الجربعه
سلوكا إجتماعيا وسياسيا سائدا ويصبح المستقبل غائما وغير محدد الملامح ؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه