الثلاثاء، 27 سبتمبر 2022

السينما والإستمطار السياسى !!


 

بقلم ياسر رافع 


كثيرا ما تلجأ الدول التى تعانى من شح الأمطار ومصادر المياة إلى عملية تعرف " بالإستمطار" وهى عملية عبارة عن إطلاق مواد كيميائية فى السحاب لتكثيفه ليسقط مطرا عليها حسب الحاجه ، وأصبح الإستمطار حلا للتغلب على مشاكل نقص المياة التى تهدد تلك الدول بالمجاعات والحروب !!

وفى المقابل تستخدم تقنيات تلك العملية أيضا لتبديد الغيوم من أجل السلامه كالذى يحدث فى المطارات ، وهو ما يدفعنا للقول بأن تلك العملية ماهى إلا ترجمة عملية لعملية منظمة تنظيما دقيقا تعطى نتائج عظيمة متوقع حدوثها ، وهو ما يجعلنا نستطيع أن نسقطها على الواقع السياسى لنستطيع فهم بعض ما جرى ويجرى حولنا
فهل يمكن للإستمطار المائى أن يتحول لإستمطار سياسى ؟!!
....................................................................................
فى العام 1919 توجه بضعه أفراد من المصريين إلى دار السفارة الإنجليزية فى القاهرة على رأسهم السياسى " سعد زغلول " وذلك لتقديم طلب للسماح لهم بالتوجه لمؤتمر السلام فى باريس لعرض مطالب مصر بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى 1914، والتى تتضمن إلغاء الحماية البريطانية على مصر وإعلان الدستور ، لكن السفير البريطانى شكك فى شرعيتهم مما جعلهم يجمعون التوكيلات من المصريين لإثبات الشرعية ، ولكن السلطات البريطانية قامت بإعتقالهم ونفيهم إلى جزيرة مالطا على الرغم من محاولات حكومية مصرية للحيلوله دون وقوع ذلك ،الأمر الذى أدى إلى بدأ المظاهرات والإحتجاجات فى القاهرة وكان قوامها من طلبة المدارس الثانوية والعليا ثم تلا ذلك دخول كل طبقات الشعب من كل القطر المصرى تباعا .
مع تراكم سحب الثورة فى كل مكان المحملة بغيوم كثيفة من الغضب لدى كل قطاعات الشعب وخاصة الشباب ،
بدأت أول عملية " إستمطار سياسى" فى مصر الحديثة ، فعلى الرغم من الإفراج عن " سعد زغلول " وسفره إلى باريس إلا أن المؤتمر أيد الحماية البريطانية على مصر ، وهو ما أجج مشاعر المصريين أكثر وأخذت المظاهرات منحى عنيفا وسقط الشهداء والجرحى ! لكن أحدا لم يلتفت إلى السرعة التى إنتشرت بها الثورة فى مجتمع يغلب عليه الجهل والإستكانه ويرزح تحت عبودية ملاك الأراضى من الإقطاعيين ، إنها الدولة العميقة التى رأت مصالحها مع تنامى الغضب ضد المحتل الإنجليزى لهذا ساعد ملاك الأراضى الكبار والقصر الملكى الثورة ودعموها من الخلف لتجميع أكبر قدر من سحب الغضب وذلك لهدفين ،
الأول نيل إستقلالا يمنح الملكية المصرية قبلة الحياة ، والثانى الوقوف ضد دعاوى متنامية لإقامة جمهورية تنهى الملكية وسيطرة ملاك الأراضى . لهذا كانت المساعدة فى تكثيف سحب الثورة لأكثر من سنتين العامل الحاسم لإستمطار سياسى كان من نتائجه تصريح 28 فبراير الذى ينهى الحماية البريطانية على مصر بعد مفاوضات مع القصر وكبار الملاك من الوزراء ، وكذلك السماح بوجود دستور للبلاد " دستور 1923 " ، وبقى أمام الدوله العميقة مهمة تبديد سحب الثورة وعودة الجماهير الغاضبه إلى بيوتها مرة أخرى وهذا كان أمرا سهلا مع قطع الدعم لها ، ومغازلتها بتولية " سعد زغلول " رئاسة الوزراء ، إلا أنه وبعد فترة قصيرة تم التخلص من تلك الوزارة ، بعدها إطمئن أصحاب الإستمطار السياسى أن سحب الثورة تبددت وأن النظام الملكى الجديد أصبح تظله سماء صافية .
وهكذا نجحت أول عملية إستمطار سياسى فى مصر الحديثه ، وعادت الجماهير إلى البيوت مرة أخرى لا تدرى لماذا خرجت ؟ ومن كان يدفعها إلى الأمام ؟ ولماذا إرتفع سقف المطالب ؟ ولماذا لم يتغيرالوضع الإجتماعى والسياسى بالنسبه لهم ؟ ولماذا تم إلغاء دستور 23 أهم منجزات ثورة 1919 ؟
أسئلة ظلت معلقة حتى تجدد المشهد مرة أخرى , ولكن بطريقة أكثر حداثه !!
............................................................................................
فى أخر سنتين من حكم الرئيس السابق " حسنى مبارك " قد بدا أن النظام على وشك السقوط ، بسبب رغبه دولية خارجية رأت فى ذلك النظام أنه لا يلبى طلبات بعينها ، وأصبح الهجوم عليه شبه متواصل عبر كل الوسائل المتاحه لذلك ، ورغبة داخلية محملة بتبعات أزمة إقتصادية كبيرة وبطالة متزايدة ونفوذ لا متناهى لرجال الأعمال الذين تولوا زمام الأمور فى البلاد . ورغبة محمومة من نجل الرئيس وحاشيته لتولى رئاسة الجمهورية خلفا لوالده يقابلها عدم رضا من قبل المؤسسة العسكرية وقطاعات واسعة من الشعب .
ولكن كيف السبيل لإسقاط نظام " مبارك " ؟!
على عكس ثورة 1919 التى نفذت فيها أول عملية إستمطار سياسى ، فقد كانت ثورة 25 يناير 2011 أول ثورة تنفذ فيها عمليتى إستمطار سياسى متناقضتين .. كيف ؟!
إستمطارا سياسيا خارجيا أراد عبر سلسلة من الإجراءات والدعم أن يوفر بيئة حاضنه لكتله شعبية مستغلة العامل الإقتصادى والسياسى المزرى من أجل تجميع سحب الغضب الشعبى وإستمطارها لتهيئة البيئة المناسبة لنظام جديد ومتعاون . وإستمطارا سياسيا داخليا يبدوا أنه وجد الفرصه من أجل التخلص من نظام فقد القدرة على إدراة شؤون البلاد وإستباقا للإستمطار الخارجى وقطع الطريق على من يريد تدشين نظام جديد .
وبقيت الأزمة كيف يتم تجميع سحب الغضب تجاة نظام " مبارك " دون المساس بصلب وقوام الدولة العميقة ، هنا كانت السينما ضمن عوامل كثيرة لتهيئة الجماهير لحدث كبير قادم . فبعد الأزمة الإقتصادية العالمية 2008 ظهر أن نظام " مبارك " غير قادر على الصمود كثيرا وأن سياسات رجال الأعمال تدفع إلى حنق شعبى ، هنا ظهرت السينما لتبرز ما يحدث فى المجتمع ، وخلال الثلاث أعوام السابقة على ثورة 25 يناير ، ظهرت أفلام كانت جريئة فى طرحها على عكس سطوة الأجهزة الأمنية ، ففى العام 2008 ظهرت ثلاثة أفلام الأول وهو " طباخ الرئيس " والذى يظهر رئيس الجمهورية رجلا صالحا مهموما بمصالح بالشعب ولكنه محاصرا بأجهزة فاسدة تحجبه عن الشعب ، والثانى وهو فيلم " حسن ومرقص " وهو يتعرض مباشرة لمدى تغلغل التعصب الدينى فى الشارع المصرى بين المسلمين والمسيحيين والذى أصبح جاهزا للحريق فى أى وقت ، والثالث وهو فيلم " رامى الإعتصامى " الذى يجسد طبيعة الإحتجاجات الشبابيه وكيفية التعامل معها وقدرتها على إجتذاب شرائح مجتمعية معها فى تلك الإحتجاجات وكأنه يشير لما هو قادم .
وفى العام 2009 يبدوا أن جرعة الإستمطار السياسى لتجميع السحب قد زادت وفيها أنتجت السينما فيلمين مهمين جدا ، الأول وهو فيلم " الديكتاتور " الذى يتحدث عن حاكم كهل لديه ولدين فاسدين وشعب ثائر خرج عليه مدعوما من الجيش ويستطيع خلعه ولكن بعد فترة يرجع مرة أخرى للحكم ، والفيلم الثانى " بوبوس " وهو يغوص داخل مجتمع رجال الأعمال بكل فساده المتحالف مع الدولة الأمر الذى جعل من حياة الناس البسطاء صعبه جدا .
وبعد قيام الثورة بستة أشهر عرض فيلم " صرخة نملة " وهو على ما يبدوا واضحا إنتاج سنة 2010 وهو فيلم يحاكم سياسات الخصخصة والفساد على كل المستويات وكذلك يبشر بما وراء الكواليس من محاولة تدشين نوع جديد من الخصخصة الإقتصادية وإستبدالها بتحويل ملكية الشركات الحكومية إلى أسهم متداولة فى البورصة .
وهكذا ساعدت السينما فى أكبر عملية إستمطار سياسى للتخلص من نظام مبارك ، لصالح الإستمطار الداخلى وتفويت الفرصة على الإستمطار الخارجى  ، وأصبح الشعب جاهزا للإستمطار الذى كانت نتائجة واضحة وسقط نظام " مبارك " نتيجة تجمع سحب الغضب  .... ولكن ؟!
......................................................................................
لم يكن سقوط نظام مبارك هو النهايه بل بداية لصدام جديد بين الإستمطار الخارجى والداخلى ، نتج عنه سنوات من العواصف السياسية التى لم تسفرعن شئ سوى الخوف والقلق على مستقبل البلاد ، وأصبح شبح السينما بأفلامها السابقه على الثورة  يطل من جديد ، ويضعنا أمام سيناريو صدام دينى مسيحى مسلم على شاكلة فيلم " حسن ومرقص " ، أوعوده أخرى لنظام مبارك على شاكلة فيلم " الديكتاتور" ، أو عودة لنظام يتبنى أفكار رأسمالية ويحول الشركات الوطنية إلى اسهم فى البورصات العالمية .
لكن فى النهاية نجح الإستمطار السياسى الداخلى فى حسم الأمور لصالحه وكان عليه أن يقوم بعبئ تبديد سحب الإستمطار من الشارع وإرجاع الجماهير مرة أخرى إلى منازلها ، وهو ما حدث !!
وكما ثارت التساؤلات بعد ثورة 1919 ، ثارت أيضا التساؤلات بعد 25 يناير ، لماذا خرجنا ؟ هل كانت لنا مطالب محددة أم أمنيات غير قابله للتحقق ؟ كيف خرجت كل تلك الملايين وكيف إختفت فجأة ؟ من كان يتفاوض مع الدولة التى لم تسقط ؟ وعلى ماذا كان يتفاوض ؟ هل سقطت الجمهورية القديمة أم تم إعادة طلاؤها لتناسب الشكل الجديد ؟ ................ لماذا ! كيف ! أين !
أسئلة حائرة ولن نجد لها إجابه سوى أن ما حدث فى ثورة 1919 وثورة 25 يناير 2011 كان تدشينا وإستخداما جيدا لظاهرة جديدة على السياسة المصرية إسمها " الإستمطار السياسى " القادرة وحدها فى ظل غياب المعارضة القوية والوعى الشعبى على إعادة ترتيب البيت الداخلى والقيام بالمواءمات الخارجية ، وحتى تتضح ملامحها وأدواتها الحقيقية فإن السينما قادرة على قراءة بعض مظاهرها حتى إشعارا آخر
............................................................................

الاثنين، 12 سبتمبر 2022

أزمة المثقفين والحوار الوطنى !! إعادة تدوير للماضى !!


بقلم / ياسر رافع

أين المثقفين ؟ سؤال يشغل الشارع المصرى منذ قيام ثورة 25 يناير2011 وما تلاها فى 30 يونيو2013 وهو سؤال تزداد الحاجه إلى إجابته يوما بعد يوم ، خصوصا وأن معظم المثقفين ثوريتهم سماعيه لم يشاركوا فى صنع ثورة ملهمه قبل ذلك بل تفاجئوا كما تفاجئ الجميع بأن الثورة جاءت من شباب ثارعلى أوضاع عفنه وأراد تغييرها ، بل نستطيع أن نقول أن معظمهم تم صناعتهم فى أزمنه سابقه للتأكيد على شرعية النظم السابقه ، وهذا بالطبع ينسحب على الغالبية العظمى منهم وليس كلهم بطبيعة الأمور .

..................................................................................................

عندما قامت ثورة 23 يوليو 1952 بقيادة ضباط الجيش ، حدثت أزمة ثقة كبيرة بين المثقفين وضباط الجيش على الرغم من أن المثقفين فى غالبيتهم إستقبلوها بترحاب كبير ورغبة منهم فى إيجاد زمن جديد ، لكن بمرور السنوات زادت الفجوة وهو ما إستدعى أن  يقوم الأستاذ " محمد حسنين هيكل " بكتابة أربع مقالات عن " أزمة المثقفين " فى العام 1961 ( بعد مرور ثمانى سنوات على قيام الثورة ) يشرح ويحلل فيها أسباب الأزمة وشدد فى البداية على " إن التلاقى والإمتزاج بين ما أسميه قوة الدفع الثورى وبين ما يسمونه المثقفين أمر حيوي لتوسيع وتعميق مجرى العمل الثورى إندفاعا إلى إقامة المجتمع الجديد " , وأستمر هيكل شارحا أسباب أزمة المثقفين والتى لخصها فى ثلاثة أزمات رئيسة كالتالى :

" قامت الأزمة الأولى حول المطالبة بعودة الجيش لثكناته فى أعقاب تصدية لتنفيذ ثورة 23 يوليو ،

 وقامت الأزمة الثانية حول المطالبة بعودة الحياة النيابية وبعودة الأحزاب السياسية بإعتبار أن ذلك فى رأى المطالبين به هو اساس الديموقراطية وصورتها التى لا تتغير . وقامت الأزمة الثالثة حول ما أسموه فى ذلك الوقت بالمفاضلة بين أهل الثقة وأهل الخبرة وتركزت هذة الأزمة فى الواقع حول تعيين بعض العسكريين فى عدد من الشركات والهيئات والمؤسسات وفى وظائف يبدو أنها فنية بحتة لا تحتمل غير المتخصصين فى أعمالها  "

لكنه فجأة يشن هجوما خاطفا على المثقفين قائلا " فى هذا كله أين كان المثقفون ، وأين كان دورهم الطليعى فى قيادة الجماهير ، بعضهم بإرتباطاته الطبقية كان يقف فى الصف المعادى للجماهير ، والبعض الأخر بحكم إيثار العالفية على الأقل كان يقنع بالإنزواء ويباشر رعايته لمصالحه الشخصية من غير تعرض غير مأمون العواقب لمجرى الأحداث "

وعلى الرغم من أن الأستاذ " هيكل " لم يكن الأول الذى تحدث عن أزمة المثقفين فقد سبقه إلى ذلك الأستاذ " أحمد بهاء الدين " والأستاذ " لطفى الخولى" وغيرهم إلا أن مقال " هيكل " الأول حول الأزمة قوبل برد فعل هجومى عليه مما دعاه لكتابة ثلاث مقالات أخرى شارحه لموقفه ، عاتبا على المثقفين موقفهم الغير واضح من ثورة 23 يوليو ورغبتهم فى التغيير بضمانات من الجيش دون أى تضحية منهم قائلا " فإن الثورة ليست عملا يمارس تحت ظل الأمان والضمان ، إنما الثورة إندفاع إلى التضحية بدافع الإيمان "

 وعاب عليهم عدم إدراكهم للحظة التغيير قائلا " أفدح منه فى تصورى خطأ المثقفين ، الذين لم يدركوا حتى الأن أن التغيير المحتم الذى لا مفر منه ، ليس هو مجرد تغيير رأس الدولة  وإنما بداية تغيير المجتمع من أساسه " ومضى يقول " ومضى هؤلاء وهؤلاء ينتظرون الأيام لعل الأيام تأتى معها بجديد ، وراحوا فى تبرير الإنتظار يصورون لأنفسهم أنهم قليلى الحيلة على أية حال فى مواجهة القوة القاهرة "

ثم يأتى إلى لب مطلبه من المثقفين بإعتباره متحدثا بإسم السلطة  وشارحا لمفهوم " الوعى" الذى تحدث عنه الرئيس " جمال عبدالناصر" قائلا " ولقد كان الدور الطبيعى الواجب للمثقفين ، ليس مجرد أن يتعاونوا مع الثورة ، وإنما أن يتفاعلوا مع الثورة وأن يتبنوا قضيتها ، أن يأخذوها ، أن يعطوها من فكرهم نظريتها الوطنية ، أن يصوغوا من أعماق ضميرهم وعلمهم عقيدتها الثورية أى طريقها إلى التغيير الأساسى والجذرى للمجتمع المصرى "

..................................................................................................

لم تكن 1961 سنه عادية ، فلم تكن الذكرى الثامنه لقيام الثورة ، ولا الذكرى السادسة لأزمة مارس 1954 الديموقراطية ، ولا هى بالطبع سنة أزمة المثقفين ، ولكنها كانت تمثل حدثا فريدا من نوعه فى مصر الحديثة ، حيث إجتماعات اللجنة التحضيرية " للمؤتمر الوطنى" حيث المناقشات بشأن طبيعة نظام الحكم ، وبناء شرعية جديدة ، وكذلك الشكل الإقتصادى للبلاد ، وقد شارك فى فعالياته كل الأطياف السياسية فيما عدا " أعداء الشعب " . 

وقد إنتهى هذا المؤتمر بعد الأخذ بالمناقشات والتعديلات من خلال اللجان النوعية والقواعد الجماهيرية ، إلى إقرار " ميثاق العمل الوطنى " فى 30 يونيو 1962 ، كوثيقة إسترشادية لطبيعة عمل الدولة خلال عشر سنوات وقد فسر الرئيس " عبد الناصر" ذلك قائلا " بنعمل محاولة ... بنقدم مشروع للميثاق الوطنى بيبقى دليلنا للعمل ، بعد كده كل سنه بنغير ، لأن النظرية أو ميثاق العمل الوطنى لن يكون إلا نتيجة لدراسة مشاكل المجتمع " _ كتاب نداء الشعب تاريخ نقدى للأيدولوجيا الناصرية _

وكان الملفت هو تأطير أوإدماج المثقفين داخل صلب الدولة الجديدة ، وقد إنقسموا لقسمين ، الأول سارع بالإندماج لطبيعته المتعلقه بسلطة الحكم أيا ما كان الحاكم كما كان قبل ثورة 23 يوليو ، والثانى إنضم بعدما تيقن من صدق النوايا أو أن التجربة مع النظام الجديد إن لم تفيد فهى لن تضر حتما .

وأصبح المثقفين السلبيين كما هم ، آثروا السلامه كما فى كل عهد خوفا من دفع فواتير لا يقدرون عليها .

......................................................................................

بعد قيام ثورة 25 يناير 2011 وما تلاها فى 30 يونيو 2013، قد بدا واضحا أننا نعانى من أزمة مثقفين متجددة ، وأن الثورة فاجأتهم كما فاجأتهم حركة الجيش 1952 ، فهم لم يستطيعوا ملئ الفراغ بين السلطة والجماهير ، ولم يبشروا بثورة ولا أعدوا لها ، وأنهم فى غالبيتهم لم يخرجوا عن الثلاث فئات التى ذكرها " محمد حسنين هيكل " فى مقالات " ازمة المثقفين  " ، حيث فئة مع سلطة الحكم تحافظ على مكتسباتها الطبقية والوظيفية ، وفئة مارست الفعل الحزبى دفاعا عن مكاسب حزبيه ، وفئة ثالثة آثرت البعد عن السياسة وتفضيل العمل فى القطاعين العام والخاص من أجل سلامتها لما فى العمل العام من مشاكل سياسية وأمنية .

لهذا جاءت سنة 2022 ، لتعيد تدوير ما حدث فى العام 1961 بنفس أحداثها ، حيث أزمة مثقفين طاحنه يعيدون نفس مطالبهم القديمة ، حيث مسألة تحكم الجيش فى مفاصل الدولة ، وتنظيم جديد للعملية السياسية والحزبية وفتح المجال للكفاءات بعيدا عن أهل الثقة ، وتصطدمهم إجابة " هيكل " ، " أين كان المثقفون ، وأين كان دورهم الطليعى فى قيادة الجماهير" وأن من ملئ الفراغ السياسى بين السلطه السياسية والجماهير هو الجيش .

وكذلك دعوة رأس السلطه الرئيس " السيسى " لـ " حوار وطنى " للبحث فى شكل الدولة أو الجمهورية الجديدة إقتصاديا وسياسيا وإجتماعيا ، كما فعل الرئيس " عبد الناصر" سابقا . ولكن مشاركة المثقفين تبدو غير واضحة المعالم ، حيث أن المثقفين المتحلقين حول السلطه كانوا بطبيعة الأمور هم الأسبق للمشاركه فى الحوار الوطنى ، وأن المثقفين خارج هذا الحوار كما فى السابق ينتظرون وسوف ينتظرون كما فى السابق ، لأنهم لم يدركوا أن الذى يحدث الأن فيه مفاصله تامه عما سبق ، وأن تعللهم بأن القوة القاهرة للمؤسسات الأمنية يبرر إحجامهم عن المشاركة فى الحوار أو الجرأة فى طرح رؤاهم الخاصه ، وكذلك يعولوا على أن النظام سيعطى لهم ضمانات للعمل وفق نظرتهم للأمور .

لهذا لم تدع الحوادث ولا طبيعة المثقف المصري أية خيارات أمام المثقفين المصريين ، الذين لم يتطوروا خارج حاضنة الدولة المصرية منذ ثورة يوليو1952_ الغالبية العظمى منهم _ ولم يعد لديهم إلا خياران وحيدان ، الأول وهو الإندماج داخل الدولة وفق مخرجات " الحوار الوطنى " كما حدث مع مخرجات " المؤتمر الوطنى " سابقا ، الثانى الحديث عن عمل وطنى موازى لفكر الدولة الجديدة تكون نتيجته الوصول لحالة جديدة ولكن هذا الخيار الثانى يصطدم بطبيعة المثقف المصرى طوال السنوات السابقة التى تفضل إعادة تدوير الماضى على التفكير فى المستقبل وتبعاته ، ما يتبع ذلك من تعلق نظره بالسلطه دائما يراقب حركتها وإيماءاتها وساعتها يحدد حركته الخاصه .

...............................................................................................

يبدو أننا نعيش مرحلة مهمة ، ليس لإن هناك جديد ولكن لأننا نشهد أكبر عملية إعادة تدوير للأفكار بنفس آليات العمل ، وللمصادفة البحته بنفس أطراف الصراع  وإن تغيرت الأسماء ، السلطه التى تمسك بزمام الأمور والتى ملئت فراغ السياسه ، والمثقفين ، والأحزاب السياسة ، وكذلك إستبعاد " أعداء الوطن " ، 

لهذا إذا كان المثقفون المصريون يريدون أن يلحقوا بالمستقبل فعليهم بلورة رؤية واضحة لشكل العلاقة داخل البلاد بين السلطة والجماهير تعبرعن الأمال والطموحات وشكل المستقبل الذى نريده ، وعليهم أن يتركوا ساحات السوشيال ميديا ويلتحموا بالجماهير ، ولا تتعلق آمالهم بضمانات تعطيها لهم السلطه .

وحتى يتحقق ذلك ستظل أزمة المثقفين المصريين " كلاكيت تانى مرة " وحتى إشعارا آخر

الأحد، 4 سبتمبر 2022

المواطن والمجتمع صفر !!

 



بقلم ياسر رافع

هناك أسطورة تحكى عن سيدة إسمها ليدى " جوديفا " عاشت فى أواخر القرن الحادى عشر ، وكانت متزوجة من أمير مقاطعة كوفنترى فى بريطانيا إسمه " ليوفرك إيرل لميرسا " ، فقد قامت تلك السيدة والتى كانت محبوبة من قبل الشعب بالتوسط لدى زوجها الأمير ليخفف الضرائب عن كاهل الناس ، ولكن الأمير لم يستجب لها وتحت إلحاح منها فقد عقد معها إتفاق رأه مستحيل التنفيذ ، وإشترط عليها أنه سيخفف الضرائب عن الناس فى حال أنها خرجت عارية تماما وجابت شوارع المقاطعة . فوافقت السيدة " جوديفا " وركبت حصانها عارية تماما وبشعرها الطويل غطت ما يمكن تغطيته من جسدها ، وفى المقابل ما إن سمع الشعب بذلك الشرط حتى دخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم ونوافذهم حتى لا يروا سيدتهم التى ضحت من أجلهم عارية ،

وما أن رجعت السيدة " جوديفا " مرة أخرى إلى القصر حتى طالبت زوجها بالوفاء بوعده بتخفيف الضرائب عن المواطنين ، وهو ما حصل فعلا !!


كان هذا فى العصور الوسطى ما قبل الثورة الصناعية ، حيث الظلم والسلطه المتجبرة على الناس بحكم الشكل الإقتصادى الإقطاعى آنذاك والذى يعتبرالناس عبيدا لدى سيد ومالك الأرض !!!


ولكن مع الثورة الصناعية فى أوخر القرن الثامن عشر تغير كل شئ وأصبح النظام الإقطاعى يتلاشى تدريجيا حتى إنتهى ، وأنتهت معه كل أشكال الظلم الإجتماعى ، وظهرت أفكار وفلسفات جديدة تبشرالناس بزمن جديد من المساواة والعدالة الإجتماعية ، ولكن كانت هناك عوارض إجتماعية بدأت تظهر مع إستبدال قوة العمل الجسدية بالألات ، فبعد أن كانت المصانع والحقول تحتاج لعمالة كثيفة أصبح الإستغناء عن العمالة شكلا معتادا مع التقدم التكنولوجى للآلات .

وهذا ما جعل الكاتب المسرحى الأمريكى " إلمر رايس " يكتب نصا مسرحيا فى بدايات القرن العشرين ، أسماه " آلة الجمع " أو " الألة الحاسبة " ، وفيه يرصد علاقة الإنسان بالألة التى أصبحت تزاحمه قوت يومه وتسيطر على حياته ، من خلال شخوص المسرحية والذى أعطاهم أسماءا رقمية بدلا من أسماءهم البشرية مثل " مستر صفر " و " مستر واحد " وهكذا .

ومن خلال المسرحية  يظهر " مستر صفر " كاتب الحسابات الذى تحمل كل ضغوط المجتمع الصناعى الجديد يمضى ساعات طويلة فى العمل يجمع ويطرح بطريقة روتينية بحته ، وسط حياة روتينية فى بيته وفى الشارع وفى مجتمع ينظر إليه على أنه مهمشا لا قيمة له ، وتمر الأيام والسنوات حتى يقرر مديره فى العمل أن يستغنى عنه ويستبدله بألة حاسبة ، هنا ثار " مستر صفر " الذى تحمل معيشة صفرية فى أدنى السلم الإجتماعى من أجل أن يعيش ويحصل على وظيفة ، وقام بقتل ذلك المدير ، فى رمزية الثورة ضد التهميش والظلم الإجتماعى  ، لكنه لم يعى مدى قدرته على تغيير الواقع  بسبب واقعه الصفرى المنعدم القدرة على التغيير ، لهذا أماته الكاتب فى المسرحية وجعله فى العالم الأخر شخصا آخر يستطيع أن يختار بين أشياء متعددة ، هنا تظهر حالته الصفرية التى ليس لديها القدرة على الإختيار بسبب تفاهتها وإعتيادها على المهانه ، ويشعر بالخوف والرعب فى حال إختار مصيرا جديدا لا يعرف عنه شيئا ، وهنا يقررأن يختارالعودة إلى حياته فى الدنيا التى ثار عليها حتى القتل " صفرا " مهملا لأنه رأى فى حياته السابقة بعض الأمان يجنبه رفاهية الإختيار الذى لا يستطيع تحمل نتائجه .

ومع إشتداد سطوة الرأسمالية وتحولها إلى رأسمالية متوحشة ، ودخول العالم إلى زمن الألة والذكاء الإصطناعى ، زادت أعداد المواطن " مستر صفر " وأصبحت المجتمعات مهدده من قبل سيطرة الرأسمالية وربيبتها الأله ، تهديدا من ثورة " مستر صفر " الذى أصبح مجرد رقم فى مجتمع أصبح مجرد رقم هو الأخرعلى لائحة الرأسمالية العالمية ، ثورة لا تعرف أى معنى غير أنه يريد أن يتخلص من مجتمع كئيب تسيطرعليه المادة ولا يعرف العواطف ولا القيم الإنسانية ،

وأصبح حلم " مستر صفر" الذى يشعر بدونية وضعه الإجتماعى نتيجة رأسمالية مجتمع تحول إلى نسخه حديثة من مجتمع القرون الوسطى الإقطاعى ، أن تعود السيدة " جوديفا " إلى الحياة مرة آخرى لتتعرى للمرة الثانية كشرط لرفع الضغوط والممارسات الغير آدمية للمجتمع الرأسمالى على الغالبية من المجتمع الذى ينحدر نحوالصفرية بسرعه شديدة منذرا بعواقب لا تحمد عقباها ، أو أن يعتاد الناس الصفرية كما إعتادها رعايا القرون الوسطى . 

فهل يستطيع المواطن والمجتمع التخلص من صفريته أمام سطوة الألة فى زمن الرأسمالية المتوحشة والتى حولت العالم والمجتمعات إلى ما يشبه إقطاعيات القرون الوسطى حيث الأغنياء خلف الأسوار بأسماءهم وكنياتهم وبقية المجتمع مجرد أصفار تنتظرأن تتخلص من صفريتها وتعبر الأسوار لتحصل على أسماء وحرية إختيار ! أم ان يعتاد الصفرية كحل تقليدى يعطيه الأمان الوهمى القائم على مفهوم الإستقرار ؟

هل تستطيع إيران هزيمة أمريكا ؟!

  بقلم ياسر رافع  منذ بداية الصراع بين إيران وامريكا وإسرائيل والممتد منذ سنوات طويلة، ومنذ ان أخذ الطابع الخشن في ملفات عده في العراق وسوري...