الثلاثاء، 27 سبتمبر 2022

السينما والإستمطار السياسى !!


 

بقلم ياسر رافع 


كثيرا ما تلجأ الدول التى تعانى من شح الأمطار ومصادر المياة إلى عملية تعرف " بالإستمطار" وهى عملية عبارة عن إطلاق مواد كيميائية فى السحاب لتكثيفه ليسقط مطرا عليها حسب الحاجه ، وأصبح الإستمطار حلا للتغلب على مشاكل نقص المياة التى تهدد تلك الدول بالمجاعات والحروب !!

وفى المقابل تستخدم تقنيات تلك العملية أيضا لتبديد الغيوم من أجل السلامه كالذى يحدث فى المطارات ، وهو ما يدفعنا للقول بأن تلك العملية ماهى إلا ترجمة عملية لعملية منظمة تنظيما دقيقا تعطى نتائج عظيمة متوقع حدوثها ، وهو ما يجعلنا نستطيع أن نسقطها على الواقع السياسى لنستطيع فهم بعض ما جرى ويجرى حولنا
فهل يمكن للإستمطار المائى أن يتحول لإستمطار سياسى ؟!!
....................................................................................
فى العام 1919 توجه بضعه أفراد من المصريين إلى دار السفارة الإنجليزية فى القاهرة على رأسهم السياسى " سعد زغلول " وذلك لتقديم طلب للسماح لهم بالتوجه لمؤتمر السلام فى باريس لعرض مطالب مصر بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى 1914، والتى تتضمن إلغاء الحماية البريطانية على مصر وإعلان الدستور ، لكن السفير البريطانى شكك فى شرعيتهم مما جعلهم يجمعون التوكيلات من المصريين لإثبات الشرعية ، ولكن السلطات البريطانية قامت بإعتقالهم ونفيهم إلى جزيرة مالطا على الرغم من محاولات حكومية مصرية للحيلوله دون وقوع ذلك ،الأمر الذى أدى إلى بدأ المظاهرات والإحتجاجات فى القاهرة وكان قوامها من طلبة المدارس الثانوية والعليا ثم تلا ذلك دخول كل طبقات الشعب من كل القطر المصرى تباعا .
مع تراكم سحب الثورة فى كل مكان المحملة بغيوم كثيفة من الغضب لدى كل قطاعات الشعب وخاصة الشباب ،
بدأت أول عملية " إستمطار سياسى" فى مصر الحديثة ، فعلى الرغم من الإفراج عن " سعد زغلول " وسفره إلى باريس إلا أن المؤتمر أيد الحماية البريطانية على مصر ، وهو ما أجج مشاعر المصريين أكثر وأخذت المظاهرات منحى عنيفا وسقط الشهداء والجرحى ! لكن أحدا لم يلتفت إلى السرعة التى إنتشرت بها الثورة فى مجتمع يغلب عليه الجهل والإستكانه ويرزح تحت عبودية ملاك الأراضى من الإقطاعيين ، إنها الدولة العميقة التى رأت مصالحها مع تنامى الغضب ضد المحتل الإنجليزى لهذا ساعد ملاك الأراضى الكبار والقصر الملكى الثورة ودعموها من الخلف لتجميع أكبر قدر من سحب الغضب وذلك لهدفين ،
الأول نيل إستقلالا يمنح الملكية المصرية قبلة الحياة ، والثانى الوقوف ضد دعاوى متنامية لإقامة جمهورية تنهى الملكية وسيطرة ملاك الأراضى . لهذا كانت المساعدة فى تكثيف سحب الثورة لأكثر من سنتين العامل الحاسم لإستمطار سياسى كان من نتائجه تصريح 28 فبراير الذى ينهى الحماية البريطانية على مصر بعد مفاوضات مع القصر وكبار الملاك من الوزراء ، وكذلك السماح بوجود دستور للبلاد " دستور 1923 " ، وبقى أمام الدوله العميقة مهمة تبديد سحب الثورة وعودة الجماهير الغاضبه إلى بيوتها مرة أخرى وهذا كان أمرا سهلا مع قطع الدعم لها ، ومغازلتها بتولية " سعد زغلول " رئاسة الوزراء ، إلا أنه وبعد فترة قصيرة تم التخلص من تلك الوزارة ، بعدها إطمئن أصحاب الإستمطار السياسى أن سحب الثورة تبددت وأن النظام الملكى الجديد أصبح تظله سماء صافية .
وهكذا نجحت أول عملية إستمطار سياسى فى مصر الحديثه ، وعادت الجماهير إلى البيوت مرة أخرى لا تدرى لماذا خرجت ؟ ومن كان يدفعها إلى الأمام ؟ ولماذا إرتفع سقف المطالب ؟ ولماذا لم يتغيرالوضع الإجتماعى والسياسى بالنسبه لهم ؟ ولماذا تم إلغاء دستور 23 أهم منجزات ثورة 1919 ؟
أسئلة ظلت معلقة حتى تجدد المشهد مرة أخرى , ولكن بطريقة أكثر حداثه !!
............................................................................................
فى أخر سنتين من حكم الرئيس السابق " حسنى مبارك " قد بدا أن النظام على وشك السقوط ، بسبب رغبه دولية خارجية رأت فى ذلك النظام أنه لا يلبى طلبات بعينها ، وأصبح الهجوم عليه شبه متواصل عبر كل الوسائل المتاحه لذلك ، ورغبة داخلية محملة بتبعات أزمة إقتصادية كبيرة وبطالة متزايدة ونفوذ لا متناهى لرجال الأعمال الذين تولوا زمام الأمور فى البلاد . ورغبة محمومة من نجل الرئيس وحاشيته لتولى رئاسة الجمهورية خلفا لوالده يقابلها عدم رضا من قبل المؤسسة العسكرية وقطاعات واسعة من الشعب .
ولكن كيف السبيل لإسقاط نظام " مبارك " ؟!
على عكس ثورة 1919 التى نفذت فيها أول عملية إستمطار سياسى ، فقد كانت ثورة 25 يناير 2011 أول ثورة تنفذ فيها عمليتى إستمطار سياسى متناقضتين .. كيف ؟!
إستمطارا سياسيا خارجيا أراد عبر سلسلة من الإجراءات والدعم أن يوفر بيئة حاضنه لكتله شعبية مستغلة العامل الإقتصادى والسياسى المزرى من أجل تجميع سحب الغضب الشعبى وإستمطارها لتهيئة البيئة المناسبة لنظام جديد ومتعاون . وإستمطارا سياسيا داخليا يبدوا أنه وجد الفرصه من أجل التخلص من نظام فقد القدرة على إدراة شؤون البلاد وإستباقا للإستمطار الخارجى وقطع الطريق على من يريد تدشين نظام جديد .
وبقيت الأزمة كيف يتم تجميع سحب الغضب تجاة نظام " مبارك " دون المساس بصلب وقوام الدولة العميقة ، هنا كانت السينما ضمن عوامل كثيرة لتهيئة الجماهير لحدث كبير قادم . فبعد الأزمة الإقتصادية العالمية 2008 ظهر أن نظام " مبارك " غير قادر على الصمود كثيرا وأن سياسات رجال الأعمال تدفع إلى حنق شعبى ، هنا ظهرت السينما لتبرز ما يحدث فى المجتمع ، وخلال الثلاث أعوام السابقة على ثورة 25 يناير ، ظهرت أفلام كانت جريئة فى طرحها على عكس سطوة الأجهزة الأمنية ، ففى العام 2008 ظهرت ثلاثة أفلام الأول وهو " طباخ الرئيس " والذى يظهر رئيس الجمهورية رجلا صالحا مهموما بمصالح بالشعب ولكنه محاصرا بأجهزة فاسدة تحجبه عن الشعب ، والثانى وهو فيلم " حسن ومرقص " وهو يتعرض مباشرة لمدى تغلغل التعصب الدينى فى الشارع المصرى بين المسلمين والمسيحيين والذى أصبح جاهزا للحريق فى أى وقت ، والثالث وهو فيلم " رامى الإعتصامى " الذى يجسد طبيعة الإحتجاجات الشبابيه وكيفية التعامل معها وقدرتها على إجتذاب شرائح مجتمعية معها فى تلك الإحتجاجات وكأنه يشير لما هو قادم .
وفى العام 2009 يبدوا أن جرعة الإستمطار السياسى لتجميع السحب قد زادت وفيها أنتجت السينما فيلمين مهمين جدا ، الأول وهو فيلم " الديكتاتور " الذى يتحدث عن حاكم كهل لديه ولدين فاسدين وشعب ثائر خرج عليه مدعوما من الجيش ويستطيع خلعه ولكن بعد فترة يرجع مرة أخرى للحكم ، والفيلم الثانى " بوبوس " وهو يغوص داخل مجتمع رجال الأعمال بكل فساده المتحالف مع الدولة الأمر الذى جعل من حياة الناس البسطاء صعبه جدا .
وبعد قيام الثورة بستة أشهر عرض فيلم " صرخة نملة " وهو على ما يبدوا واضحا إنتاج سنة 2010 وهو فيلم يحاكم سياسات الخصخصة والفساد على كل المستويات وكذلك يبشر بما وراء الكواليس من محاولة تدشين نوع جديد من الخصخصة الإقتصادية وإستبدالها بتحويل ملكية الشركات الحكومية إلى أسهم متداولة فى البورصة .
وهكذا ساعدت السينما فى أكبر عملية إستمطار سياسى للتخلص من نظام مبارك ، لصالح الإستمطار الداخلى وتفويت الفرصة على الإستمطار الخارجى  ، وأصبح الشعب جاهزا للإستمطار الذى كانت نتائجة واضحة وسقط نظام " مبارك " نتيجة تجمع سحب الغضب  .... ولكن ؟!
......................................................................................
لم يكن سقوط نظام مبارك هو النهايه بل بداية لصدام جديد بين الإستمطار الخارجى والداخلى ، نتج عنه سنوات من العواصف السياسية التى لم تسفرعن شئ سوى الخوف والقلق على مستقبل البلاد ، وأصبح شبح السينما بأفلامها السابقه على الثورة  يطل من جديد ، ويضعنا أمام سيناريو صدام دينى مسيحى مسلم على شاكلة فيلم " حسن ومرقص " ، أوعوده أخرى لنظام مبارك على شاكلة فيلم " الديكتاتور" ، أو عودة لنظام يتبنى أفكار رأسمالية ويحول الشركات الوطنية إلى اسهم فى البورصات العالمية .
لكن فى النهاية نجح الإستمطار السياسى الداخلى فى حسم الأمور لصالحه وكان عليه أن يقوم بعبئ تبديد سحب الإستمطار من الشارع وإرجاع الجماهير مرة أخرى إلى منازلها ، وهو ما حدث !!
وكما ثارت التساؤلات بعد ثورة 1919 ، ثارت أيضا التساؤلات بعد 25 يناير ، لماذا خرجنا ؟ هل كانت لنا مطالب محددة أم أمنيات غير قابله للتحقق ؟ كيف خرجت كل تلك الملايين وكيف إختفت فجأة ؟ من كان يتفاوض مع الدولة التى لم تسقط ؟ وعلى ماذا كان يتفاوض ؟ هل سقطت الجمهورية القديمة أم تم إعادة طلاؤها لتناسب الشكل الجديد ؟ ................ لماذا ! كيف ! أين !
أسئلة حائرة ولن نجد لها إجابه سوى أن ما حدث فى ثورة 1919 وثورة 25 يناير 2011 كان تدشينا وإستخداما جيدا لظاهرة جديدة على السياسة المصرية إسمها " الإستمطار السياسى " القادرة وحدها فى ظل غياب المعارضة القوية والوعى الشعبى على إعادة ترتيب البيت الداخلى والقيام بالمواءمات الخارجية ، وحتى تتضح ملامحها وأدواتها الحقيقية فإن السينما قادرة على قراءة بعض مظاهرها حتى إشعارا آخر
............................................................................

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...