بقلم ياسر رافع
أسئلة لم تدم لساعات حتى خرجت مصر الرسمية لتعلن عن آسفها لما حدث لقواتها والتى
تقوم بمهام روتينية فى إطار تعاون مسبق مع الجيش السودانى ، وأن مصر ليس لديها آى
علاقة بالصراع على السلطة الدائر بين الجيش والدعم السريع ، وآن على قوات الدعم
السريع تأمين سلامة قواتها وضمان عودتهم مرة آخرى إلى مصر سالمين . وجاءت تلك
التصريحات على لسان رأس السلطة فى مصر أثناء إجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة
المصرية برئاسة الرئيس " عبد الفتاح السيسى " .
وعلى الرغم من التهدئه الضمنية التى أوصلتها القيادة المصرية للشعب على سلامة
موقفها من الصراع الداخلى السودانى ، وكذلك التأكيد على سلامة وعودة القوات
المصرية من السودان _ وهو ما حدث بالفعل_ إلا أن التساؤلات ظلت محبوسة داخل الصدور
حول طبيعة الدور المصرى فى السودان فيما هو قادم خصوصا مع إحتدام المعارك هناك ،
وأصبح بيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة محتاج لتفسير حول دور مصر فى حال تحولت
الأزمة فى السودان لحرب آهلية ، هل تظل بعيدة عن ذلك الصراع ! أم ستتدخل لحماية
آمنها ! ومع من ستقف الجيش السودانى أم ميليشيا الدعم السريع ؟ وهل كانت هناك
إشارات لذلك الصراع ؟
...........................................................................................
فى العام 1979 وفى أعقاب الثورة الإسلامية فى إيران قام الحكام الجدد "
الملالى " بتأسيس ميليشيا الحرس الثورى بجانب الجيش الإيرانى الذى عزل وحوكم
معظم قوادة بعد الثورة بسبب إنتماءاتهم لنظام الشاة البائد ، وكان سبب تكوين قوات
الحرس الثورى هو حماية النظام الثورى من أعداءة ويكون بجانب قوات الجيش المعاد
تنظيمه قوة لا يستهان بها فى الإقليم .
لكن بمرور السنوات كبرت وتوحشت قوات الحرس الثورى حيث أصبحت أقوى تسليحا وعتادا من
الجيش ، بل وتمتعت بإمبراطورية مالية وسياسية كبيرة مما جعل أى تغيير فى رأس
السلطة فى إيران يمر عبر موافقة تلك القوات والتى يرأسها المرشد الأعلى للثورة
الإيرانية ، وأمتد تأثيرها من الداخل الإيرانى إلى كامل الإقليم وأصبح ظهور إسم
تلك القوات أو إنخراطها فى أي نزاع إقليمى مثار خشية من طبيعتها العسكرية والأيديولوجية
. وتشعبت علاقاتها الدولية وكذلك تحالفاتها.
وهكذا كانت الإشارة الأولى لمصر التى فوجئت بدولة ونظامين عسكريين ، وعلى ما بدا من
سياق الأحداث فإن مصر تعاملت مع الوضع بالطريقة التقليدية فى إطار العلاقات العربية
الإيرانية سياسيا ، وليس من منطق طبيعة إنشقاق القوة العسكرية الإيرانية ومدى
تأثيرة مستقبلا على المنطقة .
فهل تكررت الإشارات ؟!
..............................................................................
من رحم الحرب الأهلية اللبنانية وبعد الإجتياح الإسرائيلى للجنوب اللبنانى 1982 ،
تأسس فى لبنان " حزب الله " فى العام 1982 ليؤسس كيانا سياسيا وإجتماعيا
يدافع به عن الطائفة الشيعية فى الجنوب اللبنانى ، وليؤسس لشرعية جديدة فى تكوين
فسيفساء الجدار السياسى اللبنانى ، ولكنه حدد أيديولوجيته قائلا " مشروعنا
الذى لا خيار لنا أن نتبنى غيره ، كوننا مؤمنين ، هو مشروع دولة إسلامية وحكم
الإسلام ، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة وإنما جزء من الجمهورية
الإسلامية الكبرى التى يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق الولى الفقيه الإمام
الخومينى " .
وهكذا حددت عوامل الحرب الأهلية والإجتياح الإسرائيلى والطبيعة الإيديولوجية ، طبيعة حركة الحزب وفلسفته فيما هوا قادم ،
الذى ما أن إنتهت الحرب الأهلية 1990 حتى أصبح الحزب بمرور السنوات الأكثر تسليحا
وعتادا بل الأكثر تاثيرا فى السياسية اللبنانية التى أصبح جيشها الرسمي كيانا لا
يذكر أمام تسليح قوات ميليشيات حزب الله الأكثر تدريبا وتسليحا ، بل أصبح للحزب
تمثيلا دوليا يتمتع بشرعية القوة على الأرض فى لبنان لدى كثير من الدول وأهمها
بالطبع الدولة افسلامية فى إيران .
وكانت تلك الإشارة الثانية أمام القيادة المصرية لظهور قوة عسكرية برأسين ولكن فى
بلد عربى ، ولكن هذة المرة إنتبهت مصر لطبيعة القوة العسكرية الناشئة ، ولكن كان
التعامل معها وفق رؤية مشتركة مع دول الخليج وخاصة السعودية وهو ما ثبت فشله بعد
ذلك .
هل إنتهت الإشارات ؟
..............................................................................
أدى سقوط نظام الرئيس " صدام حسين " على يد القوات الأمريكية فى العام 2003 ، إلى إعادة تشكيل القوى
السياسية والعسكرية ، ولظروف الإحتلال الأمريكى وتسريح قوات الجيش العراقى القديم
ثم إعادة تشكيله مرة آخرى ، ظهرت قوة " داعش " التى إجتاحت العراق ولم
يستطع الجيش العراقى صدها ولا الوقوف فى وجهها وأحتلت مساحات واسعة من العراق ،
وأستباح التنظيم كل شئ ، الأرواح والأجساد ، مما دعا المرجعية الدينية الشيعية فى
النجف الأشرف إلى تكوين ميليشيات مسلحة أطلق عليها إسم " الحشد الشعبى "
والتى كان لها دور فعال مع الجيش العراقى والقوات الدولية فى القضاء على تنظيم
داعش .
ولكن مع القضاء على داعش تحولت قوات الحشد الشعبى الغير رسمية إلى فاعل رئيسى فى
الشآن العراقى وبدأت تحدث إحتكاكات ومناوشات بين تلك القوات والمكونات السياسية
العراقية ، مما بدأ ينذر بتشكل قوات موازية على نمط الحرس الثورى الإيرانى وهو ما
قوبل برد فعل شعبى وإقليمى ودولى رافض لتلك الخطوة ، وهو ما آدى فى النهاية إلى سن
قانون وافق عليه البرلمان العراقى بدمج قوات الحشد الشعبى فى الجيش العراقى .
ومع تلك الإشارة الثالثة يبدوا أن مصر إستفاقت وسارعت إلى مساندة الدولة العراقية
فى مواجهة قوات الحشد الشعبى ولجمها حتى لا تقع الدولة العراقية فى براثن حرب
آهلية ، ومحاولة إحتواء التمدد الإيرانى فى المنطقة والذى تشابكت أذرعه
العسكرية خارج حدوده لتشمل كامل الإقليم
فى سوريا واليمن والعراق بل إمتد إلى أرمينيا واوكرانيا . وأصبح الذراع العسكرى
خارج المؤسسة العسكرية هو شبه مهيمن على العلاقات الدولية فى المنطقة .
....................................................................
فى الأزمة السودانية فى دارفور إحتاجت الدولة إلى من يساعد الجيش فى حربه ضد
المتمردين من القبائل الإفريقية ، فقامت بتسليح قوات من القبائل العربية بقيادة
" محمد حمدان دقلو " الشهير " بحمديتى" وهو رجل غير متعلم
إحترف التجارة غير المشروعه عبر الحدود ، ولكنه يتمتع بقدرات تنظيمية هائلة ،
مكنته من تكوين ميليشيات عرفت بإسم " الجنجويد " والتى إرتكبت فظائع
وجرائم حرب فى دارفور جعلت المجتمع الدولى ينتبه لها ولخطورتها ، ولكن مع إنتهاء
الأزمة ظهر إحتياج آخر لتلك الميليشيات ولكن هذة المرة لمساندة رأس السلطة فى
الخرطوم ، فالرئيس " عمر البشير " أراد مساندة قوات ولاءها بالكامل له
فى وجه بعض جنرالات الجيش السودانى الذين ينتمون أيديولوجيا لجماعة الإخوان
المسلمين فى السودان والذى حدث إنفصال بينها وبين الدولة السودانية عقب مساندتها
للإنقلاب العسكرى لعمر البشير فى 1989 .
وقام " البشير " بتقنين وضع تلك الميليشيات وآطلق عليها إسم " قوات
الدعم السريع " وأطلق يدها فى كل نواحى الحياة وأصبح قائدها بين يوم وليلة من
مرتزق ومهرب عبر الحدود وغير متعلم يحمل أرفع رتبة عسكرية فى البلاد وأصبح لقبه
" الفريق حمديتى " .
وتمددت تلك الميليشيات تحت مظله قانونية وشرعية وأصبح لها نفوذ سياسى وإقتصادى ضخم
دعمه نفوذ إقليمى دولى ، وأصبح الفريق " حمديتى " رقما صعبا فى الصراع
الليبيى والصراع اليمنى ، حيث كان المورد الأساسى للمرتزقة لتمويل آلة الحرب فى
تلك الدولتين . وهو ما جعله شريكا فى الثروة السودانية وأحتكر مناجم الذهب وجزء لا يستهان به من النشاط الإقتصادى .
ولكن مع ثورة الشعب السودانى 19 ديسمبر
2018 ضد نظام " عمر البشير " ، سارع كلا من الجيش وقوات ميليشيا الدعم
السريع بالتخلى عن البشير وسط هدير الجماهير فى الشارع السودانى وهذا مكنهما من أن
يعيدا إمتلاك زمام الأمور ومسك دفة التفاوض مع الكتل السياسية من أجل الوصول لحل
سياسي وتشكيل حكومة وإجراء إنتخابات . لكن تحت السطح كان هناك صراع مكتوم بين قوة
الجيش النظامية التى ترى الحق فى أن تحكم وتمتلك السلطة ولا تريد أن تنازعها قوة
مسلحة آخرى ، وبين قوة الدعم السريع التى أدت الظروف والعلاقات الدولية وإمتلاك
الثروة الذهبية بها أن تحاول إقصاء الجيش عن المشهد وصولا لحكم السودان .
وأصبحنا بين يوم وليلة ، فإذا ما كان مكتوما بالأمس قد أصبح اليوم تراشق بالبيانات
العسكرية وبكل أنواع الأسلحة فى العاصمة السودانية " الخرطوم " ومناطق
أخرى فى السودان .. وتحول النموذج السودانى من أن يكون نموذجا ناجحا كالنموذج
الداخلى الإيرانى وأصبح كابوسا لا يقبل القسمه على إثنين .
وهكذا أصبحت الإشارة الرابعة لمصر كابوسا حقيقيا على حدودها ، فالحرب الأهلية آخر
ما كانت تتمناه مصر ، وكذلك وجود قوتين عسكريتين تتحكمان فى مفاصل الدولة
الإقتصادية والسياسية والعسكرية يجعل من التفاوض المستقبلى معهما أمرا مستحيلا !
وكذلك من الوارد جدا تورط مصر لمساندة أحد الطرفين إذا إستمر أمد الحرب الأهلية
حماية لمصالحها المباشرة .
هل هناك حل أمام مصر ؟
.................................................................................
وهكذا إستفاقت مصر على وضع شبه عسكرى موازي على طول الإقليم وعرضه أصبح يشبه فى
قوته ورعبه ثعبان " هيدرا " فى الأساطير اليونانية ذا التسع رؤوس ،
ومطالب أن تتعامل عسكريا وسياسيا معها بطبيعة الأمر الواقع وهو ما ينشئ أوضاعا
جديدة وإستراتيجيات عسكرية تتماشى مع تلك المستجدات ، فرؤوس الهيدرا تتقاطع جميعها
مع الأمن القومى المصري ، الحرس الثورى الإيرانى ، حزب الله اللبنانى ، الحوثيون
فى اليمن ، تنظيم داعش ، التنظيمات المسلحة الليبية ، ميليشيات الدعم السريع
السودانية . وبما أن زمن البطل الأسطورى
" هيراكليس " الذى قتل الهيدرا قد ولى ، فإن مصر عليها أن تتعامل مع
رؤوس الهيدرا بحذر كبير عسكريا وسياسيا وربما إقتصاديا . وأن تتعلم الدرس جيدا وأن
أى محاولة لتدريب ميليشيات تحت أى مسمى داخل البلاد هو بداية النهاية لتماسك
الدولة .
..........................................................................
العالم بدأ يتجه ناحية تجزأة القوة العسكرية ، وأصبح إستخدام المقاولين العسكريين
، كالشركات الأمنية الخاصة للقيام بأدوار الجيوش مثل " بلاك ووتر"
الأمريكية ، و" فاجنر" الروسية ، أمرا مستساغا ومعتادا لدى كثيرمن الدول ، وعلى
مصر أن تتعلم فى ضوء الأزمة السودانية أن التعامل مع دولة ونظامين عسكريين أصبح
أمرا معتادا ، ليس فى السودان فقط وإنما فى دول أخرى . لذا يجب أن تكون لغة
المصالح واحدة مع مراعاة الإنتباة للقوة العسكرية وسلامة الجبهه الداخلية . وخصوصا
مع تحذير رئيس الوزراء الإسرائيلى السابق " إيهود باراك " من تكوين قوات
الحرس الوطنى فى إسرائيل كقوة منافسة للجيش ، لأن ذلك قد يؤدى بتلك القوات مستقبلا
فى التحكم فى السلاح النووى الإسرائيلى وهو ما لن ترضى عنه القوى الغربية . وهو
التحذير الذى جرى التارجع عنه تحت ضغط الجماعات المتطرفة .
....................................................
دولة ونظامين عسكريين .. ومقاولين وشركات أمن .. وحكومات دينية .. واقع إقليمى
وعالمى يجب التعامل معه وفق إستراتيجية مصرية محددة الملامح وليس التعامل بالقطعه
.
.jpg)