السبت، 27 أبريل 2024

الرأسمالية والدين .. صراع أم تقاطعات وتحديات ؟!!



 بقلم ياسر رافع 


إن العلاقة بين الرأسمالية  والدين علاقة وثيقة ، تتماهى على طول التاريخ الإنسانى بين الصراع داخل المجتمع ، وبين تقاطعات مصالح بين الأتباع ، وتحديات تجعل إتحادهم وثيقا من أجل خطر داهم يهددهما ، وهو ما أوجد علاقات إجتماعية متغيرة ومتجددة على الدوام ، تبعا لتغير الأزمنه والأنظمه السياسية وتغير المفاهيم الدينية على مر العصور .
لهذا شكلت العلاقة بين الرأسمالية  والدين فى الموروث الدينى عاملا مهما فى تشكيل الوعى بالقيم السماوية ، ومدى تقبل المجتمعات لنتاج تلك العلاقة ، إما سلبا أو إيجابا !! كيف ذلك !!
...........................................................................................
مثلت العلاقة بين الرأسمالية  والدين دورا مهما فى مسار الدعوة للأديان السماوية الثلاث ، حتى أنها سلكت فى دورها الأكبر مسارا تصادميا إستدعى تدخلا إلهيا لتحييد الرأسمالية من المشهد فى بعض الأحيان ،
فمنذ أن أرسل سيدنا " موسى " إلى فرعون مصر، وطلبه أن يخرج ببنى إسرائيل من مصر إلى أرض الميعاد ، هنا تشكلت حلبة صراع بين الرأسمالية  والدين موازية للصراع بين الدين والكفر ، فقد كان " قارون " وهو من بنى إسرائيل ولكنه إنحاز إلى جانب فرعون ، ممثلا لسلطة مال عظيمه داعمه للسلطة الدينية والسياسية للفرعون فى مواجهة سيدنا موسي النبى المرسل ، حتى أنه أصبح بماله فتنه كبيرة لأتباع سيدنا موسى من بنى إسرائيل أنفسهم بنص القرأن ، قال تعالى " فخرج على قومه فى زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون إنه لذو حظ عظيم " ، وقد بلغ من الثراء الفاحش ما جعله يساند فرعون فى طغيانه وجبروته ، وأمام هذا الجبروت الفرعونى المدعوم بسلطة الرأسمالية ، كان التدخل الإلهى حاسما لترجيح كفة الدين ، قال تعالى " فخسفنا به وبداره الأرض فما كان من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين " .
وكذلك عنما أرسل السيد المسيح إلى اليهود ، سلكت العلاقة بين الرأسمالية  والدين بعدا تصادميا حتى أنه عندما دخل الهيكل هو ووالدته وتلاميذه  " وكان فصح اليهود قريبا فصعد يسوع إلى أورشليم ووجد فى الهيكل الذين كانوا يبيعون بقرا وغنما وحماما والصيارف جلوسا ، فصنع سوطا من حبال وطرد الجميع من الهيكل الغنم والبقر وكب دراهم الصيارف وقلب موائدهم ، وقال لباعة الحمام " إرفعوا  هذه من هنها لا تجعلوا بيت أبى تجارة " . وإستمرت العلاقة فى التدهور وصولا إلى واقعة صلب السيد المسيح .
وعندما أرسل سيدنا " محمد " إلى قبيلة قريش ، لم تختلف العلاقة التصادمية بين الرأسمالية  والدين عما سبقها كثيرا ، فقد قوبلت دعوة الرسول ( ص) بالرفض فى بدايتها والإستهزاء بها ، حتى تدخل الرأسمال فى مسار الأحداث ، هنا كان الصدام حتميا ، لأن أساس الدعوة قائم على التوحيد والإيمان بإله واحد ، وهو ما يتصادم مع سلطة الرأسمالية التى تتكسب من تعدد الألهه المنصوبة حول الكعبة والقرى المحيطة بها ، والتى تدر مكاسب كبيرة وسطوه عظيمة ، وأن فكرة التوحيد ستقضى على تلك التجارة ، هنا فطنت سلطة الرأسمالية لحيله ، فعرضت علي الرسول (ص) الأموال بل وصولا لعرض تولى الملك عليهم ، ولكن الرسول (ص) رفض العرض متمسكا بدعوته ، فكان الصدام الخشن ومحاولة قتله وهو الأمر الذى عجل بهجرته للمدينه ويترك مكه .
ولكن بعد الدور الصدامى بين المال والدين ، هلى إستمر الصدام إلى النهاية ؟!
...............................................................................................
على الرغم من البدايات التصادمية بين الرأسمالية والدين إلا أن هناك تقاطعات مهمه بينهما فعلى الرغم من صدام البدايات إلا أن العلاقة بينهما شكلت مسار الأحداث عبر التاريخ ، فالتعاليم الدينية السماوية أوجدت قواعد ونظم لتنظيم علاقة المال بالناس ، بين غنيهم وفقيرهم ، وكذلك إستخدام الدين لتبرير سلوك رأسمالى سلطوي معين داخل البلدان المختلفه ، وكذلك إستخدام الحركات الدينية المناهضة للحكم للرأسمالية لتمويل أنشطتها .
وأصبحت العلاقة فى وقتنا الحاضر أشبه فى توصيفها " بمن يروض من " ، فالرأسمالية تعزز الفوارق الإجتماعية والإقتصادية داخل المجتمعات ، وهو ما يتعارض مع جوهر الدين الذى يدعو إلى العدالة والمساواة ، كما أن القيم الرأسمالية تدعو إلى الفردية والإستهلاك وهو ما يزعزع القيم الروحية والأخلاقية داخل المجتمعات وهذا يتنافى مع قيم الدين ، لهذا أصبحت العلاقة بينهما معقدة تستلزم تأملا عميقا فى كيفية تأثير بعضهما على الأخر وهل يمكن إيجاد صيغة دينية تلجم سطوة الرأسمالية على المجتمعات التى تطبقها .
هل فكرة التعايش بينهما ممكنه ، ولماذا يصر كليهما على الإنتصار ؟!
...................................................................................
فى كتابه المعنون " إقتصادنا " الصادر عام 1961 ، يأخذنا الفيلسوف والسياسى العراقي السيد " محمد باقر الصدر " فى مقارنه بين الشيوعية والرأسمالية فى إطار بحث فى الإقتصاد الإسلامى ، وخرج بنتيجة أن النظام الرأسمالى هو الأخطر على الشعوب وليس النظام الإشتراكى ، لأنه ليس له قواعد فكرية ثابته وقائم على حركة السوق وتغيراتها المختلفه .
 أى أننا أمأم حالة نظام رأسمالى سائل يتشكل حسب مصالحه ، وأنه قادر على تحويل الناس أو إستخدام معتقداتهم الدينية لتحقيق مآربه ، فإنتصار الدين بقيمة الروحية لا يعنى سيطرة كاملة على الناس ، فحركة المال قادرة على تحويل دفة الدين لصالحها ،
مثلا عندما خرج سيدنا " موسى " من مصر وذهب للقاء الله ، قام " السامرى " بجمع الذهب من قوم موسى وقام بإذابته وصنع عجل له صوت ليعبده الناس ، وعلى الرغم من وجود نبى مرسل وأيات ومعجزات إلا أن المال كان له كلمه ، وأنصاع لها كثيرا من الناس .
وكذلك عندما تم فتح المسلمون بلاد الشام ، إنحاز الحكام الجدد من نبى أمية إلى إتباع السلوك الرأسمالى ومظاهرة فى الحكم إتباعا لما كان قبلهم من حكام الروم ، وكذلك عندما فتح المسلمون بلاد فارس ، سرعان ما إنضمت طبقة البازار ( التجار ) الكبار من الفرس إلى الدين الجديد آملين فى تحقيق أرباح جديدة وقد كان لهذا السلوك أثرة على الدين الإسلامى فيما بعد .
لقد تلونت وتعايشت الرأسمالية مع الدين عبر التاريخ وأصبحا يشكلان فى عصرنا هذا مرتكزين أساسيين لحياة الناس ، وبات عليهما أن يواجها التحديات المطلوبة منهما من أجل إسعاد الناس وتلبية متطلباتهم الحيايته والدينية . فهل يستطيعان ؟!
..................................................................................
فى مصرالتى تدين بالأديان السماوية الثلاثة والتى شهدت مراحل الصدام والتقاطعات عبر تاريخها القديم والحديث أصبحت الأن راغبة أو مرغمه على التعايش بين الدين والرأسمالية ، فهل تشهد رأسمالية الدولة تعايشا بينها وبين الدين أم صراع متجدد ؟ أم تقاطعات ستستخدم فيها الرأسمالية كنعصر مرجح لتيار سياسى على آخر ؟ أم نشهد تحالفا يمثل تحديا لحل مشكلات المجتمع والبحث عن فكرة تعايش مستدام وفق رأسمالية إجتماعية تراعب البعد الدينى والإقتصادى للبلاد .
فهل نشهد عصر جديد على أرض مصر لتعايش الرأسمالية  والدين ، أم تصبح صخرة عجل السامرى فى أرض سيناء التى سك فيها عجله الذهبى شاهده على مفترق الطرق بين الرأسمالية والدين ؟
إلى قادم الأيام ؟

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...