بقلم / ياسر رافع
من المحرمات فى بلادنا الحديث عن الجنس وكأنه الشيطان الرجيم ، فما بالك ولو إقترن الحديث عنه بسياسة الحكم وطبيعة حركتها داخل المجتمع ، وهذا كان موجودا أيام البدايات الأولى للحضارة المصريه القديمه لأن الجنس إحتل المكانه المميزه داخل مكونات الدوله المصريه القديمه بل كان الإطار العام لها ، فنرى الإله " أتون " الإله الأعظم ومنشأ الكون فهو الذى خلق نفسه بنفسه على قمة التل الأزلى ثم قام بخلق " شو " و "تفنوت " عن طريق الإستنماء وبصق " المنى " الخاص به فى الماء الأزلى ، وقد عرف بالكامل نظرا لتساوى الذكورة والأنوثه به . وهو ما عرف لاحقا " بطقس الإستنماء فى النيل " حيث كان الفرعون يقوم فى يوم معين بالإحتفال بالإله آتوم وسط جموع المصريين ويقوم بالإستنماء فى النيل أمامهم وسط التصفيق والتهليل نظرا للبركه التى ستحل عليهم وزيادة الخيراتوتلك كانت بدايه إقتران الجنس بالسلطه فى مصر القديمه
..............................................................................................................
تزوج " شو " من " تفنوت " وكانت بداية الحياة على ضفاف النيل لنسل السلطه من الآلهه الملوك فكان من نسلهم إيزيس وأوزوريس وست ونفتيث ، وطبقا للأسطورة فكان من المفروض أن يتزوج أوزوريس من إيزيس ، ويتزوج ست من نفتيس ، إلا أن ست حسد أخيه أوزوريس وأراد إيزيس لنفسه وهو ما جعله يقوم بقتله وتقطيع أوصاله وتوزيعها على كل بقاع مصر حتى لا يبعث مرة أخرى وأستولى على الحكم ، ولكن إيزيس التى فجعت بموت حبيبها قامت بالطواف بطول البلاد وعرضها لتجمع جسد حبيبها الممزق حتى يبعث من جديد ولكن قابلتها مشكله صعبه وهى أنها جمعت آشلاء الجسد كلها ما عدا العضو الذكرى !!
ما الحل فشرعية الحكم على المحك وكذلك إستعادة السلطه من " ست " المغتصب ، فطبقا للأساطير المصريه لا بعث للجسد الممزق ؟! هنا يظهر الجنس بطريقه آخرى ليرجح كفة الخير على الشر ، فيظهر أوزوريس من العالم الآخر فى هيئة روح ويجامع إيزيس ويولد لهم إبنهم الأشهر " حورس " الذى كبر وقتل عمه الملك ست المغتصب للسلطه وحكم مصر وفى تبرير دينى لذلك كان أن الروح تستعيد قدرتها الجنسيه بعد الممات
وهنا كان البدايه الأولى لدخول الجنس إلى حلبه السلطه لترجيح كفة أحد المتصارعين عليها
...............................................................................................................
مع خلط الجنس بالسلطه والدين فقد أصبح للجنس إله معبود إسمه " مين " وصار هناك تنظيما للجنس وما هو المباح وما هو الغير مباح وأنتظمت الحياة على هذا الشكل ، حتى بدأ إستخدام الجنس لتصفية الحسابات على مستوى السلطه وأصبح وجود وريث لعرش السلطه مرهون بآليه شرعية الجنس والتزاوج الشرعى ، وهو ما كان عندما تولى الملك تحتمس الأول السلطه ولم ينجب إلا بنتا وليس ولدا يرث العرش فكان أن تفتق ذهنه إلى أن يولى إبنته العرش بجانبه وهو ما زال حيا وهو ما تم وأصبحت إبنته " حتشبسوت " ملكه رسميا ! ولكن الكهنه ورجال الحكم أرادوا للملكه أن تتزوج من رجل يكون له دم ملكى ولكن كيف والملك لم ينجب ذكرا ذا دم ملكى متصل بإبنته ؟!
هنا يظهر للملك تحتمس الأول ولد كنتاج " غير شرعى " خارج مؤسسة الزواج من إحدى محظياته أسماه " تحتمس الثانى " وهو ما جعل الكهنه ورجال السلطه يدعمون زواجه من أخته لإستمرار الحكم وإستقراره ومضت السنوات ولم تنجب الملكه حتشبسوت إلا بنتين ولم تنجب ولد وريثا لأبيه الذى وافته المنيه ، وأصبح مأزق الحكم والوريث مشهد متكرر !! ولكن كما حصل سابقا فقد تبين أن الملك المتوفى " تحتمس الثانى " لديه إبنا " غير شرعى " أيضا من إحدى محظياته وكما السابق فقد تزوج الإبن وقد تسمى بإسم " تحتمس الثالث " وهو ما زال بعد صبيا من إحد بنات زوجه ابيه الملكه حتشبسوت ، وقد ظل تحت وصاية زوجة أبيه حتى كبر وقتلها حيث كان يكن لها حقدا وكرها كبيرا وتولى الحكم مكانها .
وهكذا لعب الجنس وشرعيتة من خلال الزواج الشرعى وغير الشرعى فى تحديد شكل السلطه العليا
.......................................................................................................
مع سقوط الإمبراطوريه الفرعونيه وفى بدايات عصر الإحتلال الأجنبى لمصر يبدوا أن الوضع لم يختلف كثيرا فنجد أن الملكه الشهيرة " كليوباترا " إبنة بطليموس الثانى عشر التى حكمت البلاد مع أخيها بطليموس الثالث عشر الذى سرعان ما طردها فأستخدمت مفاتنها الجسديه لتغرى يوليوس قيصر روما لقتال أخيها وهو ما تم وقتل أخيها فى المعارك ، وبعد مقتل القيصر تنافس إثنين من أتباعه ، أوكتافيوس وأنطونيو على ميراث مملكته وناصرت كليوباترا القائد أنطونيو الذى وقع فى غرامها بتأثير سحرها ومفاتنها لكن لم تأتى الرياح بما تشتهى السفن كما حصل مع قيصر ، فقد إنهزم أنطونيو وقتل ، وهنا أدركت كليوباترا أنها هالكة لا محاله فأنتحرت بسم أفعى ..
وهكذا إنتهى فصل من إستخدام الإغراء بالجسد والحب فى ترتيب أعلى سلطة الحكم
...................................................................................................
ومع ظهور الأديان السماويه على ضفاف النيل توارى ظل الجنس مع توارى دور المرأة فى الحياة السياسيه بعد أن توارت وراء ستائر القصور كأم وزوجه وإبنه وأقتصر دورها فى إطار ترتيب سلطه الحكم بالزواج المتبادل بين العروش والممالك التى تجمعها بمصر صلات وعلاقات تريد مصر توطيدها مثل زواج إبنه أحمد بن طولون بالخليفه العباسى فى بغداد ، وزواج الأميره فريال أخت الملك فاروق بإبن شاه إيران محمد رضا بهلوى . وقد تم الرفض التام لفكرة تكرار أدوار كبيرة للمرأة فى أعلى سلطة الحكم لأنها ليست مؤهله جسديا ولا نفسيا وناقصه عقل وهو ما كان تجسيدا عمليا لتولى الملكه شجرة الدر لحكم مصر بعد موت زوجها الملك الصالح آخر ملوك الدوله الأيوبيه والتى رفض الخليفه العباسى إعطاءها الشرعيه لتولى الحكم لأنها إمرأة .
وهكذا توارى دور الجنس الفج فى ترتيب سلطة الحكم وراء التنظيم الدينى الحديدى وسلطة حكم إقتصر مفهومها للجنس على الزواج الذى يرتب مصالح بغض النظر عن الإنفلات فى قاعات الحريم والجوارى بالقصور..
.................................................................................................
مع خروج مصر من ظلمات القرون الوسطى على لطمه قويه أيقظتها من نومها العميق على وقع دخول الحمله الفرنسيه لمصر كان الجنس قد دخل قبو الظلمات وأصبح تجاوز محرماته المجتمعيه مصيره الموت الصريح وهو ما حدث مع محظية نابليون المصريه والتى تم قتلها شر قتله لأنها تجاوزت الخط الأحمر الذى رسمه المجتمع لحدود الإقتراب منه . ومع مرور السنوات وإقتراب مصر من نهاية عصر دولة الباشا محمد على ظهرت الدعوات لتحرير المرأة وهو ما كان صدمه كبيره للمجتمع الذى أغلق قبو الجنس وأعتبر دعوات تحرير المرآه بمثابة المفتاح الذى سيحرر وحش الجنس من عقاله .
وقامت ثورة 23 يوليو 1952 وبدأ عهد جديد لم يكن للجنس دورا فى ترتيب سلطة الحكم لا بالجنس الصريح ولا بالإستنماء فى ماء النيل ولا بالزواج بين الممالك ، ولكن ظهرت الحاجه إلى تنظيم السلوك الجنسى فى المجتمع الذى إزداد تحررا وبات للجنس دورا بارزا فى التغييرات الإجتماعيه المصريه ، وهنا ظهرت الحاجه لضبط السلوك وإيجاد آليه جديده تضع حدودا تنظم العلاقه بين السلطه والدين والجنس .
فكان إنعقاد مؤتمر الأمم المتحده للسكان فى مصر عام 1994 محاوله فى هذا الإتجاه ولكن الوثيقه النهائيه قوبلت بنودها بإستنكار ورفض دينى ودولى واسع لأنها تدعوا للإباحيه الجنسيه وحرية الإجهاض ، وهو ما وضع الحكومه المصريه فى حرج لأن المؤتمر يعقد على أرضها وتصاعدت اللغه العدائيه داخل المجتمع من التجمعات الدينيه الرسميه مثل الأزهر والكنيسه والتجمعات الدينيه السياسيه كالإخوان المسلمين الذين قادوا حمله ضد المؤتمر وقرارته . ومرت العاصفه الجنسيه على سماء القاهرة ولكنها تركت آثرا لمدى الحاجه إلى تنظيم السلوك الجنسى فى المجتمع . ولكن السلطه العليا تركت المعالجه لسنوات قادمه .
وأنتشر التحرش الجنسى ولا أحد يتكلم خوفا من التصريح بإسم الجنس وحش القبو الذى يخافه الجميع وبات ظهور نمط جديد للمعالجه غير الأمنيه للجنس مطلبا ملحا لم تستطع السلطه فى مصر إيجاده رغم قيام ثورة 25 يناير وما تلاها فى 30 يونيو . وهكذا وقف ثالوث السلطه والدين والجنس منتظرين حلا يرضى الجميع
....................................................................................................
أقر الرئيس التونسى قيس سعيد عبر وزارة التربيه فى تونس تدريس مادة التربيه الجنسيه فى المناهج التعليميه بالمدارس دون طبع كتب لها بهدف تثقيف وتوعية الطلاب والحد من ظاهرة الإعتداء والتحرش الجنسى ، وهو ما قوبل برفض قليل للفكرة ولكن شركاء الحكم من الليبراليين والإسلاميين وهم الأكثريه أقروا القرار .. لماذا ؟
الإسلاميين حراس القبو المسجون فيه وحش الجنس يقفون مع الليبراليين دعاة تحرير الوحش من القبو كان هذا من المستحيل سابقا كما حدث فى مؤتمر السكان فى القاهره 1994 ، ولكن تغيير شكل السلطه دفع الجميع إلى إيجاد صيغة وسط تحفظ ماء الجميع أمام شعب يعانى أزمه كبيرة ، فكان تدريس التربيه الجنسيه إرضاءا لليبراليين فى مقابل عدم وضعها فى كتب مقروءه إرضاءا للإسلاميين ، وهو ما يعتبر أكبر عملية إستنماء تاريخى مارسه شركاء السلطه فى نهر الحياه التونسيه بهدف تنمية بذور تجذر لبقاءهم فى السلطه وليس نتيجة أهمية الجنس بالنسبه لإستقرار المجتمع
....................................................................................................
أصبحت الحاجه فى مصرلتفعيل علاقه مستديمه بين السلطه والدين والجنس ضروريه فى ظل التطورات المجتمعيه وفى ظل إنتشار الوسائل التكنولوجيه الحديثه وإزدياد حالات التحرش الجنسى والأمراض الجنسيه التى تؤدى إلى حالات الطلاق ، ولا نريد حلا إستنمائيا على الطريقه التونسيه ، نريد حلا صريحا قبل أن يأتى الطوفان لحماية المجتمع من الإنهيار .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه