الخميس، 29 ديسمبر 2022

من يفكر بجانب الرئيس ؟!!


 

بقلم / ياسر رافع


هل الديموقراطية الغربية قابلة للتطبيق فى المنطقة العربية ؟

هل الديموقراطية هى الوسيلة الأفضل للتغيير السياسى فى منطقتنا ؟
على ماذا يستند الرئيس أو الحاكم العربى من كتل سياسية أو إجتماعية لتدعيم شرعيته ؟
من يفكر بجانب الرئيس ويعمل على بلورة أفكاره السياسية ؟
كل تلك الأسئلة وغيرها تعتبر من المحرمات فى السياسة العربية ، ولن تجد لها إجابة واضحة المعالم ، وإنما إغراق كامل فى الإتهامات المتبادلة بين طرفين ، طرف يريد ديموقراطية ولا يريد تحمل تبعاتها الممتدة حتى تتجذر فى المجتمع ، وطرف يحكم ولا يريد منافسا محتملا على عرش السلطة .
لماذا وصلنا إلى هذة الحالة ؟!!!
........................................................................................
لقد كانت الحرب الروسية الأوكرانية التى ما زالت تدور رحاها حتى الأن ناقوس مهم لفهم حقيقة ما يجرى حولنا بعيدا عن المسلمات والأفكار المعلبة حول الديموقراطية . فمن يتابع الحرب بعيدا عن دخان المعارك وإختلاط الدماء بالحديد ، وعن بيانات الحرب النفسية على جانبى طرفى الحرب ، فسوف يجد أن هناك جانب مهم تسبب فى إندلاع الحرب ألا وهو الصراع المكتوم بين روسيا ومحيطها الأوراسى وبين أمريكا والغرب حول محاولة تسلسل الديموقراطية الغربية من الفناء الأمامى للجغرافيا الروسية ، وهو الأمر الذى ترفضه روسيا بشده معتبرة أن الديموقراطية الغربية غير صالحة لها ولمحيطها الجيوسياسى ، وقد عبر الرئيس الروسى " بوتين" فى أكثر من مرة أن الديموقراطية والليبرالية الغربية لم تعد صالحه لهذا الزمن ، ولكن أمريكا وأوروبا أرادوا موقع قدم فى المحيط الروسى فى أوكرانيا عبر صناديق الإنتخابات التى عقدت تحت راية الديموقراطية الغربية وهو ما قبول برفض روسى تمثل بإحتلال شبه جزيرة القرم ، بل وصل فى نهاية الأمر إلى الدخول فى حرب مباشرة وإحتلال أجزاء كبيرة من أوكرانيا التى رأتها روسيا رأس حربه لفرض الديموقراطية الغربية قسرا وتهديد الوجود الروسى .
لماذا تخشى روسيا من الديموقراطية الغربية ! أليست وسيلة ناجحه للتطور وتم تجربتها عبر السنين ونجحت فى بلدان أخرى خارج أوروبا وأمريكا ؟!
......................................................................................

لقد إنتهجت روسيا فى عهد الرئيس " بوتين " سياسة عرفت " بالديموقراطية السيادية " وتلك السياسة قائمة على السيادة والتدخل المباشر للدولة فى إدارتها على أساس أن الحقوق الفردية لا يمكن حمايتها إلا عندما تكون الدولة قوية وقادرة على أن تكون فى طليعة المدافعين عن تلك الحقوق ، وذلك من منطق عدم إعتراف روسيا بنجاعة النموذج الغربى الديموقراطى الغربي القائم على الفردية ، أى أننا أمام نموذج روسى تريد روسيا أن تثبت نجاحه فى مواجه النموذج الغربى ، وهو نموذج قائم على حاكم أوتوقراطى سلطوى فى شكل ديموقراطى عبر مؤسسات شكلتها الدوله وتحميها المؤسسه العسكرية ، ووفق أفكار شعبوية قومية تضمن إستمرارية  نهج " بوتين " السلطوى .
لكن بعد خسارة الجيش الروسى لبعض المناطق فى أوكرانيا وإنسحابه منها وخاصة مدينة " خيرسون " خرج علينا الفيلسوف الروسى " أليكسندر دوغين " الذى يعتبر العقل الذى يفكر بجانب " بوتين " بمقال تحت عنوان " أمام بوتين خياران النصرأوالقتل " ، أعتبر معبرا عن مأزق الديموقراطية الروسيه الوليدة ، حيث شن فيه تحريضا للرئيس لبذل مزيد من العنف فى أوكرانيا ، حيث وجه فى بدايته نقدا مباشرا للرئيس ومحملا إياه سلسلة الهزائم قائلا " هناك شخص واحد هو المسؤول عن كل ذلك وإلا فما هو معنى الأوتوقراطية التى لدينا ؟ نحن نمنح الحاكم القوة المطلقة لكى ينقذنا ، الشعب والدولة والمجتمع فى اللحظات الحرجه حتى لو كان هذا الحاكم  يحيط نفسه ببطانة سوء شريرة "
" لو لم يتمكن الحاكم الأوتوقراطى من حمايتنا فما هو مصيره ؟ سيكون بكل بساطه مثل مصير ملك الأمطار الأسطورى " يتم قتل الملك المقدس لو لم يسقط المطر فى الوقت المحدد "
" الإستبداد أيضا له جانب سلبى ، الإستحواذ على القوة المطلقة وكامل السلطة لتحقيق نتائج ، ولكن أيضا تحمل كامل المسؤولية بشكل منفرد عند الفشل ،على القائد أن يسأل نفسه ما الذى يريده حقا ؟ "
ومما ذكر يوضح " أليكسندر دوغين " جوهر الديموقراطية السيادية القائمة على الحاكم الفرد السلطوى المدعوم بالقوة المطلقة ، ولكنه أمام حيوية الديموقراطية الغربية فى إتخاذ القرار فى الحرب الروسية الأوكرانية ، نراه يحاول دفع الرئيس" بوتين " نحو تبنى سياسة أكثر تشددا قائلا " الإنتقال الفورى من الديكتاتورية السيادية إلى القيادة العقائدية ، أى تبنى أيديولوجية سياسية واضحة لقيادة الدولة والمجتمع وهو ما كاد أن يفعله القائد ، لكن كالعادة تراجع مرة أخرى حتى ضاعت خيرسون "
هكذا ببساطه تحدث عقل بوتين والمفكر بجانبه عن ديموقراطية روسيه تجنح نحو الديكتاتورية السيادية والتى تعانى مأزق جعلها أكثر تشددا عند مواجهة الديموقراطية الغربية فى الميدان .

هل الديموقراطية الروسية بمأزقها الحالى صالحة للتطبيق فى الدول العربية كحل لهروب الأنظمة العربية من تبعات تطبيق الديموقراطية الغربية على بقاءها فى السلطة ؟
........................................................................................
بعد ثورات الربيع العربى فى العام 2011 وما تلاها ، كانت الديموقراطية بمفهومها الغربى حاضرة وسط صيحات الجماهير العربية الثائرة فى الميادين التى تريد تطبيقها لتخلصها من إرث سلطوى إستمر لعشرات السنوات منذ حركات التحررالوطنى أواسط خمسينات القرن العشرين ، لكن مع مرور السنوات تحول ذاك الربيع إلى شتاء قارس تلطخ جليده بدماء الناس فى الشوارع بفعل الحروب الأهلية والصراع على السلطه ، وتراجعت الوتيرة الثورية وأصبح المتاح ليس ديموقراطية غربية وإنما ديموقراطية شبيهه بالنموذج الروسى ، ولكنها لا تكتسب نفس قوة النموذج الروسى لعدة أسباب أهمها عدم تمتعها بالقوة العسكرية الجبارة التى تحميها فى مواجهه القوة الغربية التى تريد تجذير نموذجها فى المنطقة العربية ، وكذلك تراجع قواها الإقتصاديه ودخولها فى مأزق إقتصادى خانق ، وهذا جعل من الديموقراطية بعد الربيع العربى نموذج مشوه ، فالسلطه لا تريد ديموقراطية على النسق الغربى يهدم أسس بقاءها وهيمنتها وعينها فى ذلك على النموذج الروسى الذى يعزز مكانة رأس الدولة ويمنحه سلطات كاملة تجعله يفكر ويحدد سياسة الدولة منفردا مدعوما بكتل سياسية مصطنعة تحميها قوة المؤسسة العسكرية ، وفى الوقت نفسه أيضا لا تستطيع أن تتبنى النموذج الروسى بالكامل خوفا من تبعات العقوبات والحصار الإقتصادى الغربى والأمريكى الذان تقعان ضمن مناطق نفوذه التقليدية .
لهذا نجد شكل ديموقراطى عربى سلطوى وأصبحنا أمام مأزق سياسى كبيرلا يفرز شيئا فى سبيل تطور سياسى محتمل يسايرالواقع ويخاطب المستقبل ، وأصبح غياب الساسه المحترفين وأصحاب الأفكار هو السمه الغالبة على مشهد السياسة العربية أمام تفرد السلطة بكامل المشهد السياسى دون سواها ، بل لم تعطى السلطه العربية أى مساحة ولو بسيطة لأى مفكر سياسى أو فيلسوف ليفكر بجانبها ويبلور لها أفكارها ويخاطب الجماهير تحت راياتها .
فهل نطمح أن نجد بجوار السلطة العربية مفكرا أو صحفيا نابها ليعرفنا ماذا تريد أن تفعله أو تقدمه للواقع الديموقراطى العربى ؟!
...................................................................................
أعتقد أن الأنظمة العربية الشمولية تغازل النموذج الديموقراطي الروسى وتريد تطبيقه لأنه يناسب طبيعة التركيبة السياسية فيها ، وهى تحاول جاهدة الإفلات من الضغوط الغربية والأمريكية لتطبيق الديموقراطية الغربية حفاظا على إستقرارها فى السلطة . وأعتقد أيضا أن أمريكا والغرب لن يضغطا كثيرا لتطبيق الديموقراطية الغربية لكنهم فى المقابل لن يسمحا بتطبيق النموذج الديموقراطى الروسى ، وإنما سيرضيان بواقع عربى سلطوى إعتادوا عليه فى التعامل  قبل قيام الربيع العربى من أجل الحفاظ على مكاسبهم السياسية والإقتصادية والعسكرية . لهذا ستبقى كل الأسئلة حول الديموقراطية ومدى تطبيقها وقابليتها فى النمو فى الأرض العربية  !! وكيف يفكرالرئيس فى إدارته للدولة !! وكذلك التعلق بفكرة ظهور مفكر بجانب الرئيس ليوضح ويشرح فلسفة السلطة فى إدارة البلاد !! كل هذة الأسئلة ستظل معلقه تبحث عن إجابه حتى تستقر الدولة على شكل سياسى أو نموذج سياسى يحدد ماهية الحكم وفق إرادتها وحدها بعد غياب كل القوى السياسية عن كامل المشهد السياسى .
وحتى ذلك الحين ، يبقى السؤال الأكثر حيرة فى السياسة العربية ، مع من يفكر الرئيس لإدارة الدولة ؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...