الأربعاء، 22 ديسمبر 2021

فى عرضك يا ستى نفيسه




بقلم / ياسر رافع

حضرة المؤرخ " ابن الصيرفى " أحد مؤرخى العصر المملوكى  لها مذاق خاص ، لهذا فزيارة تاريخيه له والجلوس بين يديه متعه عقليه يطوف بنا بين جنبات ذاك العصر المسحور الفريد فى تكوينه السياسى والإجتماعى بين الأمم البشريه .. لهذا أخذت نفسى وذهبت فى زياره إلى بيته فى القاهره المحروسه لعلى أجد لديه من الحكاوى والقصص الشعبى ما يغنينى وينسينى ما يدور فى زماننا هذا .
أمشى فى جنبات المحروسه وسط المصريون الغلابه ، دكاكين مفتوحه أمامها يجلس أصحابها ممسكين بمنشه يهشون بها الذباب يشتكون قلة الزبائن ، ومتسكعين يفترشون جنبات الطرقات ، وشحاذون يمدون الأيدى ، ودخان الشيشه _ الجوزه الشعبيه _ يملأ الأزقه المنتشرة بها المقاهى . كل هذا وسط حالة خمول عامه ألمحها فى السائرين من حولى ، وفجأه تظهر أمامى خيول مطهمه مزينه يركبها فرسان فى أبهى الثياب المزركشه
فى مفارقه غريبه توضح الفجاجه الطبقيه فى العصر المملوكى ، يجرون شابا تعسا ممزق الثياب ويضرب بالسياط بين الفينه والأخرى صارخا " فى عرضك يا ستى نفيسه " ، وناس كثر ما بين ضاحك وباكى وغير مكترث بما يحدث وكأن هذا واقع يومى معتاد .
 وبعد تساؤلاتى التى أطلقتها على المقابلين لى فى شوارع المحروسه سائلا عن بيت مولانا " ابن الصيرفى " وجدت نفسى فجأه أمام باب بيته ، فطرقت الباب ثلاثا حتى فتح خادمه الذى بادرته بالسؤال عن مولانا الصيرفى ، فقال لى إنه بالداخل .. وما أن دخلت مرحبا بى حتى وجدتنى أدخل عليه فى حضرته وبين كتبه وأوراقه فبادرنى مرحبا تفضل يا بنى !!
فسلمت عليه فأجلسنى بجواره ، وبدا أنه مندهشا وسألنى ؟
ابن الصيرفى : حاجتك ايه يا بنى
أنا : يا مولانا أنا جاى من زمن تانى وعاوز أعرف عن زمنك المملوكى وأتعلم
ابن الصيرفى : مرحبا بك وبمن فى زمانك ، وماذا تريد إذا ؟
أنا : مولانا قبل كل شئ ، فيه حاجه عاوز أسأل عنها ، وأنا بسأل على بيتكم الكريم ، شوفت مشهد غريب
ابن الصيرفى : ايه اللى شوفته وعاوز تسأل عنه
أنا : فى طريقى إلى بيتكم الكريم شوفت فرسان لابسه أزياء مزركشه وفى أجنابها سيوف بتلمع وراكبه أحصنه مطهمه وماشى أمامهم ناس بتضرب شاب بالكرابيج وهوا بيستغيث وبيقول " فى عرضك يا ستى نفيسه " .. مين الناس دى ؟ ومين الشاب دا ؟ ومين هى الست نفيسه ؟ عرفنى
رأيته يبتسم ثم علت ضحكته ، وبدا أنه يعرف ما يحدث ورأيته يرجع إلى الوراء ويتنهد وأطلق زفره ألم توحى بعدم الرضا ثم نظر إلى :
ابن الصيرفى : اللى إنت شوفته يا بنى دا مأساه عايشنها من أول زمن المماليك ، البلد دى اللى عاوز يترقى فيها لازم يبقى من المماليك ، المملوك زمان كانوا بيشتروه طفلا وما أن يكبر يصبح مملوكا ولاؤه لسيده وسرعان ما يحرره ويأخذ مميزات لا حصر لها ، لكن ظهر مماليك لا هم لهم إلا المال ولا ولاء لهم ، وهؤلاء يا بنى شباب وليسوا أطفالا كانوا يوقوعون أنفسهم فى أسر تجار العبيد عن قصد فى بلاد الترك حتى يأخذوهم ويبيعوهم لمماليك مصر حتى يضمنوا الترقى وسرعة الثراء وأصبحوا يسموا فى مصر بمماليك " الجلبان "
أنا : يعنى متطوعين خدامه  
ابن الصيرفى : لا يا بنى ليسوا خدما بل مماليك أوقعوا أنفسهم فى الأسر
أنا : أكمل يا مولانا مش هتفرق فى المعنى
ابن الصيرفى : ولما أصبح الوضع لا يحتمل المصريين لا يجدون لقمة العيش والعيشه ضنك ، والمماليك العبيد من كل حدب وصوب يمرحون فى خيرالبلد ، هنا وجد شاب مصرى فى نفسه ذكاءا وحاول يغير وضعه المزرى ، فرحل لبلاد الترك وأوقع نفسه فى الأسر علشان يباع عبدا لحكام مصر من المماليك حتى يصبح من أصحاب السلطه والمال ، وفعلا حصل ما كان يتوقعه وأصبح مملوكا وله حظا من المال ويسكن القلعه بجوار السلطان " قايتباى " ، لكن الفقرى فقرى طول عمره ، ففى يوم قرر إنه حر ومش مملوك فأخد المال والملابس والسلاح وهرب من القلعه  وراح إتجوز من بنت مصريه بيحبها من زمان ، ، لكن المماليك مسكوه وأحضروه أمام السلطان وبعد إستجوابه عرفوا الحيله اللى عملها علشان يحسن مستواه ، فأمر السلطان بجلده أمام الناس ، ولما كان هوا مصرى بيحب أهل البيت فصاح مستغيثا " فى عرضك يا ستى نفيسه " ‘ ودا أغضب السلطان لأنه تأكد أنه مصرى وصاح " هذا ما هو جلب إنما هو زقاقى " أى من أزقة حوارى مصر وأمر أن يباع خارج مصر فى حلب بعد تجريسه فى الشوارع كما رأيت أنت .
أنا : يعنى وسيلة الترقى والغنى إن الشاب المصرى يبقى مملوك عند السلطان
ابن الصيرفى : فى زماننا هذا مؤكد
أنا : طيب إيه بقى لازمة الإستغاثه " بالست نفيسه " عند المصريين
ابن الصيرفى : تنفيث تنفيث يا بنى ، السلطان صاحب المقام

إلى اللقاء

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...