بقلم / ياسر رافع
هناك مظاهر عده لإصلاح الدوله ، فهناك من يؤمن بالتغيير من خارجها وهناك من يؤمن بالتغيير من داخلها ومن خلال آلياتها ، أى أن هناك من يؤمن بالإنقلاب بمفهومه الشامل الذى يغير كامل منظومة الدوله ويعيد ترتيبها لتأسيس دوله جديده تناسب الواقع الجديد ، وهناك فى المقابل من يؤمن بمفهوم إنقلاب " القصر " أى التغيير من داخل الدوله ونظامها العام من خلال قوى فاعله وقادره على إحداث هذا التغيير ، ولكن هناك آراء ترى أن ما حدث فى مصر مثلا من تغييرات جوهريه فى شكل الحكم وتداول السلطه منذ نشأة الدوله الحديثه على يد " محمد على باشا " ما هو إلا تغيير شكلى وليس حقيقيا لأنه جاء من داخل النظام ليس كإنقلابات القصر المعروفه فى العصور الوسطى وإنما على شاكلة تسليم وتسلم أو أن النظام المصرى قادر على أن يعيد إنتاج نفسه فى صور مختلفه ، وهذا الحديث يتوافق مع ما كتبه الكاتب المصرى الكبير " أنور الهوارى " على صفحته على " الفيس بوك " قائلا " مفيش تغيير حقيقى إلا من داخل الدولة ، محمد على جاء من داخل الدوله ، عرابى جاء من داخل الدوله ، سعد زغلول جاء من داخل الدوله ، جمال عبد الناصر جاء من داخل الدوله ، السيسى جاء من داخل الدوله ، وبغض النظر عن موقفك من التغيير الذى أدخله هؤلاء ، الدوله المصريه لا تستجيب للتغيير من خارجها ، تقاومه ، وتمتنع عنه ، وتكتب له الفشل "ومهما طال الحديث أو قصرعن أهمية التغيير للدوله ، يظل التغيير من خلال آلياتها هو الأبرز وربما الوحيد الذى إنتهجه المثقفين المصريين الذين كانت لهم خصوصيه فريده فى هذا المجال ، والذين آمنوا طوال تاريخ الدوله المصريه الحديثه منذ نشأتها وحتى الآن بأن التغيير من خلال الدوله وآلياتها هو الطريق الصحيح والأسلم و" الأقل ضررا " من أجل نيل الحقوق وتصويب نظام الحكم ..
فهل نجح المثقفين المصريين فى إحداث تغيير حقيقى فى طبيعة الحكم ؟!
من يعرف عبد الله النديم ؟! إنه ذلك المثقف الشعبوى الذى آمن بفكرة التغيير من داخل الدوله قبل قيام الثوره العرابيه إقتنع بما أراده الخديوى " إسماعيل باشا " من محاوله أخيره لإحداث تغيير سياسى وبرلمانى وتشريعى يعوض به الإخفاق المريع فى المجال الإقتصادى والذى أودى بمصر بعد سنوات قليله من إنتهاء حكمه إلى أحضان الإحتلال الإنجليزى ، وراح " عبد الله النديم " يلاحق الفكره الوليدة مع أول وزارة بقيادة " شريف باشا " ويبشر بها من أجل تصويب الحكم وإحداث تغيير يتيح للشعب نيل حقوقه المسلوبه تحت سياط السخرة ، ولكن مع ذهاب الخديوى إسماعيل وإعتلاء الخديوي " توفيق باشا " عرش مصر تم الإرتداد عن تلك الوعود بنيل مطالب الحريه وتحقيق مطالب الشعب ، فما كان من المثقف الشعبوى " النديم " إلا أن إتخذ من مصر كلها ميدانه وأصدر الصحف التى تنادى بالحريه وتحقيق المطالب الشعبيه حتى صار أيقونه مصريه حقيقيه ، وتلاقت رؤاه مع أفكار ورؤى الحركه العرابيه التى كانت تنادى بالإصلاح أيضا من داخل إطار الدوله وآلياتها وبعد صراع قصير مع السلطه تحقق للمثقف والثوار الإصلاحيين ما أرادوه وأنتصرت الثوره العرابيه المدعومه من قطاعات كبيره من الشعب ..
ولكن ؟!
سرعان ما تمت الإنتكاسه وسقطت الثوره العرابيه ومثقفها تحت وطأة التحالفات الرجعيه وقوى الدوله التى تدعمها بمسانده إنجليزيه وتواطئ عثمانى صريح ، وتمت محاكمه الجميع وتسامحوا معهم إلا مثقف الثوره " عبد الله النديم " الذى ظل هاربا طوال عشر سنوات يتنقل فى ربوع مصر وريفها تحتضنه مصر الحقيقيه بشعبها الذى أحاط به يحميه ، حتى حانت اللحظه وتم القبض عليه وبعد العفو عنه عاد مرة أخرى يريد الإصلاح بعدما إستبشر خيرا بتولى الخديوى " عباس باشا " مقاليد الحكم بعد رحيل الطاغيه " توفيق باشا " والذى آمن بالتغيير والإصلاح فوجد " النديم " فيه أملا جديدا للإصلاح ولكن قوى الرجعيه لم تمهل الخديوى الشاب الفرصه وتم نفى المثقف إلى " يافا " ولكنه لم يطق المكوث هناك ، ورجع إلى مصر ولكن لم يتم قبوله وتم نفيه إلى الإستانه عاصمة الخلافه بعدما توسط له شخصيات مقربه من الخليفه السلطان " عبد الحميد " الذى كان يكره دعاوى الإصلاح وجعل من الأستانه سجنا من الذهب لكل من يفكر فى الإصلاح فبجانب " النديم " كان السيد " جمال الدين الأفغانى " سجينا أيضا فالوظائف والمنح الماليه التى كانت تقدم لهم لم تكن إلا رشى ليصمتوا ولكنهم آبوا أن يصمتوا حتى ظهرت شخصيه كان لها أكبر الأثر فى إنهيار الدوله العثمانيه ظلت تطاردهم وتضطدهم لأنهم أصبحوا خطرا عليها وعلى مصالحها فالإصلاح وحش سيلتهم مصالحها ، إنها شخصية الدرويش " أبو الهدى الصيادى " أو النسخه الأخرى من راسبوتين روسيا القيصيريه ، والذى سيطر على عقل الخليفه المتوهم بقدرة الدوله العثمانيه المتداعيه على قيادة العالم وراح يغذى الأوهام لدى الخليفه ويقاوم كل دعاوى التغيير التى تصم الآذان فى جنبات الدوله العثمانيه ويمنع وصولها إلى آذن الخليفه بل ويشيطن كل من يحاول أن يقترب من دائرته الخاصه أو دائرة الحكم حتى صار شيطانا وحيدا ضد الجميع ، ودخل فى خصومه مباشره مع كبار المثقفين الإصلاحيين الذين يمكن أن ينفذوا إلى عقل الخليفه مثل " جمال الدين الأفغانى " وأستطاع أن يحيد الأفغانى بوسائله الخاصه ، ولكن " عبد الله النديم " بوسائله الشعبويه وتاريخه الطويل مع السلطه فى مصر آبى أن يصمت وينصاع لأوامر " الصيادى " فراح يهاجمه فى كل مكان وألف كتابا إسمه " المسامير" كال فيه من الهجاء والشتائم ما يندى له الجبين ولا يشرف كاتبا بحجم " النديم " أن يكتبه ولكنها كانت الوسيله الأخيره من أجل التشهير بمن يقف بين الخليفه والإستماع لدعاوى الإصلاح ، ولكن " الصيادى " عرف بأمر ذلك الكتاب فما كان من أصدقاء " النديم " إلا أن قاموا بتهريب مخطوطة الكتاب التى ذاعت شهرتها وطبعوها فى مصر بعدما وشى الصيادى لدى الخليفه بأن الهجاء والشتائم التى قال بها النديم موجهه له شخصيا ، وبعدها مات النديم وماتت آخر محاوله من مثقف أراد الإصلاح من داخل الدوله فى مصر وفى عاصمة الخلافه ، وإيا ما كان شكل موت النديم طبيعيا أم مسموما فإنه كان مثقفا يؤمن بالتغيير من داخل الدوله ومن خلال آلياتها ولكنه كان دائما يصطدم بحاشية الخديوى وكتل المصالح ، وبدرويش الخليفه وحاشيته ، فتوقف الإصلاح وصوت الناس على لسان مثقفها الشجاع عند عتبات القصر لا ينفذ إلى داخله ، لكن حتما صوت النديم وأمثاله لم يضع فى الزحام ، فبعد سنوات قليله سقطت الخلافه والخليفه وسجن الدرويش وجاء آخرون ، وظهر سعد زغلول وشباب متحلقين حوله ، هم من تعلموا الخطابه فى مدرسة النديم وتحت إشرافه وكانت ثورة 1919 كمحاوله أخرى لتصويب نظام الدوله من داخلها
المثقف المصرى لا زال يراوح مكانه يريد إصلاحا شاملا ولكن لا يريد أن يدفع ثمنه ، يريده إصلاحا على شاكلة إنقلاب القصر ويعتمد على قوى يرى فيها نفسه ( متوهما ) قادرا على تحريكها ، ولا يدرى مدى قوة تشابك مصالح تلك القوى مع الدوله . يخشى الإنقلابات السريعه فى المواقف والأفكار وبل ويرتد سريعا لنقدها لأنه قد تعود منذ نشأة الدوله الحديثه على فكرة الخوف من المجهول الذى ينتظره وراء التعاطى مع تلك المواقف والأفكار .
ولا زالت العلاقه بين المثقف والدرويش فى حضرة الخليفه أو الملك أو الرئيس قائمه حتى إشعارا آخر .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه