الخميس، 23 ديسمبر 2021

مصر وحرب العملات وحرب الذهب




بقلم / ياسر رافع

فى مقابلة صحفيه لوكالة " بلومبيرج " الأمريكيه مع الملياردير المصرى " نجيب ساويرس " مايو 2018 قال فيها أنه قد وضع نصف ثروته فى الذهب بسبب الأزمات التى تشهدها منطقة الشرق الأوسط والعالم وتوقعاته بإرتفاع سعر الذهب عالميا وقال نصا " يلجأ الناس عادة إلى شراء الذهب عند حدوث الأزمات ، ونحن نعانى من أزمات عدة حاليا ، أنظر إلى الشرق الأوسط والعالم ، السيد ترامب لا يساعد " .
وأشار لإنه يستثمر فى أسهم شركات تعدين الذهب فقط قائلا " أقوم بزيادة حصتى فى إحدى شركاتى ، لأن تكلفة إنتاج الأوقية أقل بكثير من سعر المعدن نفسه "
ومع إستثمارات مجموعة ساويرس فى إستخراج الذهب فى غانا وساحل العاج و بوركينا فاسو وأستراليا فقد بلغ ربح المجموعه من الإستثمار فى الذهب 2019 أكثر من 300 مليون دولار وحل رابعا على قائمة المليارديرات الأكثر ربحا فى مجال الذهب .
ما الذى يدفع مستثمر كبير كنجيب ساويرس إلى تحويل نصف ثروته الملياريه للإستثمار فى مجال الذهب ؟ هل من أجل الربح فقط ؟ أم أن هناك عوامل أخرى ؟
.................................................................

بعد الحرب العالمية الثانية وضع أساس لنظام إقتصادى عالمى جديد كانت فيه الولايات المتحدة الأمريكية سيدة العالم وكان الغطاء أو المعيار الذهبى هو المقوم للدولار وباقى العملات ، لكن فى العام 1971 قام الرئيس الأمريكى " ريتشارد نيكسون " تحت ضغط إستنزاف الذهب والإقتصاد نتيجة حرب فيتنام بفصل الدولار عن معيار الذهب ، وأصبح الدولار بدون غطاء ذهبى وبمساعدة المملكة السعودية أكبر منتجى البترول والتى أقنعها " نيكسون " ببيع بترولها بالدولار وشراء سندات أذون الخزانة الأمريكية ظهرت إلى الوجود السياسه النقديه المعروفه " بالبترودولار " التى جعلت من الدولار عملة إحتياط لدى كل دول العالم ومن يومها ولم يعد الذهب معيار تقويم للعملات حول العالم  ، وأصبحت مطابع الدولارهى الأداة التى تتحكم بها أمريكا بالعالم  ، ولما لا هل تعلم أن حجم الزيادة فى النقد الأمريكى فى الفترة من 1950-1970 كانت 55% ، وصلت إلى 2000 % فى الفترة من 1971-2000 .
وأصبح الدولار العملة الأساسية ليس لقوته الإقتصاديه ولكنه راجع لقوة أمريكا العسكريه والنفط الذى جعل من كل دول العالم تستثمر فى السندات الأمريكيه رغم معدل الفائدة المنخفض مما جعل المواطن الأمريكى يعيش أزهى عصورة على الإطلاق . لكن هذه السياسة القائمة على طباعة الدولار جعلت الإقتصاد الأمريكى يمشى وهو شبه ميت ينتظر تشييعه إلى مثواه الآخير .
ولكن كيف سيموت ؟ ومتى يشيع إلى مقبرة التاريخ ؟
...................................................................
هناك من الظواهر السياسية والعسكرية لا يستطيع أحدا من السياسيين أن يفسرها دون الأخذ فى الإعتبار الأساس الإقتصادى لها . ففى العام 2000 وأثناء الحصار الإقتصادى على العراق بعد غزو الكويت قام الرئيس " صدام حسين " بإصدار تعليمات بالتخلى عن التعامل بالدولار وإستبدالة باليورو فى بيع وشراء النفط ، فكان هذا مؤشرا لم يلتفت له أحدا ولكن هناك فى واشنطن من تلقف الإشارة الحمراء على تجاوز العراق لخط تهديد عرش " البترودولار " ، فكان الغزو الأمريكى 2003 للعراق وإخضاع التعاملات العراقية كلها وإرجاعها لحظيرة البترودولار مرة أخرى .
فى العام 2006 أقدم الرئيس السورى " بشار الأسد "  على تحويل عائدات النفط كلها إلى اليورو ، مما أورثها فى النهاية إلى سيطرة أمريكا فى 2019 على بترولها وعقد صفقات بينها وبين الأكراد السوريين بعيدا عن الحكومه السوريه وبيعه بالدولار .
فى العام 2008 أنشأت إيران بورصة للبترول لتقويمة بالدولار واليورو والذهب وهو ما جعل أمريكا تشدد عليها الحصار الإقتصادى أكثر فأكثر وما البرنامج النووى إلا غطاءا مناسبا لإستمرار العقوبات .
فى العام 2010 كانت محاولة الرئيس " معمر القذافى " إنشاء بنك أفريقى لإصدار عمله أسماها " الدينار الأفريقى " مقوما بالذهب والثروة البترولية الليبيه الأكبر فى أفريقيا وهو الأمر الذى أقلق أمريكا التى تخشى على سيطرة الدولار وفرنسا التى كانت تخشى على قوة الفرنك فى أفريقيا ، لهذا كانت جثة القذافى على قارعة الطريق مقتولا بعدها بأقل من سنتين .
ولكن قوة أمريكا أصبحت على المحك إذا ما قررت دول مجموعة " البريكس " المكونه من الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا التخلى عن قاعدة الدولار كعملة إحتياط هنا ستتهاوى أمريكا كنمر من ورق لكن ما يؤجل ذلك هوالخوف من قوتها العسكرية الجبارة .
لكن مع بداية العام 2020 وحلول الأزمة الإقتصادية مغلفة بغطاء ظاهرى هو جائحة كورونا تهاوت أسعار النفط ومعها الدولار ، ولكن فى المقابل إرتفعت أسعار الذهب بطريقه جنونيه على الرغم من تباطؤ الإقتصاد العالمى الأمر الذى أرجعة الإقتصاديين إلى رغبة الناس للإستثمار الآمن فى الأصول الثابته لحين زوال الأزمة الإقتصادية ، لكن ما حدث يفوق تلك الظاهرة المعتادة فحجم شراء البنوك المركزيه حول العالم وخاصة الصينيه ينذر بحلول أزمة عالمية وبوادر لنظام عالمى جديد .
ماذا يحدث ؟
................................................................
الأزمة التجارية بين أمريكا والصين ليست فقط خلافا بين قطبى الإقتصاد العالمى حول الإجراءات الجمركية أو لمعالجة الخلل التجارى لصالح أحدهما ، بل خلافا على من سيقود العالم خلال العقود القادمة فالصين ترغب فى جعل عملتها اليوان عملة تداول وإحتياط رئيسية فى العالم وأمريكا لا تريد ، لهذا نجد أن الصين تشترى الذهب بكميات كبيرة جدا وتخفى الرقم الحقيقى لحجم مخزوناتها من الذهب وهو ما جعل أمريكا تستشعر الخطر من محاولة الصين هز عرش البترودولار وإرجاع العمل بقاعدة معيار الذهب وهو ما يجعل أمريكا وعملتها فى مهب الريح ، وهذا يفسر محاولات أمريكا للضغط على الصين لتحرير سعر صرف عملتها اليوان مقومة بالدولار وسط رفض صينى صارم ، ويفسر أيضا محاولات أمريكا إغراق الصين بإستثمارات مليارية دولارية فى محاولة لإحداث فقاعة إقتصادية تطيح بالإقتصاد الصينى كما حدث لمجموعة الدول الآسيوية المعروفة " بالنمور الآسيوية " فى تسعينيات القرن العشرين .
...................................................
أما فى مصر فمع الأزمة الإقتصادية التى تعيشها منذ سنوات ظهرت آثار تهاوى الإقتصاد العالمى الذى تقودة أمريكا فربط الجنية المصرى بالدولار جعله يعانى من الآثار التضخمية كبقية دول العالم ، وأصبح رفع أسعار الفائدة هو الحل للسيطرة على جموح الأسعار المقومه بالدولار الغير مدعوم ذهبيا بل مدعوما بقدرة المطابع الأمريكية على طبع مزيدا من الورق الملون ، وأصبح التراجع وسط الأزمه الإقتصاديه عن معدلات الفائدة العاليه حلا للحيلوله دون صعودها مرة أخرى لتفادى الإنهيار الإقتصادى وأصبحت الإستدانة من الخارج حلا للخروج من تلك الحلقه الجهنميه .
وأصبحت حرب العملات وحرب الذهب تلقى بظلالها على الإقتصاد المصرى الذى يعانى رغم التحسن الكبير الذى طرأ عليه بعد أحداث ثورة 25 يناير 2011 وما أعقبها فى 30 يونيو 2013
...........................................................................

مدير إحدى الصناديق التى تستثمر فى قطاع الذهب " دياجو باريلا " قال " إن الذهب قد يرتفع بين ثلاثة آلاف وخمسة الآف دولار للأونصة خلال ثلاثة إلى خمسة أعوام قادمة " . أى أن الأزمه العالمية مستمرة إلى ما يقارب الخمس سنوات قادمة وعلية فإنة على الحكومة المصرية أن تجد حلولا جديدة تحفيزية للإقتصاد وسط حرب العملات وحرب الذهب الدائرة حاليا بين أمريكا والصين حتى لا تفاجئ بما لا تتوقعه ، وأن تتحسب للحروب التى تدور حولها بالوكالة ظاهرها حروبا لمصالح مباشرة لأطراف الصراع ولكنها حروبا نيابة عن قوى عظمى تريد الهيمنه على مقدراتنا .
لهذا نقول ماذا أعدت مصر لمرحلة ما بعد تراجع الدولار الأمريكى وسياسة البترودولار عالميا ؟ وماذا أعدت لزيادة الإحتياطيات الذهبية التى تعتبر إستثمارا آمنا يحمى العملة المحلية فى حال خسارة الدولار كعملة تقويم لمكانتة الدولية أمام اليوان الصينى أو سلة عملات أجنبية ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...