بقلم / ياسر رافع
منذ بداية القرن الواحد والعشرون أذن لبداية عصر جديد للبشريه ، عصر سقوط الأيديولوجيا والفلسفات وظهور الشعبويه السياسيه والفلسفيه التى تقوم على دغدغة مشاعر الناس دون تحديد هدف نهائى يمكن الوصول إليه . وأصبح النمط الإقتصادى النيوليبرالى داعما أساسيا لهذا الإتجاه الشعبوى الذى يناهض كل الأفكار التى تقف ضد سيطرتة وهيمنتة على الإقتصاد العالم الذى يحول الناس شيئا فشيئا إلى سادة وعبيد على مستوى العالم . ولكن مع أزمة فيروس كورونا التى صاحبتها الأزمة الإقتصادية العالمية والتى جرى دمجها فى أزمة كورونا فى محاوله لإخفاء أزمة الإقتصاد العالمى التى تسبب فيها دعاة النيوليبراليه ، ظهرت أزمة البطاله والكساد الإقتصادى والأزمات الدوليه القائمه على الصراع الإقتصادى وإقتسام الموارد ، فكان إستدعاء الدين وجيوشه المقدسه حلا رآته النيوليبراليه حلا للحيلوله دون سقوطها أمام جيوش المطالبين بالخدمات والعمل من جموع الشعوب الهادرة التى إمتصت دمائهم . لهذا لا عجب أن نجد الرئيس الأمريكى " ترامب " يستدعى الدين لمحاربة خصومه بعدما أعاد إنتاج عدو قديم وهو اليسار ليعطى مشروعيه للمتدينين حال خروجهم للشوارع للقتال ضد دعاة التخريب كما أسماهم . وقد إستغل أزمة كورونا لإستدعاء الدين من الكنائس عبر دغدغة مشاعر المتدينين ليقفوا ضد المتظاهرين فى الشوارع فكانت بعض تصريحاته كالتالى " يعتبر بعض الحكام أن متاجر الخمور وعيادات الإجهاض ضرورية ، لكنهم تركوا الكنائس ودور العبادة الأخرى ، هذا ليس صحيحا لذلك أنا أصحح هذا الظلم وأعتبر دور العبادة ضروريه " ، " إن الكنائس لا تعامل بإحترام من قبل الكثير من الحكام الديموقراطيين " ، " أريد فتح كنائسنا ، سنتخذ موقفا قويا جدا بشأن ذلك قريبا جدا " .هذا حال أقوى دوله علمانيه ليبراليه والنموذج الأبرز للحكم على الحضارة الغربيه كلها ، فما حال الدين والسياسه فى بلادنا العربيه ؟!
............................................................................................
منذ أن خرج الخليفة الراشد " أبو بكر الصديق " على الناس بعد موت الرسول (ص) لتهدئة الخواطر ومحاولة إنهاء حالة الجذع التى إنتابت المؤمنين قائلا " من كان يعبد محمد فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت " ، هنا بدأت السياسه فى الإسلام بعدما إنتهى عصر النبوة ، وظهرعصر الخلافه الراشدة التى جعلت من السياسه إستلهاما لروح الدين . لكن بإنتهاء عصر الخلفاء الراشدين وبداية الحكم الملكى فى الإسلام سبقت السياسه الدين وأصبح الدين على الرغم من إنتشاره الواسع على مساحه جغرافيه واسعه من العالم إلا أن السياسه الخاصه بشئون الحكم هى من كانت تدير الدفه بما يخدم مصالحها ، وبدأت الأفكار الخارجيه تجتاح العالم الإسلامى وهنا ظهرت الفلسفات والأفكار من الأديان والمعتقدات الأخرى التى تناقش وتفكر بجانب الساسه الجدد خلفاء الدين الإسلامى الجديد فحدثت تطورات كثيره فى ترتيب البيت السياسى على قمة هرم الخلافه الإسلاميه ودخلت عناصر مختلفه إثنيا وعرقيا على قمة الهرم السياسى لتزيد الشرخ بين السياسه والدين مما أدى إلى إنحلال الخلافه فى نهاية العصر العباسى والذى آذن بظهور عصر الدويلات الإسلاميه التى أوجدت لنفسها نمطا سياسيا مختلفا وجديدا على الحياة السياسيه الإسلاميه ، فكان نموذج الملك والشيخ ، نموذج يعطى الشرعيه للسياسه ويقر بتبعية المؤسسه الدينيه لها ، وأستمر هذا الوضع حتى بداية القرن التاسع عشر .
ما الذى حدث ؟!
...................................................................................
مع بداية القرن التاسع عشر فإن الصورة العامه للمنطقه العربيه كانت مزريه فالسياسه نزلت بالدين إلى منازل متدنيه من أجل المنافسه على مقاليد السلطه التى بدأت بواكير إنتزاعها من أيدى المسلمين لصالح محتل إستعمارى غاصب بدأت بوارجه الحربيه تقترب من الأرض العربيه ، وكانت الصدمه الحضاريه مع وصول الحمله الفرنسيه للشواطئ العربيه والتى آذنت بفجر جديد فى شكل العلاقه بين السياسه والدين ، فمع بداية إرسال الوفود من الطلبه إلى أوروبا للتعلم ونقل الحداثه إلى المنطقه العربيه ، ظهر دعاة يدعون إلى تبنى النموذج الغربى فى التعامل مع الدين وفصله عن السياسه ولكنهم لم يدركوا أن الدين فى الأساس بروحه السمحه لا يوجد له وجود على قمة السلطه وأن النموذج الذى يريدون تطبيقه لا يوجد له أساس فى بلدانهم لأن الشيوخ لم يكونوا هم المتحكمين فى السياسه كما باباوات وكرادلة أوروبا بل مجرد حاملين لصكوك شرعية الحكم لا أكثر ولا اقل .
وقابل دعاة فصل الدين عن السياسه دعاة يرفضون كل ما يجئ من الغرب ، مما أوجد تيارا وسطيا يدعوا إلى التوفيق بين التيارين السابقين لصالح العرب والمسلمين ، وقدر لأتباع هذا التيار الوسطى أن يكونوا هم أصحاب التيار الذى ساد حتى خمسينيات القرن العشرين .
ما الذى حدث بعد ذلك ؟!
..............................................................................
مع إنتصاف القرن العشرين ، فقد بدا أن إنقلابا عالميا قد حدث فقد سيطر نموذج الدوله الوطنيه وإنتهت الإمبراطوريات القديمه ، وسيطرت الأفكار والفلسفات مبتعدة عن الدين والتى رآته حاجزا ضد التقدم للأمام ، و أصبح الدين قرب السياسه إحتفاليا ، كتراس الساسه لإحتفالات ظهور هلال رمضان أو إفتتاح مسجد جديد ، أو إستخدامه فى تصفية الحسابات ضد خصوم السلطه وخاصة من دعاة التدين السياسى الذين أصبحوا قوة يحسب لها حساب بفعل حملهم السلاح ضد الدوله . وما أن قرب القرن العشرين على إنتهاءة حتى أصبح المجتمع العربى فى أزمه حقيقيه بعد إنحسار وفشل الفلسفات والأفكار التى كانت تحكم طيلة النصف الثانى من القرن العشرين ، وأصبح يجد نفسه أمام سلطه مطلقه ومؤسسه دينيه تقليديه تمثل تراث عصر الدويلات الإسلاميه فى القرون الوسطى ، وجماعات من التيار الدينى المسلحه تظن نفسها قادرة على جسر الهوة بين السياسه والدين عبر دغدغة مشاعر مناصريها بأمل إستعادة الخلافة الراشدة ولكنهم لا يدركون أنهم ليسوا إلا مجرد إستنساخ للجماعات المسلحه ودعاة الخروج على السلطه السياسه فى عصر الدويلات الإسلاميه أيضا .
..........................................................................
إذا وضعنا خريطه لطبيعة العلاقه بين الدين والسياسه فى المنطقه العربيه الأن سنجد أن علاقة الدين بالسياسه على طريقة القرون الوسطى هى التى تحكم المنطقه أو فى طريقها ، نجد دولا تحاول بسط نفوذها السياسى والإقليمى مدعومه بجيوشها المسلحه التى تصبغ أعلامها المشرعه صبغة دينيه ، تارة بإستعادة أمجاد الخلافة الإسلاميه ، وتارة بالتمهيد لعودة المهدى المنتظر ، وجماعات دينيه مسلحه مختلفه المشارب تقاتل على كافة الجبهات السياسيه فى الدول العربيه تارة مع معتنقى نفس المعتقد وفى مكان آخر مع معتنقى أفكار أخرى ، وأصبح المشهد الذى يحكم العلاقه بين الدين والسياسه عبثيا وسط حاله من الضبابيه تعيشها المؤسسات الدينيه التقليديه التى كافحت التغيير سابقا وتحاول الآن إستغلال ما تبقى لها من إحترام فى الشارع من أجل الصمود فى وجه هجوم الجماعات الدينيه عليها وإصرار السلطه العربيه على إستمرار العلاقه بين السياسه والدين كما هى دون تغيير أو تطوير على الرغم من تغير الظروف .
...............................................................
لقد آن الآوان لتبنى فلسفه جديدة تراعى المستجدات العالميه السياسيه منها والإقتصاديه بالأساس لتكون قادرة على إستيعاب المتغيرات الإجتماعيه التى تحدث فى الدول العربيه ، والمقال ليس دعوة إلى الرجوع لنمط القرون الوسطى وصكوك الغفران وسيطرة الملك الإله والخليفه بمظهر دينى .. بل إننا فى حاجه إلى أخذ خطوه جريئة نحو إيجاد نمط ثقافى وإجتماعى نابع من ثقافتنا العربيه الإسلاميه قبل أن تهدمنا الأفكار الشعبويه الأوروبيه والأمريكيه التى ستجعل من الدين سيفا مسلطا على الخارجين على سلطتها ومحاولة بسط نفوذها فى الخارج وليحمينا من زمن قادم نتخوف منه فى أن تاخذ السلطه دور الجماعات المسلحه وعندها ستصبح العلاقه بين السياسه والدين والمجتمع فى مهب الريح إلى حين التفكير فى تكوين نمط سياسى جامع جديد .
.......................................................................
السلطه والدين وجهان لعمله واحدة لا ينفصلان ، وعليه يجب أن يوجدا علاقه جديده لزمن قادم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه