بقلم / ياسر رافع
منذ عام تقريبا وتحديدا فى نهاية شهر يوليو 2019 وفى أحد مؤتمرات الشباب فى مصر ، تحدث الرئيس المصرى " عبد الفتاح السيسى " عن أهمية الرقمنه والتحول الرقمى وأن مصر عملت على تأسيس عقل جامع لكافة بيانات الدوله والشعب المصرى وقال نصا " عقل مصر الذى يضم قواعد البيانات الخاصة بالدولة المصرية والخوادم الإلكترونية الخاصة بالوزارات والهيئات والخدمات التى تقدمها الحكومة محفوظ فى مكان آمن وسرى تحت الأرض وبعمق 14 مترا " .تصريح لم يلتفت له الكثيرون رغم أهمية من الناحيه الأمنيه القصوى ! وبدا وكأنه إشارة واضحه للخارج قبل الداخل بأن مصر أصبحت تعى وتحتاط لحروب المستقبل السيبرانيه ( الإلكترونيه) ، وأن أول درجات تلك الحرب هو بناء نظام كامل لحفظ بيانات الدوله المصريه من العبث بها وحمايتها من الهجمات الإلكترونيه من الأعداء .
ولكن هناك من سمع ! ومن إهتم ! فى الخارج أكيد !!
.................................................................................
هل تعلم أن الحروب السيبرانيه ( الإلكترونيه ) جاءت بطريق الصدفه ! طبقا لما جاء فى كتاب " المنطقة المعتمة .. التاريخ السرى للحروب السيبرانيه " للمؤلف " فرد كابلان " .
ففى العام 1984 وبعد أن أتم الرئيس الأمريكى " ريجان " مشاهدة فيلم إسمه " ألعاب الحرب " يتحدث عن شاب بارع فى الكومبيوتر إستطاع النفاذ إلى أهم المراكز العسكريه الأمريكيه وكاد أن يشعل الحرب مع الإتحاد السوفيتى .، إستدعى كبار المسؤولين العسكريين فى إجتماع لمناقشة أمر نوع جديد من الصواريخ النوويه ولكنه فجأة تذكر أحداث الفيلم وطرح سؤالا مستوحى منه ووجهه إلى رئيس الهيئه المشتركه لرؤساء الأركان الجنرال " جون فيسي " قائلا " هل يمكن حدوث مثل هذا الأمر فى الواقع ؟ هل يمكن لأحد إقتحام حواسيبنا المهمه شديدة الحساسية " . بعد أسبوع رجع الجنرال " جون فيسي " بالإجابة وقال للرئيس " سيدى الرئيس ، المسألة أسوأ كثيرا مما تظن "
وفى أحد الإجتماعات لتدشين الزمن السيبرانى الجديد إستدعى أحد الجنرالات مقطع من فيلم " المتسللون " ليجعله قاعدة ثابته لتنفيذ التوجية الرئاسى وقال " لم يعد العالم يدار بالأسلحه أو الطاقه أو المال ، إنه يدار بالآحاد والأصفار والبتات (لغة الكومبيوتر) ، إن كل شئ ماهو إلا إلكترونات . هناك حرب حولنا ، أيها الصديق القديم حرب عالمية ، إن الأمر لا يتعلق بمن لدية ذخيرة أكثر ، الأمر يتعلق بمن يسيطر على المعلومات ، ما نراه ونسمعه وكيف نؤدى عملنا وما الذى نفكر فيه ، الأمر كله يتعلق بالمعلومات "
وهكذا صدرت الأوامر بإنشاء وكالات لأمن المعلومات تطورت فيما بعد إلى أبعد من ذلك فقد تحولت وكالات حماية البيانات إلى جيوش سيبرانيه تهاجم بوحشيه وتقتات على أسرار الدول والشركات الصناعيه .
ما الذى حدث بعد ذلك ؟!!
..................................................................................
يقول الكاتب " فرد كابلان " فى كتابه " أنه فى أثناء الستة عشر شهرا ما بين أبريل 2007 وحتى أغسطس 2008 حينما إخترقت أمريكا البريد الإلكترونى للمتمردين العراقيين ، وخدعت إسرائيل الدفاعات الجوية السوريه ، وغمرت روسيا مخدمات (سيرفرات) إستونيا وجورجيا ، شهد العالم بزوغ فجر حقبه جديدة فى وسائل الحرب السيبرانية إستيفاءا لعشر سنوات من الدراسات وتجارب نماذج المحاكاة "
ومنذ ذلك الوقت بدأت الحرائق تشتعل فى العالم وانتقلت الحروب من العلن إلى المناطق المعتمه تديرها الحواسيب !! ولكن آثارها مدمره فى الواقع العلنى
.............................................................................
فى حرب تحرير الكويت (عاصفة الصحراء) 1990 كان العالم العربى يستغرب من أن مئات الطائرات الأمريكيه والغربيه تطير فوق العراق ولا تصيبها صواريخ الدفاع العراقيه ؟ وكانت الإجابه بعد سنوات وهى أن حرب عاصفة الصحراء كانت بداية الحروب السيبرانيه التى تمهد الميدان أمام الطائرات والجيوش ، فقد تم تعطيل أنظمة القيادة والسيطرة العراقية ورادرات الدفاع الجوى وكان ذلك بداية عهد جديد فى الحروب .
وفى حرب البلقان ضد صربيا تطورت التكنولوجيا ووسائل الإتصالات ودخل عنصر جديد وهو عنصر زرع الوسائل الإلكترونيه فى معدات العدو ليس فقط للتخريب ولكن لتوجيه رسائل متضاربه بين قيادات العدو مما يؤدى لخسارة الحرب ، وهو ما تحقق فعليا حيث طارت الطائرات الحربيه الأمريكيه فوق صربيا بحريه كبيره حيث أن الرادرات جرى العبث بها لتراقب مناطق اخرى غير المناطق المستهدفه بالقصف الأمريكى . وأيضا تم زرع وسائل إلكترونيه فى محطات تلفزيونيه للسيطره عليها والتحكم فى محتواها ساعه المعركه .
وفى العام 2007 قامت الطائرات الإسرائيلية بضرب المفاعل النووى فى سوريا والذى كانت تبينه بسريه كامله بالتعاون مع كوريا الشماليه ، ودخلت الطائرات الإسرائيليه الأراضى السورية وضربت المفاعل المحاط بالدفاعات الجويه والردارات الروسيه الحديثه وخرجت سالمه ما الذى حدث ؟
الذى حدث أن تكنولوجيا الحروب السبرانيه تطورت جدا فى إسرائيل بمساعدة أمريكا ، ولم يعلم السوريين ما الذى حدث فقد كانت شاشات الرادارات تظهر أمامهم سوداء خاليه من أى تحركات بعدما تم السيطره عليها إلكترونيا . وهذا ما يفسر كثيرا مما يحدث فى سوريا حاليا من قصف للطائرات الإسرائيليه .
...............................................................................
لكن الحروب السيبرانيه لم تتوقف عند التصنت ومساعدة الجيوش فى الحروب فقط ، بل إعتمدت حربها الخاصه والتى تعتمد على التخريب لمنشآت الدول دون إطلاق طلقة رصاص واحدة ، وهذة الحرب الجديدة جرى إعتمادها فى إيران حيث جرى زرع أجهزة إلكترونيه مليئه بفيروسات ضارة فى مولدات كهرباء شركة " سيمنز " الألمانيه التى تورد مولدات لمحطة " نطنز " النوويه الإيرانيه الأمر الذى أدى إلى تخريب فى أجهزة الطرد المركزى بها . وأستمر هذا الوضع إلى الأن و نسمع كل فترة عن إنفجارات فى منشآت الغاز وفى مصانع وفى محطة " نطنز " النوويه أيضا .
وجرى هجوم سيبرانى أمريكى على محطات الطاقة الكهربائيه فى فنزويلا وأظلمت البلاد لساعات طويله .
وهذا حدا بدول كثيرة إلى إعتماد جيوش سيبرانيه للدفاع عن نفسها وأيضا للهجوم على أعدائها حتى ولو بإمكانات تمكنها من التخريب فقط كما حدث من هجوم سيبرانى إيرانى على منشآت شركة " آرامكو " السعوديه المتعاونه مع أمريكا وقامت بمحو بيانات معظم الأقراص الصلبه المخزن عليها بيانات الشركه كرد إنتقامى موجه لأمريكا . وأطلقت إيران وسائل جديدة لحماية نفسها بأن نقلت منشآت حساسه لها إلى تحت الأرض . وهكذا جرى إعتماد أسلوب جديد فى الحروب الحديثه وأصبح الإختباء والتفنن فى التخفى هو سيد الموقف لحماية أسرار الدول وأماكنها الحساسه .
..............................................................................
على الرغم من أنه لم يتداول عن مصر تعرضها لهجوم سيبرانى منظم يستهدف بنيتها المدنيه والعسكريه إلا أنه من المؤكد أن حديث الرئيس المصرى " السيسى " عن إنشاء مكان حساس وسرى يحفظ فيه بيانات الدوله يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن مصر قد دخلت عصر الحروب السيبرانيه كخيار لا بديل له من أجل حماية الأمن القومى الذى سيعاد تعريفه من جديد فى ضوء مستجدات الفضاء السيبرانى اللامحدود .
ولكن قدرة مصر وقدرتها على إحتلال مكان مميز فى العوالم السيبرانيه مرهون بقدرتها على إنشاء قاعدة من شبابها القادرين على التعامل مع لغة المستقبل وأن توسيع قاعدة الإبداع المدنى فى مقابل الإبداع العسكرى سيكون له مردود عظيم على تقدم مصر فى هذا المجال الحساس .
المستقبل لن يرحم من يتجاهله .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه