بقلم / ياسر رافع
لا تستطيع أن تراه إلا من خلال منظور تاريخى وأن ما يوقع إلا الشاطر ، لأنه يذكرك دائما بالعصر المملوكى وخاصة الأماكن الخاصة بالتجارة فيه ، حيث تراه كشهبندر التجار يعرف الأسواق وما يدور فيها ، إنه المهندس خالد الصلاحى الأخ الكبير المقام ، الذى تعلمنا على يديه ما خفى عنا فى حياتنا العمليه عن الأسواق ، فقد تعرفت عليه خلال عملنا معا حيث كان مديرا للمخازن والمشتريات ولكنه بسيط متواضع على عكس المتوارث عن فكرة منصب المدير فى مصر، طيب الملامح ، عذب الكلام ، حلو اللسان ، كثيرا ما كان يتصل بى لتدارس بعضا من العمل المشترك بيننا ، ولكن غالبية حواراتنا كانت شخصيه وكانت لمحة المرح بادية على حواراتنا والضحك يملئ الأجواء ، حتى جاء النذير بأنه قد جاء الميعاد لفراق الأجساد مع إحتضان الأرواح إلى يوم القيامه .ففى أحد الأيام إتصل بى صديقا مشتركا بيننا يخبرنى أن أحضر إلى مكتبه الذى يتشاركه مع المهندس خالد بسرعه ، فهرعت إليه وما أن دخلت عليه حتى أخبرنى بأن الشهبندر قد وقع فى فخ صراع المماليك فى الشركه وأن الصراع على قمة السلطه حول الملك فى غير صالحه ، فهمت المغزى من الحديث وقد تراءى لى من وراء زجاج مكتب الشهبندر وجها يوحى بأنها النهايه وأن الخلاف بين الشهبندر ونائب الملك قد وصل إلى مرحلة الوداع .
دخلت عليه المكتب أحمل ألما لفراق أصبح واقعا لا محاله ، وحاولت أن أتفادى الدخول مباشرة فى معرفة ما حصل ولكنه لم يمهلنى أن أكمل مواساة ليست فى محلها ، فراح يشرح لى الذى حصل ! حتى ما أن وصل للنهايه حتى كان القرار بالإجماع أن الرحيل هو مسألة فى صالحه ، حيث أن كواليس العصر المملوكى ومؤامراته قد طالته وأن الطعنه من الخلف قد أدمته ولطخت ثوب الشهبندر بلون الغدر ،
فكان الإقتراح فى كيفية الإنسحاب بسرعة من المعركة بشرف على طريقة عريس بنت الأمير " قراقوش " ، ففى أحد الأيام أراد الأمير " قراقوش " الجبارأن يزوج إبنته ولكنه وضع شرطا لمن يريد أن يتزوجها وهو أن يقوم المتقدم بأخذ عشرة أرانب إلى جبل المقطم ويتركها ترعى هناك وبعد سبعة أيام يرجع بالأرانب غير منقوصه وإن نقصت واحدا يتم قتله ، وفشل كثير من المتقدمين للزواج فكان مصيرهم القتل ، إلا واحدا إستطاع أن يرجع بالأرانب العشرة غير منقوصه فزاد هذا من إعجاب " قراقوش " الذى عقد إجتماع فى القصر لكى يشرح العريس أمامه وأمام إبنته والحاشيه كيف لم تهرب منه الأرانب !!
العريس الفطن أيقن أن " قراقوش " لن يقتنع بذكاءه ودهاءه وأن الحاشيه لن تترك الأميرة تتزوج من رجل من العامه ولهذا حتما فالمكيدة واقعة لا محاله ! إذا كيف العمل للهروب من بطش الأمير والحاشيه ؟!
أمام قراقوش وقف العريس الفائز ! وهنا سأله قراقوش " كيف إحتفظت بالأرانب لمدة أسبوع كامل فى الجبل ولم تهرب منك حتى أعدتها مرة أخرى ؟ " ، هنا أخرج العريس من جيبه بكرة خيط وقال لقراقوش :
العريس : سأشرح لك يا مولاى ، ولكن لى شرط واحد ؟
الأمير قراقوش : وما هو ؟
العريس : أريد منك أن تمسك يا مولاى طرف هذا الخيط وأن تغمض عينيك أنت وإبنتك والحاشيه حتى أخبركم أن تفتحوها
الأمير قراقوش مستغربا : موافق
أمسك قراقوش طرف الخيط مغمض العينين والعريس يطيل فى الخيط حتى خرج من قاعة الحكم ، ووصل الى باحة القصر الداخليه حتى وصل الى الباب الخارجى وقام بإخراج شمع من ثيابه وأساله ولصق الخيط الممدود على باب القصر ثم فر هاربا . طال الوقت بقراقوش ممسكا بطرف الخيط مغمض العينين ففتح عينيه وسأل عن العريس الغير موجود فى كل مكان حتى دخل عليه حارس البوابه الخارجيه للقصر وسأله عن العريس هل خرج من البوابه ، فقال له الحارس لقد خرج بعد أن " شمّع الفتله " وجرى خارجا .
هكذا كان الشهبندر يدرك أن الحيله والسرعه ستضمن له خروجا آمنا من بطش الحاشيه ، وأنه برصيدة لدى محبيه وتلاميذه سيتذكرونه كما لا زال المصريون يتذكرون عريس بنت قراقوش الذى شمّع الفتله .
إنه الرجل الذى لا ينسى ، دمت لنا يا شهبندر الزمن الجميل مثالا جميلا للعلم والخلق والمقام الرفيع .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه