الخميس، 23 ديسمبر 2021

إتنين شاى وبيضتين .. حوار على الهامش




بقلم / ياسر رافع

فى لحظة سكون مشغولا بتصفح المواقع الإلكترونيه على هاتفى جلوسا على المقهى وجدته منتصبا واقفا أمامى بطريقه مفاجأه فرفعت رأسى لأتبين وجهه فوجدته شخصا أعرفه أصغر منى فقلت له تفضل فجلس وكان شاردا وناديت على صبى القهوة وطلبت منه إتنين شاى ولكن هذا الشخص فجأة نطق وقال " ومعاك بيضتين كمان ! " ، فوقف صبى القهوة مذهولا فأشرت إليه بأن ينصرف ولا يعقب !
أنا : وحشنى يا حسن ، فينك وفين أراضيك يا فقرى ؟
حسن متنهدا : فى الدنيا ! تعبان ونفسى أرتاح منها يا عم ياسر ؟
أنا : مالك تعبان من إيه !
حسن : الدنيا ملطشه ونفسى تتعدل بقى !
أنا محاولا البعد عن الكآبه : سيبك إنت من ساعة التخرج روحت فين؟ دا إنت وحشنى من زمان ؟
حسن : بعد التخرج قررت أفتح مشروع صغير أساعد به نفسى وأساعد الناس معايا بتوفير سلعه رخيصه وإنت عارفنى بحب اليسار ، لكن الفلوس كانت شحيحه إشتغلت كذا شغلانه لحد ما جمعت مبلغ محترم فقلت أستقيل وأفتح مشروعى الخاص وهدانى تفكيرى فقلت أفتح محل أبيع فيه بيض ..
قاطعته مبتسما : فعلا دا مشروع يسارى مهم !!
حسن متجاهلا تعليقى : ومرت الأيام والمشروع كبر وأصبح المحل مشهور فى المنطقه اللى أنا ساكن فيها لحد اليوم اللى قررت أطبق فيه أفكارى على الناس اللى بتشترى منى وهنا كانت المصيبه الكبرى
أنا : خير الناس كسرت البيض !
حسن مبتسما للمره الأولى : يا ريت كانوا كسروها
أنا : طيب إيه اللى حصل ؟!
هنا وصل صبى القهوه بالمشاريب ووضعها على الطاوله وإلتفت إلى حسن وقال له فى لهجة سخريه غير مقصودة " معلهش يا أستاذ مفيش بيض عندنا ! " فقام حسن منتصبا محاولا ضربه موجها سيلا من الشتائم له وبعد محاولات مضنيه سكن وجلس
أنا : خلاص يا حسن هدى أعصابك
حسن : دى آخرة الإشتراكيه والبيض عيل إبن (....) يتريق عليا
أنا : سيبك إنت كمل كلامك
حسن : المهم يا سيدى فى يوم من الأيام قلت بدل ما أبيع للناس مباشرة أخليهم هما إللى ياخدوا البيض بنفسهم وبعد ما يخلصوا يدفعوا الفلوس ويمشوا وبالمرة أرتاح من الوقفه طول النهار ..
أنا : وبعدين إيه اللى حصل !
حسن : طلعوا عالم بنت (...) ، مفيش كام يوم ولقيت الشكاوى نازله على دماغى زى المطر ، كل الشكاوى بصيغة " يا معلم حسن البيض ليه كله صغير؟" فكنت أضحك وأقول لهم البيض الصغير جميل وصفاره كبير فى محاوله عبثيه للرد على الشكاوى ولكن قلت الموضوع مش طبيعى خصوصا مع إختفاء زباين بعينها من المجئ للمحل ، فقلت أتابع الزباين بيعملوا إيه !!
أنا : لقيت حاجه ؟!
حسن ضاحكا بصوت عالى : كانوا ولاد المره يدخلوا المحل ويختاروا البيضه الكبيرة من الكراتين وياخدوها ويسيبوا البيضه الصغيرة ومع توالى الزبائن يتبقى فى الكراتين البيض الصغير بس وطبعا الزبون اللى ييجى متأخر بيكون نصيبه البيض الصغير فيزعل ويقولى هوا كل مرة أخد بيض صغير مفيش مرة آجى آلاقى بيضك كبير !!
أنا ضاحكا : يخرب عقلك ! وعملت إيه فى الموضوع دا ؟
حسن : مع الأزمه الإقتصاديه قلت لو تركت الزباين يختاروا البيض هخسر وخاصة بعد ما كانوا بياخدوا كرتونة بيض كامله بقوا يشتروا " بيض فرط " زى السجاير ، فروحت جايب ترابيزة كبيرة وقمت برص كراتين البيض ورايا وأنا قاعد على الترابيزة وقلت أبيع زى الأول . فكل ما ييجى زبون أو زبونه يقولى عاوز بيض كبير أقوله مفيش كبير ولا صغير !! لحد يوم إسود مالوش ملامح !!
أنا : خير إيه اللى حصل ؟
حسن : قلت أعمل فيها مثقف وأهو أتسلى مع الزباين ، فقمت بإعادة رص البيض الكبير وفصله عن البيض الصغير كلا فى كراتين منفصله وكتبت على البيض الكبير " البيض الرأسمالى " والبيض الصغير " البيض الإشتراكى "
أنا ضاحكا : طول عمرك دماغك بايظه
حسن : المهم الناس أخدت الموضوع بهزار لكن لما عرفوا إن سعر البيض الرأسمالى الكبيرأغلى بدأوا يقبلوا على البيض الإشتراكى الصغير وطبعا الناس الميسورة الحال بدأت تشترى البيض الكبير ، وبمرور الوقت وأنا قاعد بتفرج على الناس لاحظت إنهم بدأوا يتحرشوا ببعض بالألفاظ اللى تطورت للإشتباك بالأيدى " عاوز كرتونة بيض كبير لو سمحت " ، " الله يرحم أبوك كان بيقعد على ما الفرخه تبيض " وهنا تبدأ الملحمه ووصلة الردح اليوميه ، وفى يوم قامت معركة كبيرة فى المحل نسوان على رجاله وكانت النتيجه المحل بقى فى خبر كان والبيض إتكسر كله ، وأنا قاعد بعد المعركه على أنقاض المحل ، جاء طفل صغير وقالى يا عمو حسن " بابا بيقولك عاوز بيضه رأسمالى وبيضة إشتراكي " ، فقلت له " قول لأبوك المحل إتكسر يا حماده لكن أنا شايل إتنين فى الدرج هبقى أبعتهومله " ومن بعدها بعدت عن بيع البيض وإشتغلت فى محل جزم ..
أنا : محل جزم ! مفيش مشكله ؟!
حسن : لا فيه مشكله !! فى يوم بقيس لزبون جوز جزمه بنى فالمقاس طلع ضيق شويه فقالى عاوز جوز واسع شويه ، فأنا بعفويه نسيت إنى كنت ببيع بيض فناديت على اللى واقف قدام الفاترينه يا مصطفى لو عندك بيضتين بنى إبعتهم ، فالزبون إعتبرها إهانه وقعد يشتم وأنا أقوله أنا مش قصدى ، فين وفين لحد ما سابنى بعد ما أكلت علقه تمام
أنا ضاحكا : علشان كدا إنت طلبت بيضتين من صبى القهوة ؟
حسن : عاده بقى ! الله يلعن البيض واللى عاوز يبيعه !
أنا : بس أكيد طلعت من موضوع البيض الرأسمالي والإشتراكي دا بخبرة سياسيه !
حسن : أكيد ! شوف الشعب دا مينفعش معاه لا بيض رأسمالى ولا بيض شيوعى ! دا شعب يستاهل يستنى البيضه من (..) الفرخه فى العشه !
أنا : حرام عليك الناس غلابه وتستاهل عيشه أحسن من كدا !
حسن : شوف يا باشا لو عملت إيه الناس لا تقتنع إلا بمنطق البيض الكبير حتى لو قلت لهم البيض الصغير بصفارين ومغذى ولو مش مصدق هات بيضتين واحدة كبيرة وواحدة صغيرة وخير الناس بينهم ؟
وخد كلامى دا وإسحبه على السياسه والإقتصاد والدين هتلاقى الناس بتحب الكبير بس
وقام منتصبا فجأة ! سلام علشان جسمى مكسر وعاوز أرقد على السرير !!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...