الأربعاء، 22 ديسمبر 2021

مقام تركى آل الشيخ


 


بقلم / ياسر رافع

لست شغوفا بكرة القدم ولا متابعا جيدا لها إلا فى حالة تجمع الأصدقاء الذين يصرون على مشاهدة مبارياتها المختلفه ، ولا أشترك عادة فى الحوارات التى تتم على هامش تلك المباريات ، لكن خلال الأيام القليله الماضيه ظهرت مشكله كبيره على سطح الأحداث ، وهى أزمة تجديد عقد اللاعب عبد الله السعيد مع ناديه النادى الأهلى ، وهى فى نظر البعض مسأله بسيطه لا تثير ضجه كبيره لولا  تدخل الغريم التقليدى نادى الذمالك على خط التفاوض مع اللاعب لينضم إليه بداية من الموسم القادم ، وهنا ثارت الأزمه التقليديه بين الناديين الكبيرين أصحاب الجماهيريه الكاسحه ، والتى أذكتها نيران متبادله من الإعلام الذى يناصر كلا الناديين حتى أصبحت الأزمه على ألسنه الناس فى الشوارع ، وصار اللاعب فى عشية وضحاها فتيل أزمه يجب أن تنزع قبل ينفجر الشارع فى معارك طاحنه --- مسخره ---
هنا ظهر " تركى آل الشيخ "  رئيس هيئة الرياضه السعوديه والإتحاد العربى لكرة القدم ، والرئيس الشرفى للنادى الأهلى المصرى ليكون حمامة سلام لإنهاء الأزمه بين الناديين  وهو ما تمخض عن توقيع اللاعب للنادى الأهلى لمدة موسمين ، وهو ما قوبل من قبل نادى الذمالك بعاصفه من الهجوم تؤكد أحقيته فى توقيع وإنتقال اللاعب إليه ، وتصاعد الخلاف حتى أصبح " تركى آل الشيخ " هدفا للهجوم من قبل نادى الذمالك وجماهيره الكبيره ، وأصبح اللجوء للقضاء والمحاكم يلوح فى الأفق لحل الأزمه التى فشل تدخل تركى آل الشيخ فى تهدئتها .
هذا يذكرنى بقصه من التراث الشعبى المصرى أيام الدوله الفاطميه ، وهى قصة " حسن الذوق " وهو رجل من المغرب كان يسكن فى حى الجماليه وكان مشهورا بطيبته وأخلاقه العاليه يحبه المصريون كثيرا ليس بسبب أخلاقه فقط ولكن بسبب أنه كان حكما بين فتوات الحارات ، وبين الفتوات الحرافيش وكان كثيرا ما كان يأتى فى صالح الحرافيش الفقراء ، ولكنه ذات يوم حدث معركه كبيره بين الفتوات وتم إستدعاء " حسن الذوق " لحل الخلاف وبعد مشاورات وشد وجذب فشل " الذوق " فى الحل فما كان أن تم تصعيد الخلاف إلى السلطه الحاكمه آنذاك التى أمرت بحبس الفتوات . هنا أحس " حسن الذوق " بأنه فقد هيبته وأهميته فنصحه أبناؤه بترك المحروسه والسفر إلى بلاده خاصة وأنه قبل بلغ من الكبر مبلغا كبيرا ، فقام بحزم أمتعته وودع الحرافيش الذين حزنوا لفراقه ، وبينما هو فى طريقه للخروج يعتصره الألم لفراق معشوقته مصر ، وعلى بوابة المتولى – أحد أبواب القاهره التاريخيه – سقط الذوق مغشيا عليه ولما حاولوا إفاقته إكتشفوا أنه قد مات وتجمع أهل المحروسه وصمموا على دفنه مكان موته بجوار البوابه وعلى قارعة الطريق ويقيموا على قبره قبه ظاهره  فى تقليد صوفى مصرى يعطى صك محبه عاليه لرجل وقف بجانبهم ورفعوه إلى مرتبة الولايه الصوفيه وأصبح يعرف قبره بــ" ضريح العارف بالله سيدى الذوق " .. وصار الذوق منذ تلك اللحظه مضرب المثل " الذوق مسابش مصر "  كناية على أنه أحبهم ولم يستطع أن يتركهم وأنه بجانبهم يناصرهم حيا وميتا ، ولكن المثل جرى عليه تحريفا كبيرا وصار الذوق مرادفا للأدب والأخلاق
تشابه القصتين إلى حدا ما يدفعنا إلى التساؤل لماذا لم يتحول تركى آل الشيخ إلى حسن الذوق ؟
لأن الناس فى مصر ترى فى كرة القدم حاله شعبيه تبعدهم عن الحاله السياسيه والإقتصاديه ، يرون فيها النكته الحلوه والفرحه الجميله بدون رتوش ، حتى ظهرت الملايين والمليارات وهنا زادت المشاحنات بين الناديين الكبيرين وجماهيرهم الكاسحه أحفاد الحرافيش القدامى الذين فتحت افواههم تبلدا وحيره وهم يسمعون عن ملايين الجنيهات تطير أمام أعينهم وعلى مسامعهم وهم فقراء يعانون من أزمه إقتصاديه حاده ويرون أن معشوقتهم كرة القدم لم تعد كما عهدوها فى مصر المحروسه " متعة الفقراء "
مرحبا بكل عربى يحضر إلى مصر ، مرحبا به أخا عزيزا مكرما ، مصلحا ذات البين بيننا ، ولكن ليس بتحويل متعه الفقراء لأرقام بالملايين تكدس فى حسابات اللاعبين والفقراء لا يجدون ملاعبا يمارسون فيها لعبتهم المفضله .
تركى آل الشيخ  من يصنع الشهرة فى مصر هم الفقراء ولا أحد غيرهم ، وليس مقام العارف بالله " حسن الذوق " ببعيد لتذهب إليه لتعرف لماذا أصبح له مقاما معلوما فى قلوب المصريين ، لم يناصر أحدا ضد الأخر وإنما كان ينتصر للفقراء ، فإذا أردت أن يذكرك المصريين ويقيمون لك مقاما معلوما فى قلوبهم فيجب توجيه جزءا كبيرا مما تنفقه على أغنياء كرة القدم لبناء ساحات شعبيه ليمارس فيها الفقراء لعبتهم المفضله

قد لا يعجب أحدا حديثى هذا ولكن ما العمل ؟ فلم يظهر " حسن الذوق المصرى" من بيننا بعد . ويبدوا أن " الذوق ساب مصر "

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...