السبت، 26 فبراير 2022

تحالف G4



بقلم ياسر رافع 

بعد إنتهاء القمة الأوروبية_الأفريقية وفي توقيت حرج تمر به القارة الأفريقية أعلن الرئيس النيجيري عن تأسيس مجموعة " G4" ( العظماء الآربعة) المكونه من نيجيريا والجزائر وآثيوبيا وجنوب أفريقيا من أجل حل مشاكل القارة.. وهذا الإعلان لم يمر مرور الكرام وإن كان رد الفعل عليه لم يرقي لرد فعل ملموس تجاه هذا التحالف الجديد.. ولكنه أرسل رسائل مبطنه إلى أن هناك تغييرا جيوسياسيا في معادلات القوة في القارة وذلك لعدة إعتبارات :

١_ أن تكوين مجموعة G4 خارج إطار منظمة الإتحاد الأفريقي يعني ببساطة أن تلك المنظمة فقدت دورها وأهميتها والتي إكتسبتها خلال فترة الحرب الباردة ولم تعد قادرة على مواكبة المتغيرات العالمية

٢_ المجموعة بتكوينها آثيوبيا ( الشرق) و نيجيريا ( الغرب) و الجزائر ( الشمال) وجنوب أفريقيا ( الجنوب) يشي بنزعات توسعيه وأطماع جيوسياسيه لكل دوله في محيطها بما يضمن لها اليد العليا في ترتيبات الأمن فيما هو قادم

٣_ الدول الأربعه بتكوينها المفاجئ للمجموعه لم تستشر دولا كبري في القارة مثل مصر والمغرب والكونغو والسودان وهذا يعتبر تلميحا مبطنا من تلك الدول إلى أنها تؤسس لمرحله جديده مبنيه على خلفيات نزاعات جيوسياسيه كالدور الأثيوبي الذي يرفض أي دور مصري في شرق القارة.. وكذلك الجزائر التي ترفض تمددا للدورين المصري والمغربي في شمال القارة َخاصة في ليبيا وتشاد ومالي. وجنوب آفريقيا التي تريد فنائها الخلفي خاليا من لاعبين رئسيين وتريد أن تظل لها اليد العليا بعيدا عن الكونغو ( زائير سابقا). ونيجيريا التي تري في نفسها أنها القوة الأكبر في غرب القارة وأنها قادرة على إدارة دفة الأمور بعد تغيير موازين القوى وبداية خروج فرنسا من المنطقه

٤_ المجموعه بتكوينها وخلفيتها السياسيه وطبيعة الصراع في المناطق الأربعه تحمل هواجس وتصورات جيوسياسيه أكبر من قدراتها على لجم الصراع في القارة وفي المقابل تتحسب لزمن قادم يشتد فيه الصراع بين الدول الكبرى في أفريقيا وتريد أن تقدم أوراق إعتمادها لتلك الدول كشرطي فاعل كلا في محيطة

٥_ تكوين المجموعه على خلفية القمة الأوروبية_الأفريقية يقطع بتصورات أخذتها تلك الدول من أن الدور الأوروبي آخذ في الآفول لصالح أمريكا ( نيجيريا وجنوب أفريقيا) وروسيا ( الجزائر ) الصين ( آثيوبيا) ولهذا فهي تعمل من خلفية واضحة المعالم لطبيعة صراع المصالح فيما هو قادم

٦_ تكوين المجموعة جاء في الوقت الذي تعاني فيه دول مثل مصر والسودان وليبيا والمغرب والكونغو آزمات سياسية وإقتصادية وإنقلابات عسكرية في عدة دول أخرى مما يقطع بسوء النيه لأخذ أدوار وتمدد جيوسياسي على حساب تلك الدول

#مصر والمغرب وليبيا والسودان من أكثر الدول التي يستهدفها تحالف مجموعة ( G4) حيث يحاول النيل من أدوارهم وتكوين واقع جديد. وهو في ظني تحالف هش لن يصمد طويلا وإن كان أعطى إنطباع عن الأطماع الجيوسياسية لدول المجموعه والبحث عن ترتيبات الأمن فى القارة في زمن لاح فجره ستكون فيه القارة الأفريقية محور الصراع العالمي

الثلاثاء، 22 فبراير 2022

الثالوث المشروخ


 

بقلم ياسر رافع 

مصر عبر تاريخها يحكمها ثالوث مكون من " الفرعون والكاهن والمال" ، لهذا عندما يحدث خلل في داخل هذا المكون يحدث تغيير قسري وعنيف.. ففي قصة موسى عليه السلام وفرعون لم يلتفت أحدا وهم يتلون آيات القرآن آن المكون قد حدث فيه خلل فقد تغول الفرعون وأضاف دور الكاهن لنفسه وجعل من الكهان سحرة فقط وأنفرد بالمشهد منفردا وبجانبه المهندس" هامان" ورجل الأعمال " قارون" يبنون له الصروح ويستخرجون له الكنوز التي تخدم على فكرة " الفرعون الإله" لهذا عندما ظهر موسى كانت معجزاته تضرب في شرعية السحرة وتحاول إيقاظها من سباتها لتنحاز إلى الحق. لكن الفرعون قد نجح في القضاء على الكاهن وهيبته ولكنه لم يكن يعلم انه قد شرخ الثالوث المقدس ولهذا عندما حانت لحظة الحقيقه فبطل السحر وأمن الكهنه برب موسى وهنا كان السقوط الحقيقي للفرعون حتى قبل غرقه في البحر.

ولكن الثالوث في قصة يوسف عليه السلام إختلف فالفرعون هو وقت المحنه عمل على تقوية الثالوث المقدس لأن البلاد كانت على وشك محنه كبيرة تعصف بوجودها حيث جفاف نهر النيل والناس على شفا مجاعه كبري. هنا فطن الفرعون آن الثالوث معدد والكارثه ستعصف بالجميع.. الفرعون حائر والمال ينتظر البوصله والكاهن يفكر بطريقه قديمة... هنا كانت معجزة يوسف حيث إمتزاج الدين بأدوات المستقبل وكيفية إدارة أزمة وهو بذلك أعاد بناء الثالوث المقدس على أسس عصرية مكنته من تخطي الأزمة

بعد هذا السرد التاريخي أستطيع بكل ثقة القول بأن الثالوث المصري المقدس يعاني من شروخات كبيرة ولكن ليس هناك نبي كموسي لإغراقه أو نبي كيوسف لإعاده إنتاجه. ولهذا فإن العلم والأخذ بأسباب التطور وأدوات العصر مع حيوية المؤسسه الدينيه نستطيع أن نوجد علاقة جديدة للثالوث مؤسسه على خدمة هذا الشعب من أجل المستقبل

السبت، 19 فبراير 2022

أوكرانيا ومستقبل الأمن فى المنطقة العربية


 

بقلم ياسر رافع 


لا يمكن فهم الأزمة الأوكرانية والتى تهدد بنشوب حرب عالمية بين روسيا الإتحادية من جهه وأمريكا وحلف شمال الأطلنطى من جهه أخرى وأثرها على المنطقة العربية إلا من خلال ثلاث محاور رئيسية ، المحور الأول يتمثل فى رؤية الولايات المتحدة الأمريكية الإستراتيجية لطبيعة الصراع وشكل التحالفات فى القرن الواحد والعشرين ، والمحور الثانى هو وسائل الضغط الأمريكية على الحكومات العربية لتشكيل جديد للأمن يتماشى مع رؤيتها الإستراتيجية ، والمحور الثالث يتمثل فى وضع إقتصادى قد يفاقم الأزمة الإقتصادية فى البلاد العربية فى حال نشوب الحرب بين القوى الكبرى والذى سيدفع بالعالم نحو وضع إقتصادى كارثى .

المحور الأول .. والمتمثل فى رؤية الولايات المتحدة الأمريكية لطبيعة الصراع العالمى فى القرن العشرين هذا تكفل بشرحه مستشار الأمن القومى الأمريكى السابق " زبغنيو بريجينسكى " ، والذى ألف كتابا بعنوان " رقعة الشطرنج الكبرى" حدد فيه الرؤية الأمريكية والتى تتمثل فى محاصرة النفوذ المتنامى للقوتين الروسية والصينية وأقترح فيه تشكيل العالم على هيئة مجلس إدراة عالمى يتألف من أمريكا والمتحالفين معها حول العالم ، ومن هنا نستطيع فهم تخوف روسيا والتى ترى فى الإستراتيجية الأمريكية تحجيما وتقزيما لدور متنامى لها تريد من خلاله العودة لمكانتها التى فقدتها بعد سقوط الإتحاد السوفيتى حول العالم ، ولكن أمريكا كانت أسرع فى تنفيذ إستراتيجيتها على الأرض وأخذت تتمدد وحلفائها على الأرض لمحاصرة روسيا وأستطاعت الإلتفاف حول الإتفاقيات الأمنية مع روسيا وضمت فى عضوية حلف شمال الأطلنطى دولا فى أوروبا الشرقية وهو ما أزعج الروس ، وأبدوا تبرما مكتوما ولكن الأوضاع بدأت تأخذ شكل الحصار الإستراتيجى ليس فى أوروبا فقط ولكن فى أسيا والشرق الأوسط ، حيث أرادت أمريكا حصارا ممتدا من أوكرانيا وتركيا ودول أسيا الوسطى وإيران وباكستان لمنع أى تمدد روسى ، وقد بدا أن الحصار يأتى مفعوله حتى فوجئ العالم برد فعل روسى عنيف تحت مظلة السلاح ، فى كازخستان تدخلت روسيا لدعم النظام هناك بقوة السلاح لكسر الحصار الأمريكى الذى أراد تغيير النظام هناك على شاكلة ما حدث فى أوكرانيا عبر الثورات الملونه  ومن قبلها فى جورجيا ، وكذلك التدخل العسكرى لدعم النظام السورى ومنع سقوطه وتثبيت أوضاعه العسكرية فى سوريا لضمان كسر الحصار الأمريكى للقوة الروسية ، ثم تأتى الأزمة الأوكرانية لتؤكد روسيا بقوة السلاح والتهديد بحرب كبرى مع الغرب أن الحصار الإستراتيجى الأمريكى الغربى لم يعد مقبولا مع عودة روسيا القوية للعب دورها فى ترتيبات الأمن حول العالم .
المحور الثانى .. والذى يكمن فى وسائل تنفيذ الإستراتيجية الأمريكية عبر دعم الثورات الشعبية لحصار روسيا ، ففى العام 2004 قامت فى أوكرانيا أولى الثورات التى عرفت بالثورات الملونه والتى دعمتها أمريكا لتغيير النظام السياسى هناك وعلى الرغم من المقاومه الروسية لتلك الثورة فى أوكرانيا إلا أن الثورة نجحت فى النهاية وتم تولية نظام موالى للغرب ، وهو ما إعتبرته روسيا هزيمة إستراتيجية لها تتيح لأمريكا والغرب نفوذا على حدودها ولهذا دعمت روسيا الإنفصاليين فى شرق أوكرانيا لإيجاد وضع يتيح لها التحرك إذا لزم الأمر عسكريا ، وهو ما جعلها تضم شبه جزيرة القرم عسكريا من أوكرانيا حفاظا على مصالحها ولضمان موطأ قدم إستراتيجى لقوتها العسكرية البحرية النووية فى أهم الموانى العسكرية فى شبة جزيرة القرم . فى الوقت نفسه قامت بحشد قوتها العسكرية الضخمه المسلحه بأحدث التكنولوجيا فى سوريا لمنع نظام الرئيس " بشار الأسد " من السقوط ولضمان عدم تكرار السيناريو الأمريكى الأوكرانى فى سوريا لأن روسيا رأت فى ثورات " الربيع العربى" تكرارا للثورات الملونه الهدف منه محاصرة روسيا إستراتيجيا عبر الإتيان بحكومات جديدة موالية لأمريكا تساعدها فى محاصرة النفوذ الروسى .  
المحور الثالث .. والذى في حالة نشوب الحرب بسبب الأزمة الأوكرانية فإن أزمة إقتصادية عالمية ستحدث وستؤثر على جميع دول العالم بسبب إرتفاع أسعار الطاقة كالبترول والغاز ، وكذلك توقف سلاسل التوريد للقمح من روسيا وأوكرانيا تحديدا واللذان يحتكران لوحدهما 25% من صادرات القمح فى العالم مما ينذر بإرتفاع اسعار الغذاء ، وما يتبع ذلك من إضطرابات مجتمعية حول العالم ربما تتحول لصراعات مسلحة بين الدول .
وفقا للمحاور الثلاث نجد أن الدول العربية تقع فى قلب الصراع الإستراتيجى بين أمريكا والغرب وروسيا ، وأنها تمثل أهمية كبرى فى الإستراتيجية الأمريكية للقرن الواحد والعشرين ، حيث أعطت أدوار لتركيا وإيران (فى حال الإتفاق مع الرؤية الأمريكية ) وباكستان وإسرائيل لضمان الأمن فى المنطقة العربية بما يسمح بتشكيل حزام أمنى حول المنطقه العربية لمنع التمدد الروسى فيها ، ولهذا ليس غريبا أن نجد لتركيا دورا عسكريا فى الدول العربية فى سوريا والعراق ودول الخليج يتنامى بمرور الوقت ، وكذلك إسرائيل العدو التقليدى للعرب الذى أصبح له دور أمنى واضح فى المنطقة العربية ، ويبقى الدور الإيرانى والباكستانى غير مكتمل الملامح فى إنتظار ما تسفر عنه الأوضاع العالمية والإقليمية ، هذا فى الوقت الذى تكافح فيه روسيا بقوتها العسكرية لضمان تواجد أمنى فى المنطقه العربيه فى سوريا عبر قواعدها العسكرية والبحرية على الساحل السورى المطل على البحر المتوسط ، وكذلك تدخلها الأمنى فى الشأن الليبى عسكريا عبر شركة " فاجنر" العسكرية الخاصة ، وكذلك تقوية ومساندة النظام السياسى فى الجزائر عسكريا وسياسيا ، ثم محاولاتها لضمان تواجد بحرى بقاعدة عسكرية تطل على ساحل البحر الأحمر فى السودان . كل هذا الزخم من الصراع الدولى على المنطقة العربية يتم تحت مظلة تداعيات ثورات الربيع العربى والتى دعمتها أمريكا وقاومتها روسيا والتى تحولت لشتاء عربى قارص أتى بأوضاع سياسية مهترئه وهشه وحروب أهلية ولم تعكس أمال شعوب المنطقه فى الحرية والعدالة وأوضاع إقتصادية جيدة بل عبرت عن صراع إستراتيجى محموم بين أمريكا وروسيا لمنع الإنفراد بمعادلة القوة فى المنطقة العربية ، والتى فى حال نشوب الحرب فى أوكرانيا ستعانى دولها من أزمة إقتصادية كبيرة تفاقم من الأوضاع الإقتصادية الصعبه أصلا مما ينذر بوقوع إضطرابات مجتمعية وربما حروبا تهدد الأمن وربما تتطيح بإستقلال بعض الدول العربية ، فبمجرد توقف توريد القمح الروسى  والأوكرانى سيعد بمثابة كارثه لبلد مثل مصر والتى تستورد 85% من طلباتها منهما حيث إشترت فى العام 2020 ما مقدارة 3 ملايين طن قمح من أوكرانيا ، ومن ورسيا 8.9 مليون طن قمح ، وكذلك فى سوريا ، ناهيك عن أن القواعد العسكرية لأمريكا وروسيا فى الدول العربية ستصبح أهدافا عسكرية مشروعه للقوتين ، وهذا الوضع سيغرى دولا مثل إيران وأثيوبيا لتهديد الأمن العربى بالكامل .
أوكرانيا .. مثلت منذ العام 2004 هاجسا أمنيا لدى الدول العربية وخاصة مصر ، ولكنها لم تتحرك لإيجاد نظام أمنى عربى يمنع السقوط ، وهو ما جعل أوكرانيا بمثابة ترمومتر يؤشر على مدى سخونة الأوضاع فى المنطقة العربية ، التى لم تحتاط إجتماعيا وإقتصاديا وسياسيا لثورات وصفتها بالمؤامرة الدولية دون وضع الإعتبار لمتطلبات شعوبها التى كانت تعانى من تردى الأوضاع المعيشية وتفشى البطالة والتى تعتبرالأعلى عالميا . ويبدوا أن الأزمة الأوكرانية ستلقى بتداعياتها على المنطقة لسنوات قادمة وحتى قيام نظام عالمى جديد ، ولهذا على الدول العربية وخاصة الكبرى منها مصر والسعودية وسوريا والعراق والجزائر أن تبحث وتجد حلا عربيا لترتيبات الأمن بما يضمن لها تواجدا فى عالم يعاد تشكيله وإلا فلا يتحدث أحدا مستنكرا لتنامى الدور الإيرانى والتركى والإسرائيلى فى المنطقة العربية .
الفرصة لا زالت قائمة لترتيبات أمن عربى وسط ركام الأزمة الأوكرانية

الخميس، 10 فبراير 2022

عقلية الكشري




بقلم ياسر رافع

يهوي المصريون فكرة الخلط على طريقة عمل آكلة الكشري والتي تؤدي بهم إلى نظرية المؤامرة التي يعشقونها وإلى السباب والشتم والذي يعد بمثابة الصلصه المشطشطة التي تضاف للكشري فتعطي نكهة ومذاق مصري خاص.. ولكن تلك الأكلة سريعة الهضم سريعة النسيان لهذا فسرعان ما ينسى المصريون قضاياهم وخلافاتهم مع المخالفين لهم بمجرد تغير بسيط في المواقف وينسون ما وراء القضايا أو الخلافات من أزمة يواجهونها تهدد وجودهم على المدى البعيد .

منذ أيام هاجت الدنيا وماجت بسبب السجال الدائر بين الفنان المصري " محمد صبحي" ورئيس مجلس الإدارة العامة للترفية السعودية " تركي آل الشيخ" والذي جاء على خلفية إستياء المصريون من موقف الفنانين المصريين الذين ذهبوا إلى السعودية ووصفوا السعودية بأنها " قبلة الفن". وهنا إختلطت المفاهيم والمواقف.. بين تقدير لموقف سياسي سعودي يقابله محاولة لتقزيم دور الدولة الناعمه لمصر.. وبين معارضة مصرية تريد أن تنتقم من موقف سعودي ضدها وبين موقف مؤيد يرى أن الأيادي البيضاء للسعودية لا تعد ولا تحصى.. وبين شارع مأزوم يرى بعيون مختلفة واقع يسحب فيه البساط من تحت أقدام مصر لصالح الخليج.. وهو ما أسلم الجميع لنظرية المؤامرة التي تتحدث عن مؤامرة خليجيه إسرائيليه لتقزيم الدور المصري بل إنهاؤه ولهذا كان السباب والشتم نوع من محاولة ترسيخ تلك النظرية في العقل المصري على طريقة " عقلية الكشري". 

ولتفكيك طريقة التفكير القائمة على الخلط والتداخل يجب أولا تنحية " عقلية الكشري" جانبا ولنفصل مكونات الأزمة لفهم طبيعة ما يجري حولنا.

في العام ١٩٨٣ كانت السعودية مع بداية مرحلة جديدة في السياسة حيث كانت تمتلك وحدها في هذا العام ربع النقد العالمي وهو ما بدا أنه يؤهلها إلى لعب دور سياسي كبير دولي وإقليمي يغلفه ويدعمه غني فاحش .. وهنا بدأت " الحقبة السعودية" في السياسه العربية والممتدة من أوئل الثمانينيات وحتى أوائل التسعينات من أواخر القرن العشرين والتي بعدها بدأت تتراجع لصالح بداية حقبة إسرائيليه متناميه ولكنها لم تفقد بريقها رغم إنكساراتها بل تلاقت مصالح الحقبتين السعودية والإسرائيلية و أصبحتا سويا يشكلان المشهد السياسي في المنطقه منذ بداية القرن الواحد والعشرين لحد الأن.

من هذا المنطلق صاحب هذا الصعود السعودي محاولة طبيعية لفرض السيطرة والنفوذ ومن ضمنها محاولة خلق قوة ناعمه لها تخفف من حدة خوف الدول العربية من المذهب الديني الوهابي. وهنا ظهرت القنوات الفضائيه الترفيهيه السعوديه مثل " MBC" ومجموعه قنوات " روتانا" وملاكها أمراء من العائلة المالكة أو من المقربين منها. وفي العام ٢٠٠٤ زار الأمير السعودي " الوليد بن طلال" مصر في زيارة أثارت زوبعه وأزمة داخلية على خلفية إعطاؤه هدايا " ماسية" لعدد من وزراء الحكومه. ولكن أهم ما صرح به هو قوله " سأجعل مصر تغني خليجي" وهو ما قوبل بسخرية آنذاك، لكن لم تمر السنوات القليله حتى إحتكرت شركته للإنتاج الفني الضخمه " روتانا " أصوات المطربين المصريين الكبار وأختفي كل صوت آخر ولم يقدر المنتجون المصريون على مجاراة الأمير وأمواله ونفوذة.. وبمرور الوقت شهدنا صعودا لافتا للغناء الخليجي والسعودي في القلب منه، بل أصبح إكتشاف المواهب الغنائيه المصرية والعربية تتم عن طريق برامج مسابقات ممولة من السعودية.

ورغم ذلك لم يلتفت المصريون لما وراء ذلك!!!

مع تبني الدولة السعودية لرؤية ٢٠٣٠ الإقتصادية والتي ستضمن لها الإندماج الكامل مع المنظومة الغربية فقد سارعت من وتيرة تنامي القوة الناعمه لديها بقيادة " تركي آل الشيخ" ووضعت مصر هدفا لها لسببين هما حجم السكان الكبير والثاني هو المخزون الكبير لمسببات القوه الناعمه لديها ولهذا نجد أنها سارعت منذ ٢٠١٤ إلى تبني أنشطة وفعاليات فنيه ضخمة ركيزتها الأساسية الموجهه للداخل العربي هم الفنانين والمطربين المصريين من أجل جذب مشاهدات وجمهور من الملايين المصرية وإستغلال القوة الناعمه المصرية كمحطة إنطلاق لهيمنة القوة الناعمة السعودية على المدى الطويل.

وكما روتانا أصبحت منصة شاهد التلفزيونية أداة للتحكم في السوق الفني المصري وتطويعه. وأستبدل " الوليد بن طلال" ب" تركي ال الشيخ" ولكن تبقى الحقيقه أن الحقبة السياسية السعودية تريد أن تستمر وتكبر وهذا حقها حتى وإن إتبعت الأساليب الملتويه فهذه هي طبائع السياسه. لكن علينا في المقابل أن لا نفكر كمصريون بعقلية الكشري فالسياسه لها مواقفها المتداخله فليس معنى أن تقول أن السعودية حليف وشريك أن تنسى أن لها رؤية سياسيه تتقاطع معك في بعض المواقف وأن لغة السباب والشتم محاولة يائسه لإسترجاع ماضي أصبح هشيما تذروه الرياح

يجب أن نتخلص من عقلية خلط الأمور ونظرية المؤامرة والتعامل معها بالسباب والشتم. العالم يتغير من حولنا ونحن خسرنا كثيرا ولهذا يجب أن نتعامل مع العصر بأدواته وطريقته حتى لا نفاجئ بمجئ أمير سعودي ثالث يأخذ ما تبقى لدينا ويبشر بحقبة سياسية جديدة أشد قتامه على مصر

هل تستطيع إيران هزيمة أمريكا ؟!

  بقلم ياسر رافع  منذ بداية الصراع بين إيران وامريكا وإسرائيل والممتد منذ سنوات طويلة، ومنذ ان أخذ الطابع الخشن في ملفات عده في العراق وسوري...