السبت، 19 فبراير 2022

أوكرانيا ومستقبل الأمن فى المنطقة العربية


 

بقلم ياسر رافع 


لا يمكن فهم الأزمة الأوكرانية والتى تهدد بنشوب حرب عالمية بين روسيا الإتحادية من جهه وأمريكا وحلف شمال الأطلنطى من جهه أخرى وأثرها على المنطقة العربية إلا من خلال ثلاث محاور رئيسية ، المحور الأول يتمثل فى رؤية الولايات المتحدة الأمريكية الإستراتيجية لطبيعة الصراع وشكل التحالفات فى القرن الواحد والعشرين ، والمحور الثانى هو وسائل الضغط الأمريكية على الحكومات العربية لتشكيل جديد للأمن يتماشى مع رؤيتها الإستراتيجية ، والمحور الثالث يتمثل فى وضع إقتصادى قد يفاقم الأزمة الإقتصادية فى البلاد العربية فى حال نشوب الحرب بين القوى الكبرى والذى سيدفع بالعالم نحو وضع إقتصادى كارثى .

المحور الأول .. والمتمثل فى رؤية الولايات المتحدة الأمريكية لطبيعة الصراع العالمى فى القرن العشرين هذا تكفل بشرحه مستشار الأمن القومى الأمريكى السابق " زبغنيو بريجينسكى " ، والذى ألف كتابا بعنوان " رقعة الشطرنج الكبرى" حدد فيه الرؤية الأمريكية والتى تتمثل فى محاصرة النفوذ المتنامى للقوتين الروسية والصينية وأقترح فيه تشكيل العالم على هيئة مجلس إدراة عالمى يتألف من أمريكا والمتحالفين معها حول العالم ، ومن هنا نستطيع فهم تخوف روسيا والتى ترى فى الإستراتيجية الأمريكية تحجيما وتقزيما لدور متنامى لها تريد من خلاله العودة لمكانتها التى فقدتها بعد سقوط الإتحاد السوفيتى حول العالم ، ولكن أمريكا كانت أسرع فى تنفيذ إستراتيجيتها على الأرض وأخذت تتمدد وحلفائها على الأرض لمحاصرة روسيا وأستطاعت الإلتفاف حول الإتفاقيات الأمنية مع روسيا وضمت فى عضوية حلف شمال الأطلنطى دولا فى أوروبا الشرقية وهو ما أزعج الروس ، وأبدوا تبرما مكتوما ولكن الأوضاع بدأت تأخذ شكل الحصار الإستراتيجى ليس فى أوروبا فقط ولكن فى أسيا والشرق الأوسط ، حيث أرادت أمريكا حصارا ممتدا من أوكرانيا وتركيا ودول أسيا الوسطى وإيران وباكستان لمنع أى تمدد روسى ، وقد بدا أن الحصار يأتى مفعوله حتى فوجئ العالم برد فعل روسى عنيف تحت مظلة السلاح ، فى كازخستان تدخلت روسيا لدعم النظام هناك بقوة السلاح لكسر الحصار الأمريكى الذى أراد تغيير النظام هناك على شاكلة ما حدث فى أوكرانيا عبر الثورات الملونه  ومن قبلها فى جورجيا ، وكذلك التدخل العسكرى لدعم النظام السورى ومنع سقوطه وتثبيت أوضاعه العسكرية فى سوريا لضمان كسر الحصار الأمريكى للقوة الروسية ، ثم تأتى الأزمة الأوكرانية لتؤكد روسيا بقوة السلاح والتهديد بحرب كبرى مع الغرب أن الحصار الإستراتيجى الأمريكى الغربى لم يعد مقبولا مع عودة روسيا القوية للعب دورها فى ترتيبات الأمن حول العالم .
المحور الثانى .. والذى يكمن فى وسائل تنفيذ الإستراتيجية الأمريكية عبر دعم الثورات الشعبية لحصار روسيا ، ففى العام 2004 قامت فى أوكرانيا أولى الثورات التى عرفت بالثورات الملونه والتى دعمتها أمريكا لتغيير النظام السياسى هناك وعلى الرغم من المقاومه الروسية لتلك الثورة فى أوكرانيا إلا أن الثورة نجحت فى النهاية وتم تولية نظام موالى للغرب ، وهو ما إعتبرته روسيا هزيمة إستراتيجية لها تتيح لأمريكا والغرب نفوذا على حدودها ولهذا دعمت روسيا الإنفصاليين فى شرق أوكرانيا لإيجاد وضع يتيح لها التحرك إذا لزم الأمر عسكريا ، وهو ما جعلها تضم شبه جزيرة القرم عسكريا من أوكرانيا حفاظا على مصالحها ولضمان موطأ قدم إستراتيجى لقوتها العسكرية البحرية النووية فى أهم الموانى العسكرية فى شبة جزيرة القرم . فى الوقت نفسه قامت بحشد قوتها العسكرية الضخمه المسلحه بأحدث التكنولوجيا فى سوريا لمنع نظام الرئيس " بشار الأسد " من السقوط ولضمان عدم تكرار السيناريو الأمريكى الأوكرانى فى سوريا لأن روسيا رأت فى ثورات " الربيع العربى" تكرارا للثورات الملونه الهدف منه محاصرة روسيا إستراتيجيا عبر الإتيان بحكومات جديدة موالية لأمريكا تساعدها فى محاصرة النفوذ الروسى .  
المحور الثالث .. والذى في حالة نشوب الحرب بسبب الأزمة الأوكرانية فإن أزمة إقتصادية عالمية ستحدث وستؤثر على جميع دول العالم بسبب إرتفاع أسعار الطاقة كالبترول والغاز ، وكذلك توقف سلاسل التوريد للقمح من روسيا وأوكرانيا تحديدا واللذان يحتكران لوحدهما 25% من صادرات القمح فى العالم مما ينذر بإرتفاع اسعار الغذاء ، وما يتبع ذلك من إضطرابات مجتمعية حول العالم ربما تتحول لصراعات مسلحة بين الدول .
وفقا للمحاور الثلاث نجد أن الدول العربية تقع فى قلب الصراع الإستراتيجى بين أمريكا والغرب وروسيا ، وأنها تمثل أهمية كبرى فى الإستراتيجية الأمريكية للقرن الواحد والعشرين ، حيث أعطت أدوار لتركيا وإيران (فى حال الإتفاق مع الرؤية الأمريكية ) وباكستان وإسرائيل لضمان الأمن فى المنطقة العربية بما يسمح بتشكيل حزام أمنى حول المنطقه العربية لمنع التمدد الروسى فيها ، ولهذا ليس غريبا أن نجد لتركيا دورا عسكريا فى الدول العربية فى سوريا والعراق ودول الخليج يتنامى بمرور الوقت ، وكذلك إسرائيل العدو التقليدى للعرب الذى أصبح له دور أمنى واضح فى المنطقة العربية ، ويبقى الدور الإيرانى والباكستانى غير مكتمل الملامح فى إنتظار ما تسفر عنه الأوضاع العالمية والإقليمية ، هذا فى الوقت الذى تكافح فيه روسيا بقوتها العسكرية لضمان تواجد أمنى فى المنطقه العربيه فى سوريا عبر قواعدها العسكرية والبحرية على الساحل السورى المطل على البحر المتوسط ، وكذلك تدخلها الأمنى فى الشأن الليبى عسكريا عبر شركة " فاجنر" العسكرية الخاصة ، وكذلك تقوية ومساندة النظام السياسى فى الجزائر عسكريا وسياسيا ، ثم محاولاتها لضمان تواجد بحرى بقاعدة عسكرية تطل على ساحل البحر الأحمر فى السودان . كل هذا الزخم من الصراع الدولى على المنطقة العربية يتم تحت مظلة تداعيات ثورات الربيع العربى والتى دعمتها أمريكا وقاومتها روسيا والتى تحولت لشتاء عربى قارص أتى بأوضاع سياسية مهترئه وهشه وحروب أهلية ولم تعكس أمال شعوب المنطقه فى الحرية والعدالة وأوضاع إقتصادية جيدة بل عبرت عن صراع إستراتيجى محموم بين أمريكا وروسيا لمنع الإنفراد بمعادلة القوة فى المنطقة العربية ، والتى فى حال نشوب الحرب فى أوكرانيا ستعانى دولها من أزمة إقتصادية كبيرة تفاقم من الأوضاع الإقتصادية الصعبه أصلا مما ينذر بوقوع إضطرابات مجتمعية وربما حروبا تهدد الأمن وربما تتطيح بإستقلال بعض الدول العربية ، فبمجرد توقف توريد القمح الروسى  والأوكرانى سيعد بمثابة كارثه لبلد مثل مصر والتى تستورد 85% من طلباتها منهما حيث إشترت فى العام 2020 ما مقدارة 3 ملايين طن قمح من أوكرانيا ، ومن ورسيا 8.9 مليون طن قمح ، وكذلك فى سوريا ، ناهيك عن أن القواعد العسكرية لأمريكا وروسيا فى الدول العربية ستصبح أهدافا عسكرية مشروعه للقوتين ، وهذا الوضع سيغرى دولا مثل إيران وأثيوبيا لتهديد الأمن العربى بالكامل .
أوكرانيا .. مثلت منذ العام 2004 هاجسا أمنيا لدى الدول العربية وخاصة مصر ، ولكنها لم تتحرك لإيجاد نظام أمنى عربى يمنع السقوط ، وهو ما جعل أوكرانيا بمثابة ترمومتر يؤشر على مدى سخونة الأوضاع فى المنطقة العربية ، التى لم تحتاط إجتماعيا وإقتصاديا وسياسيا لثورات وصفتها بالمؤامرة الدولية دون وضع الإعتبار لمتطلبات شعوبها التى كانت تعانى من تردى الأوضاع المعيشية وتفشى البطالة والتى تعتبرالأعلى عالميا . ويبدوا أن الأزمة الأوكرانية ستلقى بتداعياتها على المنطقة لسنوات قادمة وحتى قيام نظام عالمى جديد ، ولهذا على الدول العربية وخاصة الكبرى منها مصر والسعودية وسوريا والعراق والجزائر أن تبحث وتجد حلا عربيا لترتيبات الأمن بما يضمن لها تواجدا فى عالم يعاد تشكيله وإلا فلا يتحدث أحدا مستنكرا لتنامى الدور الإيرانى والتركى والإسرائيلى فى المنطقة العربية .
الفرصة لا زالت قائمة لترتيبات أمن عربى وسط ركام الأزمة الأوكرانية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...