بقلم ياسر رافع
منذ إندلاع ثورة 25 يناير 2011 وما تلاها فى 30 يونيو 2013 كانلت السمه الغالبة على المشهد السياسى المصرى هى ضبابية المشهد السياسى العام ، وعدم وضوح الرؤية وغياب تام لكل القوى السياسة الفاعلة ، وفجأة نشهد ميلاد مصطلح " الجمهورية الجديدة " على الساحة السياسية وهو مصطلح مخالف للأعراف المتوارثة لدى العقلية السياسية المصرية بعد ثورة 23 يوليو 1952 ، والتى ألفت شكل أحادى فى التفكير ووقفت أمام المصطلح إما بالسخرية اللاذعه ! أو النظر للمصطلح على أنه تكريس وإعادة إنتاج لجمهورية 23 يوليو ! ولم تتحرك العقلية المصرية السياسية ناحية تفنيد المصطلح أو طرح رؤيتها له كما فعلت النخبة السياسية المصرية تجاة الشكل الملكى وتحولة إلى الملكية الدستورية قبل ثورة 23 يوليو 1952 .
لهذا كانت دعوة الرئيس " السيسى " على هامش إفتتاح موسم حصاد القمح فى
توشكى جنوب مصر قولا " نحن فى حاجة إلى حوار سياسى شامل حول الجمهورية
الجديدة " ، بمثابة نظرية " القط الميت " الذى ألقى على مائدة
إجتماعات السياسة المصرية الحائرة والغير متفقة مع سياسة النظام السياسى فى كثير
من القضايا وأصبحوا مطالبين فجأة فى الدخول فى حوار سياسى يطلبة رأس النظام
السياسى بنفسه حول ماهية مصطلح الجمهورية الجديدة التى يريد النظام المصرى تعزيز
وجودها مبتعدة عما سبقها ، وهو ما أربك المشهد وحار الجميع وأصبحت التساؤلات سيدة
الموقف ، ماهى الجمهورية الجديدة ! ما طبيعتها ! هل هى مناورة من النظام الحاكم
لإيجاد ظهير سياسى فى خضم أزمة إقتصادية متفاقمة ! وهل النظام الحاكم صادق فى
دعوته ولدية القدرة الكاملة على إدارة حوار شامل تسمع فيه وتؤخذ كل قراراته مأخذ
الجد ؟!!
مما لا شك فيه أن الدعوة للحوار الوطنى التى طلبها الرئيس " السيسى "
ليست جديدة فى العلاقة بين النظام الحاكم والقوى السياسية المصرية ، ولكن اللافت
للنظر أن الدعوة للحوار الوطنى دائما ما تأتى ونحن نعانى من أزمة ، فالرئيس "
عبد الناصر " دعى إلى ما يشبه الحوار وطنى بعد هزيمة يونيو 1967، والرئيس
" مبارك" دعى لحوار وطنى أكثر من مرة فى العام 1982 فى بداية حكمه ، وفى
العام 1986 ، وفى العام 1988 على وقع أزمات إقتصادية وسياسية كبيرة ، ثم قامت ثورة
25 يناير 2011 وفشلت كل دعاوى الحوار الوطنى حتى التى دعى لها المشير " عبد
الفتاح السيسى " وزير الدفاع أنذاك أيام حكم الإخوان المسلمين .
وقد إتسمت كل تلك الحوارات بالفوقية من النظام السياسى ، حيث كان ينظر للمعارضه
على أنها شكل سياسى ديكورى ليس أكثر ولا أقل ، فى حين كانت طلبات المعارضه واضحه
حيث ماهى أهداف الحوار ! وهل سيستجيب النظام الحاكم لطلبات وتطلعات المعارضة فى
التغيير!! وهو ما كان يصل بالحوار الوطنى إلى الفشل ويتبادل الطرفان الإتهامات حيث
تصف المعارضة الحوار " بحوار الطرشان " وتنسحب منه ، ويصف النظام
المعارضة بأنها " جوفاء " _ لفظ جمال مبارك رئيس لجنة السياسات بالحزب
الوطنى المنحل _ .
لهذا لم تختلف الدعوة للحوار الوطنى التى أطلقها الرئيس " السيسى " عن
سابقاتها ، فمصر تعانى أزمة إقتصادية كبيرة ويزيد من حدتها الحرب الروسية
الأوكرانية وما تبعها من حرب إقتصادية عالمية ، وكذلك غياب تام للحياة السياسية المصرية
على أرض الواقع حتى وإن إكتمل الشكل الديكورى فى وجود مجلسى النواب والشيوخ . ولكن
تلك الدعوة تختلف عن سابقاتها فى نوعية الدعوة حيث تمت الدعوة للحوار تحت مظلة عنوان
جديد نسبيا على الحياة السياسية ، حيث الحوار حول شكل " الجمهورية الجديدة
" التى يدعوا إليها الرئيس ويريدها ، وهنا تكمن أهمية الحوار ، حيث الحوار
على شكل المستقبل فى ظل أزمة إقتصادية خانقة تتطلب مرونه عالية من النظام السياسى
والمعارضة لتجاوز أزمات جميع الحوارات الوطنية السابقة وهذا فى ظنى لن يتحقق
بسهولة حيث أن المعارضة تعانى التهميش بشدة منذ ثورة 25 يناير وما تلاها فى 30
يونيو 2013 ، ولهذا فإنها ستطلب ضمانات أكبر من إمكانياتها على الأرض لتحقيق قبول
الجلوس على طاولة الحوار الوطنى مع النظام ! وأنها ستأتى ومطالبة برؤية واضحه
للمستقبل وشكل الجمهورية الجديدة لا مطالب فقط ! يقابلها مأزق التمثيل السياسى فى
مجلسى النواب والشيوخ أى حجم التأثير فى الشارع السياسى والذى سيؤثر فعليا على
موقفها على مائدة الحوار خصوصا مع إختفاء تيار الإسلام السياسى من على الساحة
السياسية المصرية ولسنوات قادمة .
يقابل كل هذا مأزق النظام السياسى نفسه ، حيث أن دعوة الرئيس " السيسى "
للحوار السياسى لم يحدد شكلها وطبيعتها ، هل هى دعوة للحوار على شكل الجمهورية
الجديدة من خلال منظور سياسى معتمد لدى الدوله وتريد المعارضة أن تشاركها الأفكار
حولها ؟ أم أن الحوار سيبدأ من البداية حيث التعريف والماهية وشكل المستقبل ؟ وهل نتائج
هذا الحوار الوطنى بين الأحزاب المصرية سيتم رفعها إلى رئيس الجمهورية بصفته أم
إلى الكتلة السياسية التى تشكل العمود الفقرى لنواب الشعب فى مجلسى النواب والشيوخ
؟
وهل سيكون الرئيس راعيا فقط لحوار أم مشاركا ، وكيف يشارك وهو ليس رئيسا لحزب أو
معبرا عن كتلة سياسية ؟
لهذا أعتقد أننا مقبلون إذا أردنا حوار سياسيا واضح المعالم بين النظام السياسى
والمعارضة على تعديل دستورى يمنح الرئيس صلاحيات إنشاء ورئاسة حزب سياسى حتى تكون
الأمور واضحة ، وتكون وسائل تحقيق أهداف الحوار الوطنى واضحة ، فلا يعقل أن تتوصل
الأحزاب السياسية لشكل وطبيعة وأهداف الجمهورية الجديدة فى ظل قيادة سياسية لا
تمثل أى فصيل سياسى قادر على ملئ الفراغ فى الشارع السياسى للجمهورية الجديدة .
إن الدعوة للحوار الوطنى لا زالت فى طور التشكل ، وأعتقد أنها لن تحدث فى القريب
العاجل إذا تطورت الأزمة الإقتصادية العالمية خلال الشهور القادمة ، ولهذا ستكون
هناك فرصة كبيرة للمعارضة أن تنظم نفسها وتحاول تطوير افكارها لتناسب مرحلة جديدة
وفرصة لن تعوض للجلوس على طاولة واحدة مع النظام السياسى ، فى المقابل يجب على
النظام فتح مسارات آمنه للمعارضه فى الشارع للتواصل بينها وبين الشارع السياسى من
أجل تبادل الأفكار والرؤي وبلورة شكل الجمهورية الجديدة على أسس سياسية وشعبية
حقيقية ، وقبل كل هذا وذاك يجب أن تعطى إشارات للشارع من قبل النظام والمعارضة بأن
هناك تغييرا حقيقيا قادما فى الآفق يبشر بجمهورية جديدة منفصلة عما سبقها وتعزز
قيم المستقبل .

