بقلم ياسر رافع
الملك حائر ومضطرب جدا والحرس الخاص به عيونهم زائغه لا تثبت على شئ محدد وهم يلتفتون يمينا ويسار وهم سائرون وارء الملك أينما ذهب فى كل جنبات القصر، وتزداد عصبية الملك كلما نظر فى ساعة يدة ، ولكنه فجأة ينادى على ياور القصر ويسأله " هل وصل الضيف الأجنبى ؟! " ، هنا يتلعثم الياور ويجيب بصوت خفيض مع إنحناءه للرأس لتجنب النظر فى عيون الملك " لا يا مولاى لم يصل بعد ، ولكن طائرته على وصول فى المطار..... " هنا قاطعه الملك بعصبيه " إذهب بنفسك لإستقباله فى المطار ولا ترينى وجهك إلا وهو معك ...."
جلبه عظيمه فى المطار وكبار رجال الدوله ورجال الأمن فى
حركة نشاط غيرعادية والجميع يترقبون وصول طائرة الزائر المهم الذى ينتظره جلالة
الملك ، وما أن أعلن عن قرب هبوط الطائرة حتى قام ياورالقصرالذى ينتظر فى صالة
كبار الزوار بالتنبيه على رجال الأمن بأن يسهلوا إجراءات الخروج بسرعه ، ومع
ملامسة عجلات الطائرة أرض المطار سارعت سيارة سوداء بستائر سوداء لإستقبال الزائر
المهم ، وما أن وطأت قدماه أرض المطار حتى فتح له باب السيارة وأغلق من خلفه
وأنطلقت السيارة إلى خارج المطار بسرعه عالية ، وفى السيارة دار حديث مقتضب بين
الزائر المهم وياور الملك لم يخرج عن التحيات المتبادله بسلامة الوصول .
وبينما تجوب السيارة شوارع المملكة التى تم تسيير حركة المرور فيها لكى يمر موكب
الزائر المهم ، لفت نظر الزائر هدوء الأوضاع فى المملكة وحركة المواطنين العادية
ولم يرى أى أثر لحركة إحتجاجات ولا تظاهرات ضد الملك وهنا دار فى رأسه سؤال "
لماذا إذا طلب منى الملك الحضور على وجه السرعه ؟! "
وبين تساؤلات و" لا " إجابات تدور فى ذهن الزائر المهم كانت السيارة
تدخل من بوابة القصر الكبيرة ، وعندما وصلت السيارة لباب القصر وفتحت أبوابها من
قبل الحرس ، هم أحد الحراس بمحاولة حمل الحقيبه التى يحملها ، هنا نهر الزائر
الحارس بشدة وقال له " هذة تحمل شيئا ثمينا جدا ولا يجوز العبث بها ؟! "
هنا تدخل ياور القصر وأمر الحارس بالإنصراف ثم تقدم أمام الزائر ليريه أين يجلس
الملك ، وبين صعود سلالم والمشى فى ردهات القصر حتى وجدا نفسيهما أمام مكتب الملك
الذى دخله الأول ياورالقصر الذى أخبر الملك بوصول الزائر والذى أمر الملك بدخوله
عليه فورا ، وما بين عناق وترحاب كبيرين يشيان بأن الملك يعرف الزائر منذ زمنا
بعيد ، ثم إلتفت الملك ناحية ياور القصر ثم أمره بأن يخرج ويغلق الباب بإحكام ولا
يدخل أحدا ، ثم يأمره بإحضار المشروبات للضيف " العزيز " .
ثم اخذ الملك الضيف من يده وأجلسه على الأريكه بجانبه ..
الملك : أهلا ومرحبا بك يا ديفيد فى المملكة
ديفيد : مرحبا بكم جلالة الملك
الملك : لم أراك يا رجل منذ أن توليت حكم المملكه ، كان والدى يحبك وأوصانى بك
ولكنك تركتنا وذهبت
ديفيد : مولاى ، دعنا من الماضى نحن الأن أبناء الحاضر ، وأننى عندما طلبتنى لبيت
النداء
الملك : وهل أحضرت معك شيئا يعجبنى ويجعلنى مستريحا للتعامل معك كما كان أبى
ديفيد : إنه فى هذة الحقيبة ، ولكن لى سؤال يؤرقنى أرجوا الإجابه عليه قبل أن أريك
ما فى الحقيبه
الملك : إسأل وسأجيبك !!
ديفيد : معلوماتى عن المملكه منذ أن توليت جلالتك حكمها أنها هادئة وشعبها طيب ولم
تظهر منه بادرة إعتراض على حكمكم ، وأنا فى طريقى من المطار إلى القصر لم أرى أى داعى
للطلب الغريب الذى طلبته جلالتك والذى يتطلب مزيدا من المراقبه .
الملك : عزيزى ديفيد ، لقد ساعدت والدى فى إستقرار حكمه ضد الخارجين عليه من
المعارضين ، وساعدتنى فى إعتلاء عرش أجدادى والقضاء على ما تبقى من معارضه ، ومرت
السنوات ولم تظهر أى أعراض للمعارضه فى الشارع وهذا ما يقلقنى ، فهدوء الشارع
يشعرنى بأن بركانا قد ينفجر فجأة ، وأحس دوما بأن الهتافات التى تتتنامى إلى
مسامعى فى الشوارع ماهى إلا أصوات إحتجاجات وليست ترحيبا بى وبحكمى ، لهذا طلبت
منك أن تساعدنى بتكنولوجيا جديدة أستطيع بها أن أتغلب على هذا الشعور ، وفى
المقابل أتنبأ بما سيحدث وأتجنبه ..
ديفيد ضاحكا : أضحكتنى جلالتك ، ألهذا السبب طلبت منى أجيئك بأحدث إختراع فى
العالم .
الملك : أليس هذا كافيا ..
ديفيد : بالتأكيد نحن يهمنا أن تعيش المملكه فى إستقرار ويدوم ملك أجدادك ، ونحن
نقدر مخاوفك وما هدوء سطح الماء إلا سراب خادع لما يحدث تحته _ وهم بفتح الحقيبه
وأخرج منها نظارة نظرعادية وأمسكها بيده _ لهذا تفضل جلالتك هذا ما سيحل لك مشاكلك
...
الملك مستغربا : أتهزئ بى يا ديفيد ! أقول لك الشعب والمعارضه وأنت تعطينى الحل
نظارة
ديفيد : هذة النظارة تحول الإنسان إلى حمار ...
الملك : كيف ذلك ! _ ثم إرتداها بسرعه ونظر لديفيد ولم يرى شيئا _ ديفيد يبدوا أنك
تستهزئ بى وأنا أصبحت لا أطيق ألاعيبك
ديفيد : لا تغضب يا مولاى ! الموضوع ببساطه أن تلك النظارة عندما ترتديها ترى
الناس كالحمير وإذا رأيت بعضهم على هيئته البشريه فهذا هو من يعارضك ...
الملك : معنى ذلك أنك يا ديفيد تعارض حكمى
ديفيد : يا مولاى أنا لست أحد رعاياك وأنا من يصنع
التكنولوجيا ومن يساند الحكام ولهذا النظارة لا تقيس ولائى ..
طرقات خفيفة على باب الغرفة ، ثم دخل ياور القصر ومن وارءه الخدم يحملون صوانى
تحتوى على المشروبات وبعض المأكولات الخفيفه ، ثم إنسحب الجميع ماعدا الياور الذى
قال للملك " جلالتكم تأمرنى بشئ أخر ؟! " ، فرد عليه الملك " أؤمر
الخدم بإعداد وليمة كبيرة لضيفنا العزيز
ديفيد !! " ، هنا تدخل ديفيد فى الحوار وقال " جلالة الملك : جلالتكم
تعلمون أننى يجب أن أكون فى بلادى بعد إنتهاء المقابله معكم ، لهذا أعتذر عن قبول
الوليمه " ، هنا إلتفت الملك للياور وأمره بالإنصراف ونسيان أمر الوليمه
وما أن أغلق الباب ..
الملك : مالك يا ديفيد أصبحت لا تطيق الجلوس معنا ..
ديفيد : لقد جئت بناءا على طلبك ولم أكن فى نيتى المكوث أكثر من هذا ، ولكن فى
المرة القادمه سأمكث لديكم أكثر من هذا .
الملك : حسنا : ولكن أخبرنى ماذا افعل بتلك النظارة ؟!
ديفيد : أولا لنقم بتجربتها على العاملين بالقصر ، قم
معى جلالتك
هنا إنتصب الملك وديفيد واقفين ، وأمر ديفيد الملك بإرتداء النظارة ، ثم فتح ديفيد
الباب وخرجا سويا يمشيان فى طرقات القصر ويهبطان السلالم والملك تملكته حاله من
الذهول فجميع من فى القصر تحولوا لحمير ، وهو ما أثار ضحك الملك ، ولكنه فجأة توقف
عند احد العاملين بالقصر ثم خلع النظاره وأرتداها مرة أخرى ، وقبل أن يتكلم أشار
له " ديفيد " بالصمت ، وأستمرا بالمشى سويا ، ولكنه فى وقوفا آخر إزداد
ذهولا وخلع نظارته مرة أخرى ، وكما حدث فى المرة الأولى أشار إليه ديفيد بإرتداء
النظارة والمضى قدما ،
وبعد إنتهاء الجوله فى القصر رجعا سويا إلى المكتب مرة أخرى .. وما أن جلسا :
ديفيد : هل الإختراع الجديد مفيد لجلالتكم
الملك : إنه شئ مرعب ، ولكن لى سؤال !!
ديفيد : إسأل جلالتك !!
الملك : مفهوم أن تظهر النظارة المؤيد حمارا ، وطبيعى أن أرى من يعارضنى إنسانا ،
ولكنى رأيت احدهم وهو نصف إنسان ونصف حمار ..
ديفيد ضاحكا : هذا الشخص يقوم بعملية إستحمار ذاتيه من أجل التقرب منك ، ولكنه ليس
مخيفا طالما جلالتكم تتمتع بالنفوذ ، ولكن عند تقلص النفوذ سرعان ما ينتقل بولاءه
لغيرك
الملك : ومتى ستمدنى بالكمية التى أطلبها لكى أكشف عن المعارضين لى ؟!
ديفيد : فى القريب العاجل ، طالما أن النظارة نالت إعجابكم
الملك : فى أقرب فرصه يا ديفيد ، فكل الشكوك داخلى أصبحت حقيقية
ديفيد : الأن أستطيع أن أقول أننا إتفقنا على التوريد وسأترك تفاصيل الصفقه
الماليه للمساعدين ، والأن علي أن أسافر على وعد بلقاء قريب مع جلالتك
الملك : لقد شرفت المملكه يا ديفيد ، لكنى لى رجاء اطلبه منك ؟!
ديفيد : تحت أمر جلالتك
الملك : عندما تتغير قواعد اللعبه وتقررون إعطاء تكنولوجيا جديدة للمعارضين لى ،
أخبرنى فقط
ديفيد : هذا يتوقف على جلالتكم ومدى تعاونكم
الملك : إتفقنا ! هيا قم سأوصلك بنفسى للمطار
نادى الملك على ياور القصر وأمره بإعداد السيارة
الملكية لكى يقوم بنفسه بتوصيل " ضيفنا العزيز " إلى المطار ، وما هى
إلا دقائق على درجات السلم وصولا للباب الرئيسى حتى وجد الملك وضيفه السيارة مفتحة
الأبواب وما أن دلفا بداخلها حتى أغلق الحرس الباب ، ثم أمر الملك بالتحرك ، وما
أن خرجت السيارة من القصر حتى لمحتها الجماهير على جانبى الطريق بعلاماتها المميزة
والموكب المصاحب لها ، وبدأت الجماهير تهتف وتشير للموكب بالتحيه ، هنا تذكر الملك
النظارة وأرتداها بسرعه وأمر السائق بأن يفتح زجاج السيارة الكهربائى قليلا ليرى
ويحيى الجماهير، وما أن أخرج يديه مرتديا النظارة وبدا فى تحية الجماهير ، حتى
بدأت تظهر عليه علامات الهلع فقد تحولت الجماهير إلى خليط من الحمير والبشر وأنصاف
الحمير وجميعها تهتف بحياة الملك ، هنا أدخل الملك يديه وخلع نظارته وأمر السائق
بغلق النافذة ، ثم توجه بحديثه لضيفه
الملك : ديفيد !!
ديفيد : ما خطبك يا جلالة الملك ؟!
الملك : لقد أصبحت الشكوك حقيقة ، وأصبحت رؤيا السنوات العجاف لحكمى تلوح فى الأفق
دفيد : لا تنزعج جلالتك ، فالنظارات بالتكنولوجيا الجديدة ستجنبك تلك السنوات فعدد
الحمير أكثر بكثير
الملك : حسنا !! وكيف التعامل الصحيح مع هذا الوضع الجديد ؟!
ديفيد : هذا متروك لجلالتك فنحن نوفر الوسائل التى تحميك من الخطر فقط
الملك : حسنا ! فعلا الأمر متروك لى
الموكب الملكى يدخل إلى المطار ويقترب من الطائرة الخاصة على أحد مدارج الطائرات ،
ثم يتوقف ويخرج الملك وضيفه ، ثم يتصافحان ويتفقان على لقاء قريب بينهما ، ثم يقوم
الضيف بمصافحة الملك ويصعد سلالم الطائرة ثم يحيى الملك ، ويغلق باب الطائرة ، ثم
تبدأ بالتحرك على المدرج وبينما تطير فى الهواء قام الملك بالتحدث بصوتا خفيض "
أيها الوغد اللعين لقد إستطعت أن تثيرشكوكى بدلا من طمأنتى " ، ثم دلف إلى
داخل السيارة وأمر الموكب بالرجوع للقصر .
فى الهواء وداخل طائرته الخاصه جلس " ديفيد " يحتسى كأسا من الشمبانيا وبينما
هو كذلك ، رن هاتفه فقام بفتح الهاتف متحدثا ..
ديفيد : هالو إلياهو .
إلياهو : هالو ديفيد ! كيف صارت الأمور مع الملك
ديفيد : لقد صارت كما خططنا لها ! فالملك الأن أصبحت لديه شكوك كبيرة تجاه شعبه
إلياهو : عظيم ! وهل علم أن أغلبية الشعب من الحمير المطيعه
ديفيد : نعم فهذا ما إتفقنا عليه ، فقد عكست طريقة تشغيل النظارة لأجعله مطمئنا حتى تحين لحظة إستبداله
إلياهو : يا لك من ماكر يا ديفيد
ديفيد : مرحبا بالجميع فى مملكتنا مملكة الحمير العظمى
ضحكات على جانبى الهاتف ثم أغلق ديفيد الهاتف ورجع برأسه على الكرسى ثم أشعل
سيجارا ضخما وأخرج دخانه من فمه وقال " مرحبا بك أيه الملك فى مملكتى !!
" ثم ضحك ضحكة عالية بينما الطائرة تختفى بين السحب .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه