لم تكن الإبتسامة العريضة التى إستقبل بها ولى العهد السعودى " محمد بن سلمان " الرئيس التركى " أردوجان " فى الرياض منذ أيام إلا تعبيرا عن مؤشرات متضاربه وحاله من الإنتشاء التى لها ما يؤيدها على أرض الواقع ولها أيضا ما يقطع بعدم صحتها على الجانب الأخر من الحقيقة .
لقد جاءت رياح الحرب الروسية الأوكرانية تحمل بشارات كبيرة لولى العهد السعودى " محمد بن سلمان " الذى يحلوا للمقربين منه أن يلقبوه بالإسكنرالأكبر ، فلقد إرتفعت أسعار البترول وهو ما أمن مدخولات دولارية كبيرة تتجاوز المليار دولار يوميا وهو ما أخرج المملكه السعودية من حالة الركود الإقتصادى ، وأمن موارد تعوض فاتورة الحرب فى اليمن ، وكذلك أعطت تلك الحرب ورقة ضغط كبيرة فى يد السعودية فى مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية تساوم بها على مطالبها والمتمثلة فى ضمانات أمريكية فى حال الإتفاق النووى مع إيران ، وكذلك مساندتها فى إيجاد حل للأزمة اليمينة ، وأيضا سرعة الإستجابة وعدم الإعتراض على البرنامج النووى السعودى ، كل هذا مع التمرير السلس لولى العهد لإعتلاء عرش المملكة دون إعتراضات أمريكيه على خلفية مقتل الصحفى السعودى " جمال خاشقجى ".وجاءت زيارة الرئيس التركى " أردوغان " لتعطى بشارة أخرى عن إنتصار إقليمي يبشر بقيادة سعودية للمنطقة بعدما إستطاعت غلق ملف مقتل " خاشقجى " مع تركيا ، بل وتسليم ملف وأوراق القضية للقضاء السعودى ، والتسليم بأن القضية شأن سعودى خالص .
لكن ظواهر الأحداث لا تشى بباطنها فسرعان ما قامت اللجنة القانونية فى مجلس الشيوخ الأمريكى بالموافقة على قانون " نوبك " لحظر إنتاج وتصدير النفط ، والذى يسمح لواشنطن بمقاضاة بلدان " أوبك " على ممارستها الإحتكار بعدم زيادة إنتاج النفط . وهذا القانون ألقى بظلال كثيفه على البشارات التى ألقتها الحرب الروسية الأوكرانية أمام ولى العهد السعودى ، حيث أنه وطبقا لمصادر متعددة أعد القانون على عجل لمعاقبة السعودية أساسا قبل غيرها لأنها رفضت الوقوف بجانب الولايات المتحدة ولم تقم بزيادة إنتاج النفط لتعويض الأسواق العالمية من نقص الإمدادات لخفض الأسعار والتى من شأنها أن تقلل من فاتورة التضخم فى الداخل الأمريكى ، مع العلم أن أمريكا ساعدت السعودية وتدخلت لتقريب وجهات النظر بينها وبين روسيا قبل ذلك عندما ظهر الخلاف على حصص الإنتاج .
وعلى الرغم من تلويح ولى العهد السعودى فى لقاء مع مجلة " بلومبيرج " بورقة تغيير بوصلة التحالف مع أمريكا إلى الصين وروسيا ، إلا أن أحلام الإسكندر الأكبر بتولى عرش المملكة لا زالت فى يد أمريكا لأن تغيير التحالف ليس بهذه السهولة وأن أمريكا لازال لها اليد الطولى فى المنطقة وهى التى تستطيع أن تؤمن له بيئة مناسبة لإستقرار المنطقة تسمح له بالحفاظ على قوة وهيمنة السعودية فى منطقة الخليج . ولكن الأمير السعودى أراد مساومة وإستغلال فرصة لن تعوض لإنتزاع ضمانات تريدها السعودية من أمريكا وعلى رأسها الحصول على طمأنه من سلمية البرنامج النووى الإيرانى وأنه فى حال قامت إيران بإمتلاك قنبلة نووية فلا تكون هناك معارضة أمريكية على إمتلاك السعودية للسلاح النووى ، وكذلك المساعدة فى إيجاد مخرج للأزمة اليمينة يضمن خروج إيران من اليمن . لكنه فيما يبدوا أن ولى العهد قد بالغ فى التلويح والمساومه فروسيا والصين ظهرتا على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية بأنهما ما زال أمامهما سنوات طويلة حتى يكونا جاهزتين لقيادة العالم وإنتزاع الصدارة من أمريكا .
وعليه فالرد الأمريكى بقانون " نوبك " قد يلقى بظلال من الشك حول قدرة المملكة على مقاومة الطلبات الأمريكية فى حال تطبيقه وخروجه لحيزالتنفيذ ، والذى سيقلل من سقف طموحات المملكة وستصبح الطلبات السعودية مرتهنه بمدى قدرتها على تلبية الطلبات الأمريكية ، والتى ستكون عبارة عن سداد فواتير مالية ونفطية تضمن خروج أمريكا من أزمتها الإقتصادية ، وأن خروج إيران فى حال عدم الإتفاق النووى من المنطقة لن يتم إلا بإستعمال القوة الأمريكية وهو الأمر الذى سيدفع بالمملكة إلى أتون حرب مجبرة عليها هى وحلفاؤها من العرب . وهنا ستضيع البشارات التى حملتها الحرب الروسية الأوكرانية وسط ظلال أزمة تلوح فى الأفق مع إنتهاء الحرب .
كذلك تحولت البشارة التركية من قدرة على النصر إلى أحلام سرعان ما ستتبدد ، حيث أن الرئيس التركى " أردوغان " لم يأتى للرياض مهزوما أمام إصرار المملكة على إنهاء قضية " خاشقجى " ولكنه جاء مثخنا بجراح أزمة إقتصادية داخلية طاحنه زاد من حدتها الحرب الروسية الأوكرانية وكذلك المحافظة على حجم التبادل التجارى بين تركيا والسعودية والذى يصل إلى 24 مليار دولارسنويا ، وأنه قد عاد لإنتهاج سياسة " صفر مشكلات " مرة أخرى لضمان تكوين بيئة إقتصادية جديدة ، وأيضا جاء محملا بضمانات أمنية للسعودية وهو قادر عليها للحفاظ على أمن الخليج وفى الوقت نفسه لن يكون تابعا لأنه يعد نفسه لاعبا رئيسيا فى ترتيبات المنطقة والقادر على لجم القوة الإيرانية فى حال تعديها على الخليج ، لهذا فالبشارة التركية سرعان ما ستتحول إلى إملاءات هى الأخرى فى حال تغير الأوضاع بعد الحرب الروسية الأوكرانية وتصبح الحماية التركية مقابل التجارة والإستثمارات.
هكذا وبكل بساطه سيجد الإسكندر الأكبر السعودى نفسه مطالب بالتعامل مع أوضاع متغيرة وهشه تعطى بشارات تحملها هواجس وظنون ولا تدعمها حقائق على الأرض سوى إمتلاك النفط والذى بات قاب قوسين أو أدنى من العقوبات ، وبالتالى فحلم إعتلاء العرش ممكن أن يأتى على خلفية حرب أمريكية مع إيران ، أو أن يتم إقصاؤه لصالح أحد الأمراء الطامحين فى العرش على خلفية قضية "خاشقجى " ، وعدم إستجابته للطلبات الأمريكية خلال الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا . وهل التعامل مع تركيا سيضمن تراجعا إيرانيا أم مزيدا من النفوذ التركى فى الخليج بعدما ثبت أقدامه فى قطر .
ولى العهد السعودى فى موقف لا يحسد عليه لن ينقذه من مأزقه الحالى سوى إعادة التفكير بسرعه فى كل ماسبق وقبل فوات الأوان ، فالأوضاع تتغير بشدة والتلويح بإستخدام القوة فى منطقة الشرق الأوسط وفى جوارها بات شبه مؤكد ، وأن التحالفات القويه ستضمن عرشا وضمانات أمنيه من الغرب وأمريكا والشركاء الشرق أوسطيين ، وأن التعامل مع عقوبات قادمه إن حدثت فيجب التعامل معها على أنها فاتورة أخطاء يجب دفعها .
هل تتدخل الأقدار بتولية الإسكندر الأكبر بوفاة والده فجأة ؟ لتزول معظم الهواجس ويصبح التسليم بتولية العرش أمر طبيعى ؟؟ الله أعلم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه