تحل علينا هذة الأيام ذكرى ثورة 23 يوليو 1952، ولكنها تأتى هذة الأيام كشيخ هرم خاصم الزمن وتجاوزه الواقع بكل جوانبه السياسية والإقتصادية والإجتماعية ، وأصبح رقم الذكرى السبعين وكأنه دلالة على التقدم فى السن وتقادم الأفكار برغم العطاء والإنجازات ، ولا يسع الأحفاد إلا الإحتفال بالماضى وإستلهام العبر دون الإقرار بإمكانية الإرتداد للخلف وتكرار تجربة السبعين سنه الماضية بنفس ظروفها وتجاربها .
ولم تأتى الذكرى السبعين لثورة 23 يوليو 1952 إلا ومعها مفارقة رقمية عجيبة ، فلقد شرخت تجربتها مع هزيمة يونيو 67 ، ولكنها ماتت فعليا مع موت قائدها الزعيم " جمال عبد الناصر" فى العام 1970 ، وحل محلها شرعية جديدة ، بآليات جمهورية جديدة حاولت التخلص من إرث جمهورية يوليو الأولى . وأصبح رقم السبعين حاكم لذكرى الميلاد ووفاة القائد .وهكذا تم الإعلان الضمنى الأول لوفاة جهورية يوليو 1952 عقب وفاة زعيمها الملهم !!!
.............................................................................................................
لم يكن رفع صور الزعيم " جمال عبد الناصر" فى ميدان التحرير بعد ثورة 25 يناير 2011 إيذانا ببعث جديد لجمهورية يوليو الأولى ، ولكنها كانت صرخة غضب فى وجه جمهورية وشرعية أكتوبر التى تأسست عليها بعدما أوصلت الأوضاع السياسية والإجتماعية لطريق مسدود ، وظن البعض أن إعادة إنتاج جمهورية يوليو قد أصبح ممكنا خصوصا مع صعود عدوها اللدود " الإخوان المسلمون " لسدة الحكم ودخوله فى صدام مع المجتمع ، وهو ما جعل خروج الجماهير بمساندة الجيش يونيو 2013 عليه أمرا طبيعيا ، وتم إقصاء الإخوان من الحكم ، وظن من ظن أن إعادة إنتاج جمهورية يوليو بات ممكنا مع تصدر الجيش للمشد السياسى ، لكن بمرور الأيام وتولى الرئيس " السيسى "حكم مصر نراه يعلن أنه " لم تكن هناك دوله منذ 1967 " ، بل تحدث عن أن إشتراكية الجمهورية الأولى التى " لم تصل إلى كل الناس فى مصر" ، وهكذا وبكلمات موجزة يكون الرئيس المصرى قد قطع الطريق على بقايا الحالمين بعودة أو بإعادة إنتاج الجمهورية الأولى .
وهكذا تم الإعلان الضمنى الثانى لوفاة جمهورية يوليو 1952 عقب زوال الجمهورية الثانية وحكم الإخوان !!!
.......................................................................................................
فى قصيدته الرائعة " متى يعلنون وفاة العرب " يقول الشاعر الراحل " نزار قبانى "
أحاول أن أتصور ما هو شكل الوطن ؟
أحاول أن أستعيد مكانى فى بطن أمي
وأسبح ضد مياه الزمن
وأسرق تينا ، ولوزا ، وخوخا
وأركض مثل العصافير خلف السفن
أحاول أن أتخيل جنة عدن
وكيف سأقضى الإجازة بين نهور العقيق
وبين نهور اللبن
وحين افقت .. إكتشفت هشاشة حلمى
فلا قمر فى سماء أريحا
ولا سمك فى مياه الفرات
ولا قهوة فى عدن
يبدو أن الشاعر " نزار قبانى " قد أعان على وصف ما يحدث فى مصر الأن فى الذكرى السبعون لقيام جمهورية يوليو 1952 وهو فى قبره ، فبعد قيام جمهورية يونيو 2013 أو ما باتت تعرف بالجمهورية الجديدة إصطلاحا ، والدخول فى إصلاحات إقتصادية تتجه ناحية الإقتصاد الحر والإسراع فى عملية الإندماج فيه عالميا ، وهو علق بالجمهورية الجديدة فى مشكلات كبرى ، جعل من تصور لشكل الوطن محل جدال !!
ومن إستعادة الماضى محض أوهام !! وهشاشة حلم بواقع جديد على وقع أزمات وراء أزمات تجعل من المستقبل مجرد أمنيات !! وصولا لضبابية الرؤية ، فلا القمر أصبح منيرا ، وصار السمك والقهوة عنوان لأزمة إقتصادية عميقة .
ومع أزمات الجمهورية الجديدة فإنها صارت فى طريق مخاصم لجمهورية يوليو 1952 بل تحاول جاهدة تغيير الواقع المصرى تماما إقتصاديا وإجتماعيا وسياسيا ، واللحاق بما تراه قد فاتها زمنيا بفعل الجمهوريتين السابقتين من أجل ترسيخ لجمهورية جديدة قادرة ، وأن السبيل لعودة الماضى قد فات أوانه ، وأن ما يحدث على أرض مصر هو واقع جديد بمفردات جديدة .
.......................................................................................................
لماذا الإصرار إذا على الإحتفال بثورة وجمهورية يوليو 1952 ؟!!
تأتى الإحتفالات بذكرى ثورة يوليو فى توقيت تثبيت لجمهورية جديدة ملامحها بدأت تتحدد ، إقتصاديا عبر طرح " وثيقة سياسية ملكية الدولة " والتى تحدد فيها شكلها الإقتصادى القاضى بتخارج الدولة من معظم القطاعات الإقتصادية وإفساح المجال للقطاع الخاص الداخلى والخارجى لإدارة النشاط الإقتصادى تحت مظلة رفع معدل النمو السنوى ورفاهية المواطن ، وهو ما يؤكد مخاصمته تماما لنهج جمهورية يوليو الإقتصادى . وسياسيا عبر إطلاق حوارا وطنيا يشمل أطياف المجتمع للبحث فى شكل الدولة وماهيتها فى المستقبل ، وإجتماعيا عبر إطلاق مشاريع ضخمه مثل " حياة كريمة " للوصول بالخدمات الأساسية لكل بقعة فى مدن وريف مصر ولكن تحت شعار " الخدمه مقابل السعر " .
ببساطة ما يحدث فى مصر حاليا لا يمت بصله لجمهورية يوليو 1952 ، وإنما نهج جديد مدفوع بعوامل إقتصادية وسياسية وإجتماعية مغايرة لما واجهته جمهورية يوليو ، ولكن يبقى الإحتفال مقترنا بالإقرار بأن السبب فى وجود الجمهورية الأولى والثانية والجديدة هى المؤسسة العسكرية .
لهذا فإن الإحتفال بثورة يوليو 1952هو إحتفال المؤسسة العسكرية بغض النظر عن إخفاق جمهورية يوليو والجمهورية الثانية بشرعية أكتوبر، ولا الجمهورية الجديدة ومحاولاتها بناء شكل جديد لها .
لهذا فإن إصرار البعض على إجترار الماضى وإستدعاء التاريخ هو محض خيال ، وأن الإقرار بوفاة جمهورية يوليو 1952 إقتصاديا وإجتماعيا وسياسيا هو السبيل لفهم ما يحدث حاليا .


