السبت، 16 يوليو 2022

قمة الأمن والتنمية وإعادة حلف بغداد فى زمن جديد !!




بقلم / ياسر رافع

إنفرط عقد قمة " الأمن والتنمية " الذى عقد فى مدينة جدة السعودية بحضور الرئيس الأمريكى " جو بايدن " وقادة دول مجلس التعاون الخليجى وقادة مصر والعراق والأردن ، ويبدوا أن القمة والكلمات التى قيلت فيها من جانب القادة لم تأتى مؤكدة لما تم تناوله الإعلام عن بداية تعاون عربى _إسرائيلى فى مجال أمن المنطقة . وكذلك جاء المؤتمر الصحفى لوزير الخارجية السعودى عقب القمه وكأنه مراوغه سعودية لإخفاء ما تم خلف الكواليس .

لكن كلمة الرئيس المصرى " عبد الفتاح السيسى " حملت إقرار بأن " المنطقة تعيش فترة إستثنائيه " وشجون وحنين لزمن ماضى فقدنا لحظة توهجه عندما قال " الأمن العربى كلا لا يتجزأ " ، وأعتقد أن إقرار " السيسى " وحنينه هو لب أزمة  قمة " الأمن والتنمية " الذى لم تجف مداد كلماته بعد .
.......................................................................................

لغة الأرقام  ودلالاتها لا تعرف المراوغه حتى لو جاءت رمزية لأنها لغه جافة تعبر وتوصف بدون عواطف ولا أحاسيس ، وهذا ما ينطبق على ما حدث اليوم فى قمة جدة ، حيث أنها تنعقد بعد 67 عاما بالتمام والكمال من قمة مشابهه وهى قمة عرفت بحلف " بغداد المركزي " ، وهو حلف هدفه الأساسى تكوين طوق حصار حول الإتحاد السوفيتى بدأ بالعراق وتركيا ثم إنضمت إيران وباكستان وبريطانيا ، وهو قائم برعاية أمريكا صاحبة الفكرة والتى وعدت بالدعم الإقتصادى والعسكرى لضمان نجاح الحلف ،
لكن الحلف بدأ يتداعى بسبب رغبة جامحة من الدول العربية وعلى رأسها مصر فى تأكيد إستقلالها الوطنى وعدم التعاون مع المستعمر القديم والحديث ، وكذلك النأى بالمنطقة العربية عن فكرة التحيز لإحدى القوتين العظميين آنذاك .
وكان رفض مصر ممثلة فى جمهورية 23 يوليو 1952 واضحا من مسألة الإنضمام للحلف ، وقد ساندت ثورة 14 يوليو 1958 فى العراق على الحكم الملكى بقيادة " عبد الكريم قاسم " والذى أدى إلى إنسحاب العراق من حلف بغداد المركزى ، وهو ما أحدث شرخا كبيرا فيه ، أدى على مرور 29 عاما إلى إنفراط عقدة بعدما حقق نتائج ضئيله بعد قيام الثورة الإسلامية فى إيران 1979 .
وكانت الظروف المحيطة بفكرة قيام حلف بغداد تشى بأن العرب قوة ناشئه جديدة فى عالم السياسة الدوليه بأفكار ورؤى جديدة ، وهو ما جعل فكرة الحلف تبتعد عن العرب ويكون الجوار الشرق أوسطى هو الفاعل الرئيسى فيه ، ولكن فى العام 1967 كانت الهزيمة العربية من إسرائيل ونهاية المشروع العربى الموحد ، وهو ما أدخل المنطقة العربية فى تبعية المستعمر الجديد " أمريكا " الذى شكل طبيعة السياسة العربية طوال السنوات التى تلت هزيمة المشروع العربى وحتى قرر أن يتخارج من المنطقة عسكريا وتنمويا ويقيم بعد 67 عاما بالتمام والكمال حلفا جديدا شبيها بحلف بغداد بشكل جديد ولكن بمفهوم قديم ليكون بمثابة طوق آخر لتحجيم التمدد الروسى الصينى فى منطقة الشرق الأوسط لتفرغ مواجهتهما فى مناطق المحيط الهادئ ومناطق أخرى حول العالم .
لهذا نجد أن 67 عاما فرقا بين قيام حلف بغداد وقمة الأمن والتنميه بجده ، فرقا يحمل دلالات مهمه ، فرقا بين عرب أرادوا أن يمسكوا بزمام أمرهم ويستعيدوا حيويتهم وتاريخهم ، وحركات تحرر وطنى تنبئ بمستقبل جديد للأجيال القادمه ، وبين عرب ما بعد هزيمة 67 ، هزيمة المشروع العربى ، والصراعات الداخلية والحروب الأهلية وغياب التنمية وشعوب مأزومه .
نحن نعيش فترة " إستثنائية " بسبب تغيرات جيوسياسة وإستراتيجية كبرى ، وأمانى بإستعادة " أمن عربى وحد " نفتقد معظم مقوماته فى اللحظة الحالية .
..................................................................................................
لقد جاء الرئيس الأمريكى راعى فكرة تكوين تحالف شرق أوسطى إلى مؤتمر جدة وقد قال كل ما يريده من هدف زيارته للمنطقه فى " إعلان القدس " بإسرائيل حيث أكد على أهمية أمن إسرائيل وعدم إمتلاك إيران للسلاح النووى حتى لو بإستخدام القوة وأن تكوين تحالف دفاعى فى المنطقة يشمل إسرائيل سيكون بمثابة درع ضد التهديد الإيرانى . ولهذا جاءت كلمته فى جده عامه لا تحمل جديدا ، فى المقابل جاءت كلمات القادة العرب بمثابة مقدمى العرائض والشكاوى للمسئول المختص ، فكلهم تحدثوا عن مشاكلهم الداخلية وهواجسهم مغلفه بقضايا عالمية ليس لهم تأثير واضح فيها على مستوى العالم .
ولكن مع نهاية المؤتمر وصعوده سلم الطائرة الرئاسية عائدا إلى بلادة فقد حصل الرئيس الأمريكى على بعض المكاسب التى ستعزز موقفه إنتخابيا فى الداخل الأمريكى حيث حصل على موافقة السعودية على فتح أجواءها أمام الطائرات الإسرائيلية  وهو ما يعد بمثابة مرحلة أولى للتطبيع السعودى الإسرائيلي ، وكذلك الحصول على وعد سعودى بزيادة إنتاج النفط لقدرات 13 مليون برميل يوميا وهو ما سيعزز من قدرة أمريكا على السيطرة على موجة التضخم التى تعانيها مع دول العالم . وكذلك تثبيت مفاهيم جديدة ورثها من سابقه الرئيس " ترامب " وهى أهمية التعاون المشترك سياسيا وإقتصاديا وعسكريا يشمل الدول العربيه وإسرائيل وتركيا فى الخلفية .
لكن اللافت هو عدم تطرقة لمسألة الدفاع بين العرب وإسرائيل ، وأعتقد أنه تجنب ذلك لرفع الحرج عن القادة العرب أمام شعوبهم وجيوشهم التى باتت تنتظر قرار بتعاون مع عدو لازال يمثل فى العقلية العربيه العدو الأول . ويبدوا أن الموضوع تأجل إعلانه خلف الكواليس والإكتفاء حاليا بتثبيت مبدأ التعاون والشراكه وعدم الإعتراض على الإتفاقيات العسكرية الثنائية بين إسرائيل والدول العربيه كالأمارات والبحرين كمثال وترك الأمور لحين توفر الظروف الكاملة لقيام تحالف كامل .
....................................................................................................
لقد أثبت مؤتمر جده " للأمن والتنمية " بما لا يدع مجالا للشك أن المنطقة تشهد تحولا كبيرا وإستثنائيا من حيث كونه يحاول كسر تابوهات وأسس للفكر العربى ، وأن ما قامت عليه السياسة العربيه والمصرية خاصة يعانى إنكسارات حادة ، فلقد تغيرت خريطة التحالفات وطبيعة التدخلات فى المنطقه وكذلك إنحسار أفكار لصالح أفكار جديدة ، وسقوط أنماط إقتصادية لصالح أنماط أخرى سائدة ، كل هذا وسط تغيرات تنبأ ببزوغ فجر نظام عالمى جديد ، ولكن هذا المؤتمر يحمل ملامح أساسية تجعله وحلف بغداد يستقيمان على خط واحد ، فالإثنان يحملان بصمات تعاون شرق أوسطي يخدم على السياسة الأمريكية ، ويحملان معا فكرة التعاون الإقتصادى والعسكرى ، ولكنهما يتضدان فى فكرة القبول أو الرفض ، فقديما رفض العرب فكرة الأحلاف متحدين حول مبدأ تحرير الأرض المغتصبه من إسرائيل ، ولكن حديثا يبدوا أن هناك قبولا من البعض ورفضا مبطنا على إستحياء للتعاون الأمنى والتنموى مع إسرائيل .
لهذا نستطيع أن نقول بكل أريحيه أن مؤتمر جده ما هو إلا إعادة إستنساخ حلف بغداد فى ظروف مختلفه
...............................................................................................
التعاون الأمنى مع إسرائيل على مستوى الجيوش له عواقب وخيمة حتى وإن أرادت القيادة السياسة للبلدان العربية ، وهى ليست كالتعاون الإقتصادى الذى يتم معظمه فى الخفاء ، ولا بروتوكولات التعاون الأمنى على مستوى أجهزة المخابرات ، لأن الجيوش تمثل ضمير وعقل وسياسة أمة ، ويستحيل تغيير أفكارة مرة واحدة على شاكلة الإنعطاف المفاجئ ، وهو ما سيجعل فكرة الإنقلابات العسكرية أمرا شائعا ومستساغا فى المنطقة على شاكلة إنقلاب الجيش بقيادة " عبد الكريم قاسم " على وقع دخول العراق لحلف بغداد وهو ما أستتبع بالضرورة الخروج من الحلف .
...............................................................................................
أعتقد أن فكرة التعاون الأمنى مع إسرائيل ستمضى قدما عبر الإتفاقيات الثنائية وستكون فكرة قيام التعاون الكامل مرهونه بمدى قدرة النظام الإيرانى على الإندماج مع السياسة العربيه فى المنطقة . وسيظل الإقرار بمرور المنطقة بمرحلة إستثنائيه واقعا لا يمكن الفكاك منه ، مع بقايا حلم متكسر لأمن عربى موحد يحمل بقايا زمن مضى آوانه ، هو الحاكم لتصرفات العرب فى المرحلة القديمه على الأقل القوى التقليدية القديمه كمصر وسوريا والعراق التى ستكون مجبره فى فترات معينه إلى مسايرة الواقع بسبب ما تمر به من أزمات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...