بقلم ياسر رافع
لم تكن تصريحات الرئيس الأمريكى الجديد القديم " دونالد ترامب "
، عن قوة أمريكا فى إحلال السلام فى غزة ، ولا قوة أمريكا العسكرية فى الحفاظ على
السلام العالمى فى حفل تنصيبه لولاية جديدة لحكم أمريكا ، وليدة المصادفة ولكنها
تعبر عن جوهرالصراع العالمي بين القوى العظمى عبر التاريخ للسيطرة على العالم .
ولكن أى سلام يعنى ؟!!
سلام كما عرفه " مايكل إى ايدىن مولر فى العام 1963 قائلا " السلام.
فأي سلام أعني وأي سلام نسعى إليه؟ ليس السلام الأميركي الذي تفرضه الولايات
المتحدة على العالم بأسلحة الحرب الأميركية. وليس سلام القبرأو أمن العبيد. بل
إنني أتحدث عن السلام الحقيقي، ذلك النوع من السلام الذي يجعل الحياة على الأرض
تستحق أن تعاش، والنوع الذي يمكن الرجال والأمم من النمو والأمل وبناء حياة أفضل
لأطفالهم ـ ليس السلام للأميركيين فحسب، بل السلام لكل الرجال والنساء، وليس
السلام في عصرنا فحسب، بل السلام في كل العصور
"
أم تصريح "رويل
مارك جيريشت "، أحد زملاء مشروع القرن الأمريكي الجديد ، أثناء الحرب على
العراق الذى قال " ليس أمامنا خيار سوى إعادة بث الخوف الذي يحيط بأي قوة
عظمى في نفوس أعدائنا وأصدقائنا... إن الحرب ضد صدام حسين وحدها هي التي ستعيد
بشكل حاسم الشعور بالرهبة الذي يحمي المصالح الأمريكية في الخارج والمواطنين في
الداخل"
فى هذة اللحظة التاريخية التى يعيشها العالم ، هل تريد
شعوب العالم سلاما يجعل الحياة تستحق أن تعاش ، أم سلاما يبث الخوف فى النفوس
لصالح قوة عالمية تريد الحفاظ على مصالحها فقط ؟!!
................................................................................
مثل الإنتصار الذى قام به الإمبراطور
الرومانى " أوكتافيان " _أغسطس
فيما بعد_ على تحالف ملكة مصر "كليوباترا" والقائد الرومانى "
ماركوس أنطونيوس" ، فى معركة أكتيوم عام 31 قبل الميلاد ، علامة فارقة فى
تأسيس مصطلح السلام العالمى والذى عرف قديما بالسلام الرومانى والذى إمتد لأكثر من
200 عام بعد تلك المعركة الفاصله : حيث توسعت الإمبراطورية وأصبحت تحكم أكثر من
ثلث سكان العالم ، وتحكمت فى التجارة العالمية وأصبحت الفيالق العسكرية الرومانية
الجبارة عنوانا للقوة وردعا لكل من يحاول المساس بهيبة الدولة الرومانية ، وترسيخا
لمبدأ السلام الرومانى القائم على الهيمنه للحفاظ على مبدأ السيادة فى العالم ،
وحفاظا على تجارتها وإقتصادها الذى يضمن ديمومة بقاءها .
والسلام الرومانى كفعل مارسته كل الدول الكبرى والإمبراطورية عبر التاريخ ، وهو ما
يفسر ما تفعله أمريكا حاليا ، خصوصا بعدما دانت لها السيطرة على العالم بعد سقوط
منافسها الأكبر وهو الإتحاد السوفيتى 1990 ومنذ تلك اللحظة وأمريكا تمارس فعل
السلام الأمريكى القائم على الهيمنه ، تارة بالشق الإقتصادى وتارة بالشق العسكرى .
هل نشهد تراجعا للسلام الأمريكى فى منطقتنا العربية على الأقل يقلل من وطأة
الهيمنه الأمريكية ؟!!
...............................................................................
لم يكن مشهد تسارع الفيالق الأمريكية العسكرية من بوارج وحاملات طائرات وغواصات
نووية وأقمار صناعية فى الفضاء نحو قطاع غزة بعد سويعات قليلة يوم 7 أكتوبر 2023 ،
بعد هجوم " حماس" على إسرائيل ، إلا تأكيد لمبدأ السلام الأمريكى القائم
على الهيمنه والذى لا يقبل أن تمس هيبته ، وليس للدفاع عن إسرائيل ومشروعها الخاص
بقدر الحفاظ على مصالحه وعدم المساس بها ، وأن حرب غزة أثبتت أن إسرائيل بالنسبة
لأمريكا لا تعدوا قلعة متقدمة للفيالق العسكرية الأمريكية فى منطقة تمثل حجر
الزاوية فى الصراع العالمى . وأن مشهد فيالق السلام الأمريكى العسكرية الضخم لم
يكن لإرهاب حماس الفلسطينية وردعها فقط ولكن لإرهاب كل من تسول له نفسه مقارعة
أمريكا فى مناطق نفوذها ، مثل الصين وروسيا وإيران ، ولعل خروج روسيا من المنطقة
وتراجع الدور الإيرانى لداخل حدوده والظهور الباهت للدور الصينى فى الأزمة ، هو
نتاج لممارسة فعلية لقوة السلام الأمريكى القائم على الهيمنه المدعوم بقوة عسكرية
هائلة لم تتوفر لدولة عبر التاريخ حتى الأن .
....................................................................
لقد أعادت حرب 7 أكتوبر 2023 فى قطاع غزة إنتاج مشهد ما بعد معركة أكتيوم البحرية على الشواطئ المصرية والتى دشنت مرحلة السلام الرومانى قديما والقائم على الهيمنة وبداية حقبة مظلمة من التبعية ، وهو ما سيفرض ضغوطا هائلة على البلدان العربية وخصوصا مصر ، والتى ظاهريا خرجت من تداعيات الحروب الأهلية فى الداخل العربى ، ولكنها كانت الخاسر الأكبرعلى البعد الإستراتيجى والأمن القومى ، بعدما أصبحت جهاتها الأربع على حدودها المباشرة ملتهبة ومناطق صراع تشتعل بها النيران . وعلى الرغم من أن مصر عمليا فى تعاون وتحالف غربى منذ نهاية عصر الرئيس " السادات" وإلى الأن ، إلا أن هذا لم يمنعها من محاولات للإفلات والتمرد على السياسة الأمريكية فى المنطقة، وهو ما جعلها تصنف تحت بند " الحليف المتمرد " ، وذلك بسبب متطلبات الأمن القومى المصرى الخاصة ورفضا للتبعية ومحاولات مستمرة للإستقلال بعيدا عن سياسات الهيمنه فى المنطقة ،
لكن هل تصمد مصر أمام تداعيات حرب غزة وتعزيز نفوذ السلام الأمريكى وفيالقه العسكرية ؟!!
...................................................................
لقد أثبتت حرب أوكرانيا أنه لا توجد قوة على الأرض تستطيع أن تفرض سلامها الخاص ، بسبب قوة السلام الأمريكى وفيالقه العسكرية وهيمنته على الإقتصاد العالمى وسيطرته على الممرات البحرية العالمية ، وعليه فإن أداء القوى العالمية فى حرب غزة وتراجعها أمام أمريكا أكد بما لا يدع مجالا للشك أن محاولة مقارعة أى دولة فى المنطقة لأمريكا هو محاولة إنتحار سياسى وعسكرى وإقتصادى لتلك الدولة .
وعليه فإن مصر التى مارست فعل المغامرة أيام الرئيس " عبد الناصر" للحيلولة دون وصول فيالق السلام الأمريكى للشواطئ العربية بعد الحرب العالمية الثانية ، والذى إنتهى بكارثة فقدان الإستقلال الوطنى فى حرب 1967 ، وفعل التمرد بعدما أيقنت أن السلام الأمريكى واقع لا يمكن الفكاك منه منذ عصر الرئيس " السادات " إلى الأن والذى تحطم مع نهاية إستلهام معركة أكتيوم القديمه على شواطئ غزة حديثا ولم يعد للتمرد ما يسنده ويغذيه بعدما سقط المحيط الإستراتيجي كله .
لذلك فإن مصر فى حالتها الراهنه لا تستطيع المغامرة بسبب الظروف الإقتصادية والإستراتيجية والسياسية داخليا وخارجيا وأن إستلهام روح الناصرية نوع من الإنتحار فى هذة اللحظة التاريخية ، وأن محاولات التمرد التى مارستها بسبب قضايا بعينها مثل القضية الفلسطينية أصبحت فى مهب الريح بسبب التدخل العسكرى المباشر فى الأزمة خلافا للسابق .
إذا ماهى السيناريوهات أمام مصر للتعامل مع السلام الأمريكي وفيالقة العسكرية ؟!
............................................................................................
أمريكا سلامها فى المنطقة قائم على أمن الممرات البحرية والمواصلات ، وأمن الطاقة ، وأمن إسرائيل قلعتها العسكرية المتقدمه فى المنطقة ، وكذلك مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة ، وهذة الأسباب يمكن لمصر التعاطى معها وهى ليست جديدة فى التعاون مع أمريكا فى كل تلك الملفات منذ عشرات السنين ، ولكن هذا كان نابعا من وجهة نظر شبه مستقلة عن سياق السلام الأمريكى تحافظ به على مساحة حركة تضمن أمنها ، ولكن مع تدهور الأمور لغير صالح مصر وبروز التفوق الكاسح للسلام الأمريكى فهنا يجب أن تتحسب مصر لأى مغامرة أو تمرد غير محسوب وسط تلك الظروف التاريخية الصعبة ، حتى لا تضطر للإنصياع الكامل لشروط السلام الأمريكي ، وأن التحدث بلغة المصالح الضيقة لمصر فقط فى هذة المرحلة خصوصا مع سقوط الدول العربيه الرئيسية وذهاب دول الخليج لتطبيع كامل مع إسرائيل تحت مظلة فيالق السلام الأمريكي العسكرية ، سيضمن لها حضورا في ترتيبات البيت العربي فى المرحلة القادمة ، وأن أى محاولة عكس ذلك فإن عواقب المغامرة فى 1967 ، والتمرد فى 2011( الربيع العربي ) ، ستكونان حاضرة وبقوة ، تهددان السلام والإستقرار السياسى فى البلاد مما ينبئ عن تحولات سياسية ضخمة ستكون مصر مطالبه بها ، واقعة بين سندان فقدان الإستقلال الوطنى ، أو مطرقة تغييرات سياسية تطال هيكل الدولة ذاتها .
....................................................................................
إذا إستمر تسارع وتيرة الأحداث علي نفس المنوال نحو الهيمنه الكاملة للسلام الأمريكي في المنطقة ، فيجب أن تسارع مصر لإحداث تغييرات سياسية وإقتصادية واسعة ومحسوبة في الداخل ، للحيلولة دون إستدعاء التذمر الشعبى كبطن رخو للضغط به للحصول على إملاءات وشروط تطال الحاضر وتجعل من المستقبل مجهولا . ويجعل من عواقب المغامرة والتمرد السابقين مجرد نزهه لما هو قادم .
مصر موقفها صعب ، لكن دروس التاريخ يجب التعلم منها !!

