بقلم ياسر رافع
إذا كانت منابع النيل هى شريان الحياة لمصر ، فإن
سوريا هى بمثابة الرئة التى يتنفس منها الجسد المصرى ، هذا هو مفهوم سوريا فى
مفهوم الأمن القومى المصرى عبر التاريخ _ إذا جاز لنا التعبير_ وعليه فأى تغيير فى
طبيعة سوريا الجغرافية والسياسية سوف يحدث أثرا فوريا يستدعى التدخل سواء سلما او
حربا !! .
ولكن مع زوال نظام الأسد أمام المليشيات المسلحة السورية
، ومع عدم عدائية القيادة المصرية مع القيادة الجديدة لسوريا ، بل أكدت مصر على
لسان الرئيس المصرى " عبد الفتاح السيسى " على وحدة التراب السورى
ورفضها لتقسيمه بل دعى أيضا الشعب السورى للعمل سريعا على بناء سوريا والإبتعاد عن
الهدم.
وعلى الرغم من توافد الوفود العربية والإقليمية والدولية على سوريا لمحاولة فهم
حقيقة ما يجرى فى سوريا إلا أن غيابا واضحا للقيادة المصرية على كافة مستوياتها
الدبلوماسية والأمنية بات ملحوظا لكل المتابعين للمشهد السورى ، اللهم من حدوث
إتصال تليفونى بين وزير الخارجية المصرى ونظيره السورى الجديد مع الساعات الأولى
من بداية العام الجديد 2025 ، وهو إتصال يبدوا أنه قد تم بعد محاولات تقريب لوجهات
النظر ، وربما لإزالة حساسيات وتخوفات لدى القيادة المصرية من قبل أطراف عربية أو
دولية .
لكن يبقى السؤال ، لماذا تأخرت القاهرة للذهاب إلى دمشق ! هل هناك ما يمنع ؟!
......................................................................................................
لقد تميزت العلاقة بين القيادة المصرية ونظام الأسد منذ نشأته بل حتى من قبل أن
يقوم حافظ الأسد بإنقلابه بشهور ، حيث حذر الرئيس " جمال عبد الناصر"
قبل وفاته القيادة السورية آنذاك من محاولة إنقلاب للأسد ، وبعد حدوث إستيلاء
" حافظ الأسد " إتسمت العلاقة بين حافظ الأسد والرئيس السادات بالدفئ
والتعاون نظرا لظروف الحرب مع إسرائيل فيما بين عامى 1967 وعام 1973 ، ولكن توترت
العلاقة بسبب مباحثات فض الإشتباك بين مصر وإسرائيل ، وصولا للقطيعة بينهما بعد
عقد إتفاقية كامب ديفيد ، وهو ما جعل سوريا تلجأ للإتحاد السوفيتى لإنشاء قاعدة
عسكرية له على أراضيها من أجل حمايتها وهو ما زاد من التوتر بينهما . وأستمرت
القطيعة بين النظامين إلى أنه مع منتصف ثمانينيات القرن العشرين قد تم الصلح بين
نظام " حافظ الأسد" ونظام " حسنى مبارك " وبدأت الأوضاع تتحسن
، حتى أن مصر قد بعثت ببارجتين حربيتين للسواحل السورية لإعلان تضامنها ووقوفها
بجانب سوريا خلال أزمة تهديد تركيا بإعلان الحرب عليها إذا لم تسلم المعارض الكردى
" عبد الله أوجلان " وهى الأزمة التى إستمع فيها الأسد لنصيحة مبارك
وكان الحل الوسط هو طرد أوجلان خارج سوريا ، وقد كان !!
ومع تولى " بشار الأسد " الرئاسة مكان والده إلا أن نظام مبارك ظل
يتعامل معه على نفس السياسة نظرا لإستمرار الإبن على نهج أبيه وسياساته التى لا
تستجيب للمتغيرات العالمية والإقليمية .
ومع إندلاع ثورات الربيع 2011 فى مصر ، فقد بات بديهيا أن تنتقل عدوى الثورة إلى
سوريا وهو ما قد حدث ، لكن عكس ما حدث فى مصر ، فقد تحولت الثورة السورية إلى حرب
أهلية سالت فيها الدماء غزيرة بين أطياف المكون الشعبى السورى . ولكن مصر خلال
فترة المجلس العسكرى التى تلت نهاية حكم الرئيس السابق "مبارك" ، قد رفضت
علي لسان رئيس المجلس ووزير الدفاع " حسين طنطاوى" محاولات عربية ودولية
لإرسال قوات لسوريا لحقن الدماء فيها وذلك خوفا من حرب أهلية ولعدم التدخل فى
الشأن السورى ، ولكن خلال حكم الرئيس السابق "محمد مرسى" أعلن وقوفه مع
الثورة السورية وأعلن قطع العلاقات بين مصر ونظام " بشار الأسد " ، ولكن
سرعان ما قامت ثورة 30 يونيو 2013 فى مصر معلنة نهاية نظام الرئيس"مرسى"
وأستمرت العلاقات كما هى ، ولكنها تدهورت لحد القطيعة الدبلوماسية مع نظام الرئيس
" عبد الفتاح السيسى " بسبب وحشية النظام السورى خلال الحرب الأهلية ووقوف المجتمع الدولى والعربى ضد تلك الوحشية ،
ولكنها رجعت مرة اخرى قبل سقوط النظام السورى بأشهر قليلة .
لماذا إذا والعلاقات بين مصر ونظام الأسد
هكذا ،لم تبادر مصر لمد يد العون للنظام الجديد ؟!
............................................................................................................
فى العام 2021 إتهمت تركيا مصر بمساعدة منظمة PKK أو حزب العمال الكردستانى ، وذلك
وسط حملات تركية محمومة ضد مصر أثناء الأزمة السياسية بين البلدين قبل المصالحة
بينها ، وإحتدام الحرب الأهلية السورية ، وهو التصريح الذى لم تؤكده مصر أو تنفيه
، لكنه كان رسالة لكل متابع للشأن المصرى أن تدخل إقليمى ودولى فى سوريا بالنسبة
لمصر هو أمر إستدعاء ضرورى للحفاظ على مقتضيات الأمن القومى المصرى بغض النظرعمن
يتولى الحكم فى سوريا ، خصوصا وأن نظام " بشار الأسد " إستدعى أطرافا
إقليمية ودولية سواء متحالفا معها كإيران وحزب الله اللبنانى وروسيا ، أو معاديا
لها مثل تركيا و أمريكا والغرب .
وهكذا أصبح نظام " بشار الأسد " يمثل عبئأ ثقيلا على النظام الأمنى
العربى ونظام الأمن القومى المصرى فى القلب منه . خصوصا مع وجود مقاتلين أجانب فى
سوريا لتنظيم القاعدة وتنظيم داعش ، وكذلك تحول كثير من الشباب السورى إلى مرتزقة
لدى شركات أمن دولية مثل " فاجنر" الروسية ، وشركة " سادات" التركية
يقاتلون فى كامل الإقليم ، وهو ما إكتوت بناره مصر فى سيناء وحدودها الغربية .
ومع سقوط نظام " بشار الأسد" الدراماتيكي السريع والمفاجئ على يد
المليشيات المسلحة وإستيلائها على الحكم ، هنا شعرت القاهرة أن تخوفاتها الأمنية
فى محيط أمنها القومى قد أصبحت كابوسا ،
ما هى تخوفات مصر الأمنية والتى تمنعها من التعامل
مع النظام السورى الجديد حتى الأن ؟!!
.......................................................................................................
بعد تولى الرئيس المصرى " عبد الفتاح السيسى" حكم مصر بعد خلع نظام حكم
الرئيس السابق " محمد مرسى " ، واجهت مصر تحديات أمنية كبيرة وصولا لحرب
على الإرهاب فى سيناء والحدود الغربية لمصر، وكانت سوريا حاضرة فى المشهد المصرى
بقوة حتى بعد سقوط نظام " بشار الأسد "لعدة أسباب منها :
1- وجود مقاتلين أجانب وسوريين قاتلوا ضد الدولة المصرية فى سيناء منتمين إلى
تنظيمى القاعدة وداعش ، بعدما فقدت الدولة السورية التحكم فى حركة المقاتلين
الداخلين والخارجين منها عبر حدودها .
2- وجود مرتزقة سوريين لدى شركة " سادات " الأمنية التركية قاتلوا فى
ليبيا ضد المصالح المصرية أثناء القطيعة السياسية بين مصر وتركيا
3- سمحت الحرب الأهلية السورية لتمدد تركيا أمنيا وجيوسياسيا داخل سوريا بما يضر
بالأمن القومى المصرى خصوصا بعد سقوط نظام " بشار الأسد " فى تكرار لما
حدث فى ليبيا أثناء وبعد الحرب الأهلية
فيها ، والذى أوجد دوله محافظة على جغرافيتها ولكنها مقسمه فعليا بين شرق وغرب ، وهو
ما ينبأ بتكراره فى سوريا
4- مصر التى عارضت وجود قواعد روسية منذ البداية فى سوريا لتأثير ذلك على أمنها
القومى ، هاهى روسيا تنهى وجودها العسكرى فى سوريا مع إنهيار النظام ولجوء "
بشار الأسد " إليها ، ولكنها تنقل قواتها وقوات سوريه سواء نظاميين من الجيش
السورى المنحل أو من مرتزقة سوريين تابعين لها ، مع معدات ثقيلة ودفاع جوى وطائرات
إلى قاعدة فى وسط ليبيا فى مناطق نفوذ " خليفة حفتر" فى إعلان غير صريح
عن إنشاء قاعدة عسكرية روسية بديله لما فقدته فى سوريا على الأراضى الليبية ، وهو
ما إستدعى ذهاب رئيس المخابرات المصرية " حسن رشاد " إلى ليبيا لبحث هذا
الأمر وتداعياته على الأمن القومي المصرى
5- المليشيات التى إستولت على الحكم فى سوريا هى خليط غير متجانس ، ولكن ما يهم
مصر هم المنتمين إلى تنظيمى القاعدة وداعش وكذلك المقاتلين المصريين الموجودين
هناك والذين تولى بعضهم مناصب أمنية فى
الجيش السورى الجديد ، وهذا يعتبر هاجس أمنى خطير لدى مصر .
5- تخوف القاهرة من الإنكسار الحاد فى سياسة تحالفات النظام السورى الجديد كما
النظام القديم ، إيران وروسيا فى السابق وتركيا وقطر وأمريكا حاليا ، وهو ما يربك
حسابات القاهرة الأمنية
هل هناك سبيل لإزلة تلك التخوفات الأمنية والسياسية بين مصر وسوريا ؟!!
.....................................................................................................
مصر وسوريا دولتان لا يستطيعان الإستغناء عن بعضهما البعض ، حتى مع إختلاف شكل
النظام السياسى فيهما ، ولكن تبقى التخوفات السياسية والأمنية هى الهاجس الذى يعكر
صفو العلاقات بينهما ، وعليه فإن القيادة الجديدة فى سوريا والتى رحبت بها جموع
الشعب السورى رغم التحديات الأمنية الكبيرة التى تواجها عليها أن تزيل أى لبس أو
توجس لدى مصر من أى تهديد قد يخرج من سوريا يهدد المصالح المصرية ، الجيوسياسية
والأمنية سواء على حدودها أو فى دول الجوار .
وأن الحديث التليفونى الذى دار بين وزير خارجية مصر وخارجية سوريا "
الجديدة" والذى تطرق لعدم التدخل فى
الشؤون الداخليه لكلتا البلدين هو أساس مهم تبنى عليه علاقات جديدة مستقرة
ومزدهرة بين البلدين ، تكون نتيجتة عناق
من المحبة بين النظاميين السياسيين يدشنان بعده علاقات مستقرة ومستدامه تحفظ
أمنيهما كما كان عبر التاريخ القديم والحديث .
هل يحدث هذا العناق قريبا ؟! أعتقد أن دولا عربية وإقليمية تمهدان الطريق لذلك

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه