بقلم ياسر رافع
بالأمس كتب الأستاذ" أنور الهوارى" الصحفى الكبير على صفحته بالفيس بوك قائلا " امبارح بالمصادفة جمعني لقاء عابر مع شباب في العشرينيات ، دارت بيننا دردشة ، قلت لهم صحفي في الأهرام ، طلعوا ميعرفوش الأهرام ولا أي صحيفة غيرها ، واحد منهم قال ؛ ليه متعملوش إعلانات عشان الناس تعرفكوا ؟!"، وهذا الكلام أثار تعليقات كثيرة تهاجم الشباب وأخرى تدافع عنهم، حتى علق الصحفى الكبير الأستاذ" أسامة سرايا " كاتبا." مش محتاجين نعمل إعلانات للبهايم "،
هنا ثارت زوبعه كبيرة وأصبح " سرايا " هدفا على لوحة نيشان بسبب تعليقه الذي تجاوز كل الأعراف الصحفية والمجتمعية.
في نهاية الأربعينات طرح الدكتور «طه حسين» على البرلمان مشروع مجانية التعليم ولكن اعترض بشدة على كلامه النائب الوفدي «البداروي عاشور» عضو المجلس ، وقال نصاً ، كما هو مسجل بالمضبطة : "ولما ولاد الفلاحين يتعلموا، أومال مين اللي حيخرج بهايمنا الصبح ؟!! قبل ما ابن فلاح واحد من عندي يتعلم هكون ضاربه بالنار".
إذا ما الفرق بين بهايم " البدراوي عاشور" قديما، وبين بهايم " أسامة سرايا" حديثا؟
الفرق هو أكثر من ثمانين عاما مرت علي شعب أراد في بدايتها ان يتحرر من عبودية الأرض والإقطاع، وكان التعليم هو الوسيلة للحاق بالحرية والمستقبل وقد كانت نخبته عند حسن ظنه، فكافحت وناضلت من أجل أن ينال حقه في التعليم وأن من حقه ان يكون إنسانا كاملا لا بهيمه ترعى في حقل سيدها. وبمرور الوقت وتغير كل شئ وأصبح التعليم كالماء والهواء بعد ثورة يوليو 1952، وأنتشر التحديث في كل مكان، هنا أدركت النخبة انها فعلت شيئا من أجل هذا المجتمع.
ومع مرور السنوات الطويلة _أكثر من ثمانون عاما _ ماذا حدث حتى تأتي النخبة لتقارن بين الشعب والبهيمه؟
لست هنا لأخطأ الأستاذ " أسامة سرايا" ولكنه أعطانا فرصة كبيرة لمن يريد أن يعرف، أين الخطأ؟ وكيف العلاج؟
لقد نكأ " سرايا" جرحا غائرا تغاضي عنه الكل، وحاول الجميع وعلى رأسهم الدولة أن تعالجه، لكنهم جميعا آثروا السلامة وأكتفوا بلفه بضمادات وإبتلاع المسكنات دون تدخل جراحي يضع حلا له، وهذا هو ما حدث مع ملف التعليم في مصر الذي غاص بالمجتمع لأسفل، لهذا لا عجب أن ترى طلبه كثر يحملون شهادات لا يجيدون القراءة ولا الكتابة، وشبه أميه كامله بالثقافة العامة، في المقابل تحولت النخبة التي لم تستطع أن تجدد نفسها إلى برج عاجي متكلسة فيه، تحاكم الجميع وتصرخ في ندواتها الخاصة وفضائيات ما أنزل الله بها من سلطان، تحاسب الشباب على أفعالهم بماضيها الذي تظن أنه صالح لكل زمان ومكان، ولا تدرك اللحظة التاريخية التي تفتك بتداعياتها شباب هذا الزمان.
التعليم الذي فك عري العلاقة قديما بين الإنسان والبهيمة بواسطة النخبة المصرية القديمة ، مطالب بتصحيحه على يد النخبة المصرية الحديثة التي كانت نتاج لكفاح السابقة، لا أن تكون سببا لعودة علاقة الإنسان بالبهيمة والإكتفاء بالوصف والإشارة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات.
الشباب ليس له ذنب بعدما تخلت النخبة عن دورها طوعا أو قسرا، وبعدما أصبحوا هم المقدمة بأدوات زمنهم التكنولوجية وتبعتهم النخبة لمواقع التواصل الاجتماعي من أجل أن تحلق بزمن ولي منها، تريد منه الشهرة فقط وآلاف اللايكات على أقوال وأفكار لا تناسب هؤلا الشباب.
" سرايا" لم يخطأ بل أشار دون أن يقصد إلى خطيئة نخبة لا تدرك معنى اللحظة التاريخية التي يعيشها الشباب في زمن التكنولوجيا. يا سادتنا من النخبة خوضوا كفاحا حقيقيا من أجل شباب هذا الوطن واستخدموا أدوات العصر، وصدقا ستجدون الشباب ورائكم إذا وجدوا فيكم خيرا.
الشباب في الماضي وجدوا من النخبة من أعتقهم من وصف البهيمة قديما، وشباب اليوم يريدون منها الآن أن تعتقهم منها في زمن الإقطاعية الرأسمالية الجديد
شكرا " سرايا" على وصفك لأنك نكأت جرحا كان يجب أن يفتح ليتطهر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه