بقلم ياسر رافع
اليوم تحل الذكري الثالثة والسبعون لقيام ثورة 23 يوليو 1952، وهي الثورة التي إنتهت صلاحيتها فعليا بعد هزيمة 1967 ووفاة قائدها الرئيس الراحل " جمال عبد الناصر".
والتي حلت محلها شرعية أكتوبر 1973، والتى حلت بعدها شرعية ثورة 25 يناير وما بعدها في 30 يونيو 2013، وما يعرف حاليا بشرعية الجمهورية الجديدة.
ورغم هذا لا زال هناك من يصر على إستمرارية ثورة 23 يوليو 1952، في محاولة للإيحاء بأنه يمكن إعادة عقارب الزمن للوراء، معللين ذلك بثبات شكل ممثل السلطة من قادة الجيش وهذا وهم قاتل يجعل من البحث عن الإختلافات بين شرعية يوليو، وشرعية أكتوبر، وشرعية 25 يناير وما بعدها في 30 يونيو والجمهورية الجديدة، ضرب من المستحيل يعيق محاولة الأجيال الحالية في فهم ما حدث في الماضي وما يحدث الآن وهذة جناية كبري في حق المستقبل.
الدولة المصرية منذ نشأتها هي دولة " أبويه" عبارة عن سلطة َشعب، أي ملك او رئيس وشعب، وهذة العلاقة مستمرة إلى الآن. وإذا طبقا هذا المبدأ على من يقولون بإستمرارية ثورة يوليو ويصرون على إجترار الماضي سنجد الآتي :
الرئيس عبد الناصر ممثل دولة يوليو 1952 كان حاكما مطلقا، شكل دولته ( فترة حكمه) سياسيا وإقتصاديا وإجتماعيا حسب رؤاه الخاصة وطبيعة العصر الذي وجد فيه، وما أن وقعت هزيمة 67 حتى ظهر أن شرخا عميقا قد أصاب تجربته، وتعمق الشرخ وأسقط تجربته يوم وفاته 1970.
وجاء بعده الرئيس السادات الذي أسس شرعية جديدة للحكم المطلق أيضا ولكن بصبغة حاكم جديد، فكانت شرعية نصر أكتوبر 73، والتي مكنته من التملص ونهج طريق مختلف عن سلفه إجتماعيا وسياسيا حتى مقتله
ثم جاء بعده مبارك الذي تمسك بشرعية أكتوبر ولم يأتي بجديد سوي أنه إختزلها في ضربة الطيران في الحرب لأنه كان قائد القوات الجوية أثناء الحرب ليثبت أن حكمه المطلق هو شريك في تلك الشرعية.
وقامت ثورة 25 يناير وما بعدها في 30 يونيو لتنهي شرعية أكتوبر إجتماعيا وسياسيا، وصولا لعهد الجمهورية الجديدة التي ينادي بها الرئيس السيسي
هل هذا كافي لنقول بإنتهاء ثورة يوليو 1952؟
لم يتبقى إلا عاملين مهمين لفهم ذلك،
العامل الأول : وهو الشعب ذاته الذي تماهي مع كل مرحلة وكل رئيس وكل شرعية وكأنه مادة سائلة تأخذ شكل الإناء التي توضع فيه. وبنظرة بسيطة ومشاهدة متمعنه للواقع الحالي، هل هذا الشعب هو من كان موجودا في كل مرحلة؟ أم أن هناك تغيرات حادة حدثت له خاصم بها ما تم في الماضي، خصوصا وأن أكثر من 90٪ من هذا الشعب لم يولد إلا بعد إنتهاء تجربة يوليو
العامل الثاني : وهو المؤسسة العسكرية التي شكلت حجر الأساس في كل شرعية لأي رئيس، هى الأخرى طالها تغيرات كثيرة، منذ حرب اليمن وحرب 67 وحرب أكتوبر وحرب الخليج وبعد 25 يناير، كل هذة الأحداث جعلت من ثورة يوليو 1952 رمزية لحاكم المشهد العام في مصر ولكنه لا يعبر عن إستمرارية لدولة يوليو 1952
الإحتفال بثورة يوليو 1952 هو إحتفال رمزي لا يمت للواقع بصله لا إقتصاديا ولا سياسيا ولا إجتماعيا، ولا حتى عن شرعية يمكن الإرتكان لها فلقد تغير كل شئ وجرت في النهر مياه كثيرة غيرت كل شئ في مصر.
يا سادة لا تجعلوا من الإحتفال السنوي بثورة 23 يوليو رغم رمزيته ساحة لإجترار ماضي لن يعود بتجربته ولا بشخوصه، ولا ساحة لنبش القبور وتصفية الحسابات، فلكل شرعية في مصر بدأ من 1952 وحتى الآن، لها تجربتها الخاصة، وأن وهم الإتصال والتشابه بين تلك التجارب والشخوص والشرعيات هو وهم مرضى ليس له أساس إلا الإصرار على العيش في الماضي

