السبت، 6 ديسمبر 2025

المال السياسي والمؤلفة قلوبهم.. حالة مصر الإنتخابية


 

بقلم ياسر رافع

لدينا في مصر إشكالية في التعامل مع المصطلحات السياسية، ونتصور في بعض الأحيان أننا قد إكتشفنا شيئا كبيرا خارج عن العادة والأعراف والممارسة السياسية التاريخية ونطلق عليه إسما وتوصيفا نراه في غالبيتنا سلاحا نشهره في وجه بعضنا البعض. ومن ضمن تلك المصطلحات، مصطلح " المال السياسي"، مصطلح يبدوا براقا وواضحا، ولكن عند إستخدامه نراه غائما مختلطا بمفاهيم إجتماعية وإقتصادية وسياسية، مما يوجد حالة من الحذر عند إستخدامه فى التوصيف السياسي.

ما هو المال السياسي؟!

...............................................................

المال السياسي، هو سلوك شائع ومعتاد في التعامل السياسي سواء داخليا أو خارجيا لكل الدول بدون إستثناء عبر التاريخ الإنساني كله . بل نراه يأخذ الشكل والإطار الشرعي والديني في عموم التعامل به ومن خلاله. فالدول على سبيل المثال تبذل المال السياسي على محورين أساسيين، الأول خارجي لدرء المخاطر وشراء الولاءات، والثاني دفع المال لتكتلات إجتماعية لضمان الولاء وعدم تفكك الدولة أو لضمان استمرارية الحكم

كيف يكون المال السياسي شرعيا ؟!

..........................................................

بعد بعثة الرسول ( ص) في مكة وهجرته إلى المدينة، ظهر أن الإستقرار السياسي يحتاج إلى وسيلة أخرى غير القتال لضمان إستقرار وإستمرار الدولة الوليدة، فهنا ظهر المال السياسي كأحد الخيارات الأساسية في الأعراف السياسية للكيانات الإجتماعية، وهذا نجده جليا في قوله تعالى في سورة التوبه :

" إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" 

ظهر المال السياسي ليعطي المؤلفة قلوبهم بجانب المستحقين لأموال الدولة رأسا برأس، فمن هم؟ 

المؤلفة قلوبهم على ثلاث فئات، 

الأولى : كبير قبيلة يعطي المال لرجاء إستمالته للدين ومن وراءه أفراد قبيلته

الثاني : مال يعطي لأناس أشرار إتقاءا لشرهم ودرءا لخطرهم على المسلمين وربما إستمالتهم للقتال ضد أعداء الإسلام

الثالث : أشخاص رأي الرسول ( ص) ان يدفع لهم المال وفقا للمصلحة العامة دون الإفصاح عن طبيعة تلك المصلحة، مثل ما كان يدفع " لأبو سفيان بن حرب" رغم إسلامه

ولكن بعد تولية الخليفة أمير المؤمنين " عمر بن الخطاب" الحكم، قام بإلغاء نصيب المؤلفة قلوبهم من الصدقات والزكاة تحت مبرر أن الدولة أصبحت قوية ولا تخشي أحدا.

هل المال السياسي حلال أم حرام.؟!

....................................................

مع كل إستحقاق إنتخابي في مصر، يصبح المال السياسي محور الحديث بين الناس!! 

كم دفع المرشح للحزب الحاكم نظير ترشيحه؟ كم سيكون ثمن الصوت الإنتخابي؟ ما هو حجم توزيع الحصص الغذائية على الناخبين؟ 

أسئلة وغيرها كثير، تثير لغطا ونقاشا وجدالا وخصومات ومشاحنات، ولكنها تحمل بين جنباتها إجابة لتصور علاقة واحدة فقط ، وهي علاقة المال السياسي بالإنتخابات، وهذا خطأ رهيب، لمن لا يستطيع التفرقة بين المال السياسي وبين الرشوة الإنتخابية . 

فكل ما يدفعه كل المرشحين للإنتخابات بدون إستثناء على الدعاية الإنتخابية، ومواصلات ومشروبات ومأكولات وخلافه هو تحت بند المال السياسي المصرح به قانونا. أما ما يدفع من مال كرشوة إنتخابية فهو ليس مال سياسي بل مال مجرم بحكم القانون. 

كيف نفرق بينهما  ؟! 

................................................... 

إننا في مصر نعاني من الجهل والتجهيل.

جهل بحقائق التاريخ والممارسات السياسية نتيجة عهود طويلة من التعليم السيئ، وتجهيل متعمد من كل القوى السياسية للمواطنين لخلق مواطن " إمعه" سهل السيطرة عليه وتوجيهه لصالحها عبر إستخدام مصطلحات بعينها كالمال السياسي مثلا، دون توضيح طبيعة ذلك المصطلح وكيف يستخدم؟

الكل لا يريد من المواطن أن يفهم إلا ما يقال له، لا يريدون له أن يعي ان الجميع يستخدم المال السياسي ويتعامل به بلا إستثناء.

في المقابل يريدون ان يحصروه في إطار المال السياسي المخلوط بالرشاوي حتى يضمنوا تفوقا إنتخابيا، في مقابل تفوق وهمي ببطوله المعارضة والإثنين، لا يريدون مواطنا واعيا

ما الحل حتى يكون لدينا مواطنا واعيا بطبيعة المال السياسي في المجتمع؟!

...................................................

يخطئ من يظن أن هناك حلا فوريا للجم المال السياسى ووضعه في إطار منضبط، يبعده عن مساره الخاطئ نحو الرشوة، في وقت قصير، لأن هذا مرهون بتوعية كاملة للشعب وفق آلية تعليم متسقه مع الآلية الديموقراطية الحديثة، وهذا يستغرق سنوات طويلة. 

وحتى تحل تلك اللحظة، يجب أن تقوم الدولة والنخبة بتوعية الناس بما علق بذهنهم من أفكار ومصطلحات يجري تداولها وتوجيهها لمصالح سياسية خاصة، إذا كنا نريد لهذه البلد ان تنهض 

............................................... 

كلمة لكل مرشح ومناصريه ، إذا كنتم تجهلون تعريفا أو طبيعة مصطلحا سياسيا ما، فلا تستخدموه، الناس تريد وعيا وليس مرشحا جاهلا يزيدهم تجهيلا 

كلكم تستخدمون المال السياسي، ولكن الخلاف بينكم حول الرشوة الإنتخابية، إستقيموا يرحمكم الله !! 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...