السبت، 11 أبريل 2026

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!


بقلم ياسر رافع

أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة السياسية المتوترة بين أمريكا وأوروبا وعلى رأسها فرنسا.. وكذلك حول سلامة الإقتصاد الأمريكي ومدى صمودة أمام التحديات الكبيرة التي تواجهة وخاصة أزمة الديون الداخلية، وكذلك التحديات التي تواجهها أمريكا إقتصاديا على مستوى العالم.

وعلى الرغم من نفي فرنسا على لسان محافظ بنكها المركزي

" فرانسوا فيليروي دي غالهاو" من أن هذه الخطوة ليست لها دوافع سياسية ولكن إلى اعتبارات فنية واقتصادية.

لكن بين سحب الذهب وبين نفي ان ذلك ليس له دوافع سياسية تبقى الأسئلة والتكهانات مفتوحة. لماذا ؟!

................................................

بعد الحرب العالمية الثانية أصبح العالم على وشك بداية نظام عالمي جديد وبالضرورة سيكون من توابعه المباشرة وجود نظام مالي عالمي جديد، وهو ما حدث فعليا وتمت ولادة نظام مالي عالمي عرف " بنظام برايتون وودز". وهو كان بداية تدشين الدولار كعملة اساس مقومة بالدولار، وعليه فقد تم تسعير الدولار مقوم بأونصة الذهب بحوالي 35 دولا.. وعليه ربطت كل دول العالم عملتها بالدولار المقوم بالذهب. وهنا أصبح الدولار مصدر قوة لأمريكا عالميا.

ولكن مع توسع الإلتزامات العالمية لأمريكا، و حاجتها لدولارات أكثر وفي المقابل كانت ملزمة برد الدولارات مقابل الذهب عند الحاجة لها من قبل الدول الأخرى. هنا حدث اول إشكالية بين فرنسا و أمريكا حيث طالبت فرنسا، حيث رأت فرنسا أن أمريكا تقوم بطباعة دولارات ليس لها غطاءا ذهبيا وهو ما أعتبرته فرنسا خللا في النظام المالي العالمي حيث يعطي أمريكا أفضلية في سد عجز ودعم عملتها في مقابل تحمل العملات الدولية الأخرى مخاطر تقلب عملتها. وهنا قام الجنرال " ديجول" الذى إعتبر أن ذلك " إمتيازا باهظا" لصالح أمريكا. بإسترداد الدولار لدي فرنسا طبقا لنظام " برايتون وودز" بالذهب من امريكا، وتم سحب الذهب فعليا

وكانت تلك الخطوة الفرنسية قد اعتبرت حينها مؤشرا سياسيا مهما على أن النظام المالي القائم على ربط الدولار بالذهب قد شارف على الإنهيار نتيجة الفجوة بين حجم الدولار وحجم الذهب. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى محاولة فرنسا لإستعادة مكانتها العالمية.

ماذا حدث بعد ذلك ؟!

...................................

بعد فرنسا قد حذت دولا أخري حذو فرنسا وبدأت تطالب بإسترداد ذهبها وهو ما عجل بإنهيار نظام " برايتون وودز" وتم فصل الدولار عن الذهب، وقد أعلن ذلك الرئيس الأمريكي " نيكسون".. وتم إستبدال قاعدة الذهب ونظام " برايتون وودز" بنظام " البترودولار" وهو النظام الذي لا زال قائما حتى الآن، والذي ضمن لأمريكا الهيمنة العالمية إقتصاديا وسياسيا.

ولكن في السنوات الأخيرة بدأت تظهر نفس هشاشة النظام المالي العالمي وذلك بسبب فقدان الثقة بين الدولار والعملات الرئيسية المرتبطة به حول العالم، وهو ما أوجد حالة من عدم المصداقية وفقدان التوازن بين السيادة الوطنية للدول مقابل أمريكا وصولا لعدم التكامل المالي العالمي. كل هذا مدعوما بزيادة طباعة أمريكا للدولار بدون غطاء، وزيادة الديون الأمريكية.

كل هذا جعل فرنسا تطالب بإستعادة ما تبقى من ذهبها في أمريكا كمؤشر لثاني مرة على قرب نهاية النظام المالي العالمي القائم على البترودولار.. و حاجتها لدعم إقتصاد ها والبحث عن دور سياسي وأقتصادي في نظام إقتصادى عالمي جديد بدأت تظهر مؤشراته.

لكن هل سينهار النظام المالي العالمي الحالي كما السابق؟!

....................................

لقد كان إستيلاء أمريكا على بترول فنزويلا ومحاولة الإستيلاء أو الإتفاق على بترول إيران، وإجبار أوروبا على شراء الغاز الأمريكي بديلا للغاز الروسي، والتلويح بالقوة العسكرية الكاسحة ماهو إلا محاولة لضمان إستمرار هيمنة الدولار على العالم لحين إستبدال نظام البترودولار بالنظام المالي العالمي الجديد القائم على العملات الرقمية، وهذا النظام لن يكون جاهزا وقادرا على الإستمرار إلا بالسيطرة على مصادر الطاقة الوفيرة.

ولم تكن الضربات العسكرية الإيرانية على دول الخليج وتحديدا الإمارات إلا فصلا من فصول عدم ضمان الهيمنة الأمريكية، التي تضمن الطاقة الوفيرة للشركات الأمريكية التي تقف وراء النظام المالي العالمي الجديد، وهذا ما يفسر تهديد الرئيس الأمريكي "ترامب" بضرب إيران وإرجاعها إلي العصر الحجري

هل نحن فعلا على مشارف عصر مالي جديد ؟!

........................

من الصعب وسط الفوضى العالمية التي نعيشها التكهن بقرب نهاية النظام المالي العالمي، فعلي الرغم من ظهور تكتلات إقتصادية تنافس الإقتصاد الأمريكي مثل منظمة" البريكس"، وحمى شراء البنوك المركزية حول العالم للذهب تخوفا من إنهيار الدولار، إلا أن هناك عاملان لا زالا داعمين للنظام المالي الحالي وهما.. الأول أن الدولار لا زال يمثل أكثر من 60٪ كعملة إحتياط حول العالم.. والثاني القوة العسكرية الأمريكية الضخمة والحديثة، وهو ما يجعل اي تحرك في إتجاة إنتزاع الهيمنة الأمريكية خطا أحمر ينذر بحرب عالمية ثالثة. 

في النهاية لم يكن القرار الذي إتخذته فرنسا مجرد سحب لذهبها من أمريكا بل كان هذا إعلانا لكل دول العالم وخاصة الدول الأوروبية عن خلل في النظام المالي الدولي، ومطالبة منها لإعادة توصيف لقواعد اللعبة الإقتصادية الجديدة.

وهذا ما يجعل من القرار الفرنسي نقطة تحول هامة في تاريخ النظام المال العالمي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...