السبت، 27 نوفمبر 2021

اليمن .. الفناء الخلفى




بقلم / ياسر رافع

اليمن مرة أخرى عنوان عريض لتعثر الثورات العربيه ، فالأزمه اليمنيه وتداعياتها على الأرض ، من بداية الربيع العربى وثورة الشعب اليمنى على حكم الطاغوت على عبد الله صالح ، مرورا بالأزمه السياسيه فى البلاد وإختلاف الشركاء السياسين عن ماهية وطبيعه مرحله ما بعد صالح ، وصولا إلى المحطه الأهم وهى التدخل العسكرى فى الشأن اليمنى لوضع حد لتطورات خرجت تأثيراتها من الواقع اليمنى إلى الوضعين الأقليمى والدولى  . قد أعادت إلى الأذهان أوضاع سابقه لحقبه تاريخيه لا يزال جرحها ينزف فى الداخل اليمنى وفى المنطقه كلها ..

فاليمن لا زال يمثل الفناء الخلفى لتصفيه الصراعات التى نشأت عن التطورات الثوريه فى المنطقه العربيه قديما وحديثا ، ولا زالت نفس القوى القديمه تمارس نفس الأدوار ولكن مع مرور السنوات إختلفت التحالفات السياسيه والعسكريه ، وبقى اليمن هو الساحه الكبيره والمهمه للحكم عن مدى قدره الأنظمه العربيه بعد الثورات على الصمود فى وجه التحديات الكبرى فى عالم متغير .
فمع موجة التحرر الوطنى فى خمسينيات القرن العشرين ، ونجاح الثورات فى إنهاء الإحتلال الأجنبى فى بعض الأقطار العربيه ، وخاصة مصر الناصريه التى ألهم نجاح ثورتها وقيادتها لحركة التحرر الوطنى ومساندتها لأشقائها فى الوطن العربى  والتى أصبحت النموذج الملهم للضباط فى الجيش اليمنى ، والتى أعطتهم الأمل فى تغيير نظام الإمام أحمد ملك البلاد الذى يحكم شمال اليمن ، وصولا لتحرير جنوب اليمن من الإحتلال البريطانى أنذاك . وإقامة نظام جمهورى جديد
وهكذا مع نهاية عام 1962 وبعد مقتل الإمام أحمد ملك البلاد ، فقد أدرك الضباط الأحرار أن الطريق اصبح مفتوحا لبداية عهد جديد وهكذا أحدثوا ثوره جديده ، ولكن وريث الملك لم يصمت وتحالف مع القبائل المواليه للحكم الملكى مؤيدا من القوى التى تناهض حركات التحرر وعلى رأسها السعوديه ودول الخليج ماعدا ( عمان )  ودخل فى صراع مسلح ، وأيد القوى الثوريه النظام المصرى وهو ما إستدعى تدخلا عسكريا مصريا للقتال فى اليمن .. وقد ساندت القوى الإستعماريه وإسرائيل القوى الرجعيه الملكيه من أجل إضعاف العرب  والقضاء على فكرة القوميه العربيه وليس حبا فى الإستقرار اليمنى .وإنتهى الصراع الدامى فى اليمن بعد سنوات على إتفاق إنتهى بموجبه الحكم الملكى وتسلم الجمهوريين مقاليد السلطه فى البلاد .
 وقد إختلفت دوافع التدخل فى الشأن اليمنى  ، فالقوى الخليجيه رأت ان القيام بثورات شبيهه بالتى حدثت فى مصر والدول العربيه الأخرى هو تهديد لأمنها وبقاؤها على الخريطه العربيه ، فضلا عن الرؤيه السعوديه فى التعاطى مع الشأن اليمنى الداخلى والتى ترى أنه من الضرورى ان يكون النظام القائم فى اليمن هو نظام موالى لها ، منعا لمطالبات يمنيه بأراضى أنتزعت منها سابقا ، وكذلك منع توحيد اليمن الشمالى مع الجنوبى حتى لا تكون هناك دوله كبيره فى خاصرة المملكه ، والتى تعتبرها السعوديه الفناء الخلفى لها ..
أما مصر الناصريه فقد كانت تعانى من تبعات فك الوحده مع سوريا وتراجع أحلامها فى الوحده العربيه الكامله ، لذلك فهى كانت تبحث عن إنتصار عسكرى سريع يمكن ان يرجع لها ريادتها و قيادتها للوطن العربى ، ناهيك عن صراعها الواضح مع القوى الرجعيه الملكيه فى المنطقه العربيه ، وكذك حاجه مصر لوجود عسكرى فى منطقه باب المندب والذى كان تحت سيطرة الوجود البريطانى انذاك ..
وخرجت القوى العربيه من الأزمه اليمنيه خاسره فقد إنهار النظام العربى برمته مع نكسة 1967 ، وإنتصرت القوى الغربيه لنفسها فى الأزمه وتم لها ما أرادت فقد إنتهى المشروع العربى الوحدوى الذى هو لب الثورات العربيه أنذاك ..
ومع إستقلال اليمن الجنوبى عن بريطانيا وتكوين جمهورية اليمن الديموقراطيه ، أصبح هناك دولتين يمنيتين واحده فى الشمال والثانيه فى الجنوب ، وقد جرت محاولات عديده لتوحيد الدولتين فى كيان واحد ، حتى بداية عام 1994 والذى إتفق فيه الجنوبين بقيادة على سالم البيض والشماليين بقيادة على عبدالله صالح على الوحده وتقسيم المناصب فى الدوله بين الجنوبيين والشماليين بالتساوى ، وهو ما أختلفوا عليه بعد ذلك وهو ما إستدعى قيام الحرب الأهليه فيما بينهم ، وهنا تدخلت السعوديه لدعم الجنوبيين لعدم إتمام الوحده ولكن كانت أمريكا على عكسها تريد يمنا موحدا لطبيعه الصراع العالمى ..
وهكذا أصبح اليمن موحدا لأول مرة منذ سنوات طويله .. ولكنه ظل يرزح تحت حكم دكتاتورى قبلى بقيادة على عبدالله صالح  أورثة الفقر والجهل والمرض ، حتى قامت ثورات الربيع العربى والتى قادها شباب هذة الأمه وأطاحت بكل الأنظمه المستبده ، ولم تكن اليمن بعيده عن تلك الثورات فقد قام الشباب اليمنى بثوره عظيمه أطاحت بحكم ( صالح ) . ولكن كما ثوره 1962 إختلف الشركاء وزادت الخلافات وأصبحت البلاد فى فوضى عارمه ، وكذلك لم يستسلم على عبد الله صالح كما إبن الملك أحمد سابقا ، وتحالف مع الحوثيين المهمشين أعداء المملكه السعوديه المدعومين من إيران التى تبحث لها عن نفوذ متنامى ودائم فى  منطقة الخليج ، وعطل كل محاولات الحوار الوطنى المراد به إنتشال البلاد من أزمتها السياسيه ، وسيطر مع الحوثيين على مرافق الدوله ومؤسساتها وعزلوا الرئيس التوافقى عبد ربه منصور هادى ( الجنوبى )
هنا أصبح اليمن على شفا حرب أهليه حقيقيه تجرى وقائعها على مرأى ومسمع من العالم ، ومع تصاعد الأحداث فى الداخل اليمنى إستيقظ العالم كله على وقع صدى قيام طائرات حربيه عربيه وإقليميه بضرب تحالف على عبدالله صالح وقواته والحوثيين ، فيما عرف إعلاميا " بعاصفة الحزم " وذلك للتأكيد على الشرعيه فى اليمن من خلال رئيسها عبد ربه منصور هادى ..
 ومع تواصل عمليات القصف الجوى لليمن وإنتشار الأقاويل والتحليلات التى ترجح التدخل البرى لقوات التحالف العربيه فى اليمن ،هنا يبرز التساؤل القديم الجديد عن ماهية التدخل فى الشان اليمنى وطبيعة المصالح التى تريدها دول التحالف فى اليمن ؟؟؟
فكما السابق إختلفت الظروف وإختلفت طبيعة الثورات من الإنقلابات العسكريه إلى الثورات الشعبيه ولكن لم تختلف مصالح الدول وإن طرأ عليها تغيرات فى طبيعه الصراع الإقليمى والدولى .. فدول الخليج وخاصة السعوديه تريد يمنا منقسما غير موحد لسابق ما ذكرناه ، وكذلك محاولة إحتواء رياح التغيير التى أزاحت أنظمه عربيه عتيده ، ناهيك عن مناهضه الدور الإيرانى والتى تراه مشابها لنفس الدور المصرى فى ثورة اليمن 1962
أما الدوله المصريه الجديده بعد ثورة 25 يناير فلم تختلف كثيرا دوافعها عما سبق فهى تعانى من غياب الدور المصرى على الساحه العربيه وتبحث عن دور تمارس فيه فعل القوه من أجل إعاده الهيبه والرياده ، ناهيك عن الأهميه القصوى لباب المندب وضرورة تواجد مصرى دائم مع تعاظم الدور الايرانى هناك . وكذلك محاصرة النفوذ الإيرانى فى اليمن وهو ما يتلاقى مع الرؤيه السعوديه الخليجيه بعد تعاظمه فى العراق وسوريا ولبنان ..
أما القوى الدوليه المسانده للتحالف العربى ، فلم تختلف رؤيتها عما سبق ، تريد يمنا مقسما بين شمالى وجنوبى ،وتزيد عليه منع التمدد الايرانى فى الشأن الخليجى التى تراه ملكا خاصا لها ..
وتبقى التساؤلات الأبرز ونحن نسمع أزيز الطائرات والبيانات العسكريه اليوميه . هل تنتهى الأزمه اليمنيه على ما إنتهت إليه فى السابق ؟؟ و هل ينتهى ما تبقى من النظام العربى ؟؟ هل نصحو على نكسه عسكريه كبرى أخرى ؟؟ هل تنتهى ونحن موحدين أم أجراء لنظام إقليمى يدار فيه العرب من خارجه ؟؟
تساؤلات تبحث عن إجابه .. أعتقد أنها مطروحه أمام القيادات العربيه ، ولكن هل هم يدركون دروس الماضى الله أعلم .. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...