السبت، 27 نوفمبر 2021

كامب ديفيد .. ثلاثية القوى والمقاوم والمدلل




بقلم / ياسر رافع

( الطيب _ الشرس _ القبيح ) عنوان لفيلم يعتبر من كلاسيكيات السينما العالميه ، والذى سيظل محفورا فى الذاكره العالميه ليس لأداء أبطاله ، ولكن للرمزيه الكبيره لمحتوى قصة الفيلم ، والتى تمثل الصراع الإنسانى حول المال والثروه ، والفيلم يدور حول ثلاثة رجال يتنافسون خلال الحرب الأهليه الأمريكيه على ثروه مدفونه من ذهب الكونفدراليه .. ومع توالى أحداث الفيلم الذى تتخلله المعارك والمشانق ، ومع بداية النهايه  بدا أن الثلاثه قد وصولوا للكنز وإتفقوا على التصارع فيما بينهم للوصول للقبر الذى به الكنز ، فقتل (الطيب ) (الشرس) ، وأبقى على (القبيح) الذى أحكم توثيق يديه ورجليه ، واخذ الطيب نصف الثروه وألقى بالقبيح مع النصف الثانى بالقبر وهو موثق اليدين والرجلين ليموت كما مات (الشرس) .. وهكذ ينتهى الفيلم على إبتسامه وإستدارة لإستكمال الطريق لشخصيه (الطيب) ..

ومع الإنتهاء من مشاهدة الفيلم ، وفى غمرة التحليل الداخلى لطبائع النفس البشريه أمام المال ، فإذا بشريط الأخبار أسفل الشاشه  ينوه عن خبر عاجل ، وهو دعوة الرئيس الأمريكى أوباما  لقادة الخليج لإجتماع بمنتجع كامب ديفيد للتشاور وذلك لتبديد المخاوف الأمنيه وتداعيات ملف إيران النووى . وهنا تغيرت مشاهد الفيلم فى عينى من صراع إنسانى بحثا عن المال إلى صراع وجود للعرب بين الأمم .
فهاهم العرب بعد إنتهاء حرب أكتوبر 1973 ، ومع بداية تداعى الإستراتيجيه العربيه الموحده ، فقد بدا أن هناك  ثلاثة قوى عربيه تمثل اتجاهات مختلفه إتجاها خليجيا ( المدلل) ، ومصر وتمثل إتجاه ( القوى)، والإتجاه ( المقاوم ) والذى مثلته منظمة التحرير الفلسطينيه ،وتصارع الثلاثه فيما بينهم للتماهى أو محاولة التماهى مع السياسه الأمريكيه فى المنطقه العربيه فراحوا يبحثون عن الحلم الأمريكى بالإستقرار والثروه والقوه ، بل وراهن كل إتجاه على انه هو الأقدر للفوز بالرضا الأمريكى وأعطى وعودا أكثر مما يحتمله التنفيذ على الأرض . ولكنهم جميعا لم يدركوا أنهم يساقون تباعا إلى نفس المقبره التى تقاتل على حافتها أبطال الفيلم ، وهى هنا منتجع كامب ديفيد الشهير ..
فالقوى ذهب مباشرة  ومنفردا ومن أقصر الطرق إلى كامب ديفيد للحاق بفرصه رأها سانحه للخروج من مأزق إحتلال الأرض وازمه إقتصاديه تهدد سلامته ومحاوله للتخلص من إلتزامات عربيه رأها معرقله لمسيرته نحو الأمام ، فقدم أكثر مما أخذ ووقع إتفاقيات السلام 1978 تحت وهم أنهار العسل التى ستفيض مع الحلم الأمريكى .  وكان من نتيجة ذلك مزيد من الصراعات والحروب العربيه العربيه ، والعربيه الإقليميه التى بدا من خلالها أن ( القوى ) قد خسر معركته وسقط رهانه معها ..
ومع غبار المعارك والإنقسامات ومع تداعى القوه المسلحه العربيه فقد وضح أن التيار ( المقاوم ) قد إستنفذ كل طاقته وهو بسبيله لتغيير قناعاته للحاق بركب الحلم الأمريكى أملا فى تحرير الأرض ، وحلم بوطن تساعد أمريكا فى بناؤه .. وفعلا ذهب ( المقاوم ) إلى كامب ديفيد عام 2000 عبر تنازلات كبيره قدمها فى إتفاقيه أوسلو الشهيره ، ولكنه رجع بخفى حنين من هناك لأنه لم يتحمل أن يعطى تنازلات أكبر ، فجرى حصاره وتصفيته قادته .. ولكنه ظل يراهن على الحلم الأمريكى ، وتوالى السقوط .
ومع بداية ثورات الربيع العربى 2011 وما تلاها من إضطرابات طالت الاستقرار فى الوطن العربى كله ، فقد بدا ان الطرف ( المدلل ) شعر بالذعر والقلق من إنتزاع ما بيديه من ثروه ناهيك عن تقسيم ما تحت يديه من أرض ، وأدرك ان أمريكا تساوم على مصالحه مع لاعبين أخرين من خارج السياق العربى ، هنا أدرك ( المدلل ) أنه بحاجه ( للقوى) وقضية ( المقاوم ) من أجل الدفاع عن نفسه ، بعد أن نأى بنفسه طويلا عن واقعه العربي ، ولكن خيبة الأمل صادفته ( فالقوى ) و( المقاوم) يعانيان من مشكلات لا حصر لها ناهيك على أنهما لم يصبحا هما الطرف الأوفر حظا فى المنطقه ، بل دخل لاعبين جدد للمنطقه
هنا أصبحت الدعوه لكامب ديفيد ترغيبا أو ترهيبا هى الملاذ الأخير للفريق ( المدلل ) للخروج من مأزق مصيرى طالما ظن انه بمنأى عنه ، وينتهى عندها ثالثة الأسافى . والتى مع إنتهاءها لا نعلم ما هو شكل ومصير الأمه العربيه فى المرحله القادمه
أيها العرب إن الفرصه لا زالت سانحه للوحده ، ولا تراهنوا على وهم الحلم الأمريكى الذى لم يأتى إلا بالخراب والدمار وحديثا تقسيم البلاد العربيه ، وإشاعة الفوضى الدينيه بها ، مما سيدخل المنطقه كلها فى صراع دموى لن يفرق بين الجميع .. كفانا إنقساما وتوزعا بين وهم ( القوه) وسذاجة ( المقاومه) وإستعلاء ( الثروه ) لأن قبر الحلم الأمريكى فى كامب ديفيد يسع الجميع .. ولا تظنوا أن أحدكم سينجوا من الموت بقرب القبر أو فى داخله كما فى الروايه .. إن الحقيقه صادمه الموت للجميع ولا تفرقه ..
إتحدوا قبل الطوفان .. إتحدوا قبل الطوفان .. الذى أرى بوادر ماءوه قد ظهرت فى الأفق ، وأتمنى أن ندرك  أن الوقت لبناء سفينة نوح جديده قد أصبح ضئيلا ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...