السبت، 27 نوفمبر 2021

الدوله المصريه بين السفن والرؤي



بقلم / ياسر رافع

كنت ولا زلت أؤمن بأن نظرية المؤامره فعل خارج عن السياق العام للأحداث التاريخيه وخاصة تلك الحاكمه للتحولات التاريخيه الكبرى فى حياة الشعوب ، وذلك من منطلق أن الفعل البشرى قابل للتكرار بنفس التصورات والرؤى إذا تشابهت الظروف إلى حدود معينه ، والتى عندها يصبح الحكم عليه من منطق المؤامره ، وهو على غير حقيقة الأوضاع التاريخيه والإستراتيجيه المحدده للواقع الإقليمى والدولى .

ويكثر الحديث هذه الأيام عن نظرية المؤامره التى تحاك للأمه العربيه ، ومحاولة توريطها فى صراعات فيما بينها لتكون نواه لتقسيم المنطقه العربيه إلى دويلات صغيره يسهل السيطره عليها من قبل الدول الكبرى وإيران ، فيما عرف إعلاميا ( بسايكس – بيكو ) الجديده .
وفى وسط الزخم الإعلامى ، والقلق المتصاعد فى الداخل المصرى المصاحب للعمليات العسكريه فى اليمن فيما عرف ( بعاصفة الحزم ) خوفا من ذكريات التورط المصرى فى ستينيات القرن الماضى ، جاء حديث الرئيس / السيسى عقب إجتماع المجلس الاعلى للقوات المسلحه منذ أيام ، مؤكدا على " أن هناك حجم كبير من القلق لدى الرأى العام " ، بل و
أوضح السيسى " أن ما حدث من تدخل مصر فى اليمن منذ 60 سنة أمر وما يحدث الآن يعد أمرا مختلف تماماً،
ولكن فى الوقت نفسه شدد على أننا  " لن نتخلى عن أشقائنا وسنقوم بحمايتهم والدفاع عنهم " .. مذكرا المصريين بموقف الأشقاء الخليجيين قائلا " محدش فاكر ساعة 3/7 ، محدش فكر سفن الوقود بتحول من البحر الأحمر والمتوسط ، تخش على موانينا علشان تضخ وقود علشان محطات الوقود مفيهاش وقود " ومع ذلك أردف قائلا " لا يليق بنا فى التعامل مع بعضنا البعض أن نقول إنهم وقفوا إلى جانبنا فنحن نقف بجانبهم الأن "
مؤكدا على "  إحنا هنقف جنبهم حتى لو معندهومش فرصه يقفوا جنبنا لأن دى بلادنا العربيه "
وهذا الحديث للرئيس السيسى يذكرنا بحديث مماثل جرت وقائعه عقب إستقبال الرئيس السادات ، لشاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوى فى مصر بعد الإطاحه به بعد الثوره ،  ففى معرض تبريره لإستضافة الشاه وفى لقاء جماهيرى تكلم الرئيس السادات موجها حديثه للجماهير قائلا أنه كان هناك أزمه فى البترول إبان حرب أكتوبر وطلب من العرب سرعه تزويده بالبترول لحاجه القوات المسلحه ومحطات الطاقه للوقود ولكنهم تأخروا وعاب عليهم تلكأهم متهما إياهم بعدم تقدير الموقف قائلا " مش على بالهم .. مرتاحين " واتهم صراحه ليبيا القذافى بعدم تنفيذ وعدها بتوريد ملايين الاطنان التى وعدت بها .. وفى هذه اللحظه إمتدح موقف شاه إيران المخلوع الذى أمده بالبترول طبقا لروايتة __ التى لم يتحقق منها __ قائلا بأنه (الشاه) " حول المراكب من البحر تيجى على الأسكندريه واللى رايحه لأوروبا " ، وهكذا حلت مشكله ازمه الطاقه فى مصر .
وهذا الموقف من الرئيس السادات جرى تفسيره من منطلق الفعل التأمرى الذى تمحور حول أن القياده المصريه إختارت التوجه الغربى الأمريكى عبر معادتها للثورة الإيرانيه التى أخرجت النفوذ الأمريكى من إيران ، الذى هو بالأساس معادى لتوجهات القوميه العربيه .. دونما الأخذ فى الإعتبار الأوضاع الإقليميه والدوليه التى تمخضت عنها فترة السبعينيات التى شهدت بداية التراجع السوفيتى وبداية صعود التيارات الدينيه المتمثل فى الثوره الإيرانيه التى سببت مزيدا من القلق فى المنطقه العربيه . وهو ما أثبت صحه توجه الدوله المصريه فيما بعد ..
وهنا يطرح الفعل التأمرى سؤالا ، ما الفرق بين موقف الرئيس السيسى والسادات ؟؟ أليس ما فعله السيسى مشابها لسابقه ومتماشيا مع السياسه الأمريكيه المضاده للعرب والعروبه عبر توريط مصر والعرب فى صراع عربى _إيرانى يطال الساحه العربيه بأكملها من أجل مواصلة تفتيت الامه العربيه ؟؟
هنا أقول بصراحه لا .. فالتغيرات التى حدثت على النظام الدولى والإقليمى عقب ثورات الربيع العربى وتصاعد النفوذ الإيرانى الذى أوجد صراعا من نوع جديد قائم على الإختلافات المذهبيه بين الشيعه والسنه ، جعل من الموقف المصرى المساند لاشقائها العرب متسقا مع النظام العروبى لا ضده ، حتى وإن إتسق مع الموقف الغربى الأمريكى من إيران ، فمصر تدافع عن مصالحها أولا وامنها القومى ، وأمن العرب فى العموم ، ضد تمدد النفوذ الإيرانى فى المنطقه العربيه ، وهو نفس الموقف الذى إتخذته مصر ومعها العرب ضد إيران فى الحرب العراقيه_الإيرانيه فى إعتراف عربى صريح لموقف السادات من إيران ..
إن نظرية المؤامره ليست لها محل من الإعراب فى الحاله العربيه الأن ، وكذلك لا يصح تبرير العطاء العربى أو عدمه لتبرير موقف الدوله المصريه من القضايا العربيه والإقليميه ، فالعالم يشهد تحولات كبرى ستطال الجميع وإذا لم ينتبه الجميع لخطورة الأوضاع الإقليميه فستضيع الامه العربيه .
لذلك يجب على القياده المصريه أن تعمل على بلوره رؤى كامله تحدد المهام والمسئوليات المصريه والعربيه وحدود الأمن القومى المصرى والعربي بدقه ووضوح فى إطار إستراتيجيه عامه لا تقبل المساومه عليها دون التورط فى مغامرات غير محسوبه يضيع معها الأمن القومى العربى ، وهو ما يضع حديث السيسى عندما قال عن حدود التدخل المصرى فى اليمن "
 بأن تلك المسألة تخضع لتقديرات كبيرة وحسابات دقيقة وأن مصر لن تضيع بلادها وبلاد أشقائها بحسابات خاطئة " . موضع التقدير ومقدمه يبنى عليها للعمل على تبنى رؤى عربيه جاده للحفاظ على الأمن القومى العربى ومقدمه مهمه لتعاون إقتصادى عربى شامل بعيدا عن سياسه المن والعطاء .. وسفن الوقود
إن العرب عند منعطف تاريخى وعليهم أن لا يستجيبوا للتفكير التأمرى للحكم على الأحداث ويلتفوا حول قياداتهم من أجل الخروج من المأزق الدولى والإقليمى الحالى . ولا تحسبوا أن أمريكا ستخرج من المنطقه العربيه بمجرد الأمانى ، بل بالعمل الجاد والوحده العربيه الجامعه ، ولا تعطوا الفرصه لأى قوه أن تحدد مستقبلكم .. الفرصه مازالت فى أيدينا .. فلا تضيعوها ..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...