الخميس، 25 نوفمبر 2021

عرابى لم يهزم




بقلم / ياسر رافع

الإنكار والجحود هما من الصفات الغير محموده  بل والذميمه ، التى عندما يتحلى بهما إنسان ما ، فإنه يصبح فى نظر الناس ، إنسان منافق معلوم النفاق ، ويصبح غير مؤتمن على الفعل المستقبلى لمن حوله من شباب المستقبل ، حيث إنه يقوم بتطويع كل ملكاته الخاصه من أجل الإستفاده من كل الأوضاع التى تحيط به ، وعندما تتغير تلك الأوضاع يصبح جحوده وإنكاره سيد الموقف ، حيث ينفى أى صلة له بما حدث ، ويعمل على إخفاء الدليل الذى يربطه بما حدث مسبقا ، ويعمل على تقديم الولااءات بأى شكل كان لسادة قادم الأيام ، ليكون قادرا على فتح بابا جديدا فى زمن أخر ومع شخصيات أخرى ، ومصالح ممتده عبر العصور .
وقد مثلت الثوره العرابيه وقائدها أحمد عرابى باشا عنوانا عريضا فى التاريخ المصرى الحديث للدلاله على حجم الإنكار والجحود البشرى لثوره وقائد خرج من أجل أن يعبر عن أحلام وطموحات ومتطلبات شعب ظل يرزح تحت الحكم الأجنبى طلية ثلاثة ألاف عام ، فمنذ أن إنطلقت شرارة الثوره العرابيه من بين صفوف الجيش المصرى والذى كان تحت إدارة وإشراف حكام أجانب ، حتى نظرت إليه الطبقه المثقفه والنخبه من الأزهر والكنيسه وبعض أمراء الأسره الحاكمه على أنها الفرصه المثلى لتحقيق مطالب الأمه فى مزيد من الحريات والعمل على تدشين أول دستور للبلاد ومزيد من الإستقلاليه فى القرار الوطنى ، ووقفت الجماهير المصريه من وراءهم تنتظر تحقيق الحلم الذى طال إنتظاره مؤيدة ومشجعة لكل الخطوات التى تتخذها الثوره .
وأصبح منزل عرابى باشا مفزعا للمظلومين ومتجه المعجبين المؤمنين بحرية هذا الوطن .
ولكن كشأن كل ثوره وقف ضدها ذوى السلطان ولاعقى أحذيتهم ، ووصل الأمر بالخديوى توفيق أن إستعان بالمستعمر الإنجليزى لمساعدته فى القضاء على الثوره الوطنيه ، حتى وإن كان الثمن إحتلال مصر ، وذلك لضمان عدم زوال العرش . ومع هزيمة الثوره العرابيه بإحتلال مصر تم القبض على كل من ثار لكرامة هذا الوطن وتمت محاكمتهم وتراوحت الأحكام ما بين السجن وبين النفى خارج الوطن وكان نصيب عرابى النفى بعيدا عن وطنه ولسنوات طوال .
ولكن جحافل الظلام من دعاة الإحتلال الخونه أذناب النظام لم تقف عند هذا الحد ، فطبقا لما رود بكتاب "عرابى المفترى عليه " _ " فقد كان دعاة الإحتلال وألسنته يلقون فى روع الناس أن حركة عرابى لم تكن إلا عصيانا أهوج بعثه الطمع الشخصى  ، وأنه لولا أن تداركت إنجلترا البلاد من فوضى هذا العصيان الاحمق للحق بها الهلاك " " وبثوا فى أذهان ناشئة الجيل الذى أعقب الإحتلال أن عرابى هو سبب النكبه ، وأن هوجة عرابى هى التى جلبت الإحتلال " ومما يؤسف له حقا أن بعض المصريين الذين كانوا يحسبون على النخبه التى ساندت الثوره فى الظاهر من أجل مصالحهم ، قد تنكروا لعرابى وجحدوا فعله بل زادوا أن تطالوا عليه أملين فى رضاء الخديوى والإحتلال ، ومنهم الشاعر أحمد شوقى الذى تربى فى قصر الخديوى كحفيد لإحدى الوصيفات ، والذى نال من شرف وسمعة عرابى واصفا إياه قائلا :

صغار فى الذهاب وفى الإياب ... أهذا كل شأنك يا عرابى
عفا عنك الأباعد والأدانى    ... فمن يعفو عن الوطن المصاب
فماذا يعلم الأحياء عنا    .... إذا ما قيل عاد لها عرابى
وهاهى الأيام تدور ، وينال ثوار 25 يناير ما ناله عرابى وصحبه الأحرار ، من حمله مماثله من التشويه والإنكار والجحود لدورهم الرائد فى الأطاحه بنظام ظالم مخاصم للعصر ، من نخبه ظنت وهما أنها قادره على أن تطوع الثوره لتحقيق ما فشلت فيه على مدار السنوات الطوال ، ولكن ما أن هدأت الثوره ولم تحقق كل ما أرادت ، حتى رجعوا إلى أدوارهم القديمه التى ألفوها من السجود تحت أقدام الحكام حتى ينالوا الرضا ، مقدمين ولاءات لم تطلب منهم ، واصفين الثوار بكل نقيصة ، بدءا من الخيانه وصولا للعماله . لذلك لا تعجبوا إذا رأيتموهم يتفاخرون بأحفاد دعاة الإحتلال من رجالات سلطه النظام السابق .
ولكن أيها الشباب لا يتملكن منكم اليأس فى التغيير ، فقد ظن عرابى باشا أنه قد هزم ولم يعد أحد يتذكره لما لاقاه من جحود وإنكار ، ولكن يوم وفاته خرجت الألاف من جموع الشعب تودع زعيمها ،فى مشهد ظن المحتل وأذنابه أن دعايتهم قد أتت أكلها وأن الشعب قد كفر بالثوره ، ولكن الشعب أعلنها صريحة أن عربى وإن هزم عسكريا لكنه لم يهزم فى عيون وقلوب شعبه ، وأنتم كذلك لم ولن تهزموا فى عيون الشعب مهما فعل أذناب السلطه ، يا أطهر وأشرف من أنجبت مصر ، ولا عزاء لنخبه خائنه .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...