الجمعة، 24 ديسمبر 2021

كمال وجوده (13)




 

بقلم / ياسر رافع

قبل الإفطار ببضع دقائق ، وبينما يمشى " كمال " متجها ناحية البيت ، يحمل فى يديه بعض المشتروات والعصائر لزوم الإفطار ، لمح من بعيد " جودة " يركب دراجه نارية  وراء السائق ، ويحمل أكياس بها علب بيضاء اللون ، وفجأة تمر الدراجه بجانبه ويرتفع صوت " جودة " ، " السلام عليكم يا كمال " ، فيرد عليه " كمال " ، " وعليكم السلام ما تيجى يا واد ياجوده تفطر معايا النهاردة " ، ولكن سرعة الدراجه الناريه جعلت من تكملة الحوار ضرب من المستحيل .
بعد أن أتم " كمال " صلاة العشاء ، نادى إمام المسجد لصلاة التراويح ، وبينما يقف " كمال " فى الصف ، فلمح من بعيد " جوده " يقف ويستعد هو الآخر للصلاة ، دقائق معدوده مرت سريعا وأنتهت صلاة التراويح طبقا لتعليمات وزارة الأوقاف ، وبينما يهم " كمال " بالخروج من المسجد ممسكا حذاءة بيده ، فنادى عليه " جوده " من وراءة يشير إليه بأن ينتظرة خارج المسجد ، لحظات ثم خرجا من المسجد وألتقيا يسلمان على بعضهما البعض ...
كمال : حرما يا جوده ..
جوده : اللهم آمين ، يوعدنا ربنا أنا وإنت بزيارة الحرم وقبر الرسول (ص)
كمال : اللهم آمين ، بس قبل الفطار ناديت عليك تفطر معايا وأنت راكب الموتوسيكل ، وشايل الشنطه البلاستيك الكبيرة ..
جوده : معلهش أصلى كنت مستعجل علشان أوصل علب الأكل للفقراء ، ربنا يتقبل منا
كمال : ربنا يتقبل منك صالح الأعمال ويبعد عنك الرياء

هنا نظر " جوده " إلى " كمال " شذرا وتوقف عن السير ،

جوده : أنا شامم ريحة تريقه فى كلامك يا كمال
كمال : ولا تريقه ولا حاجه ، دا أنا بدعيك ، متزعلش
جوده : لا أنا الحمد لله ، ماليش فى الرياء والكلام الفاضى دا ،

وبينما يواصلان السير ناحية المقهى كعادتهم بعد الصلاة فى رمضان ، تبادلا السلامات والتحيات مع المارة فى الشارع ، حتى وصلا إلى المقهى ، وبينما يجلسان نادى أحد الجالسين عل " جودة " قائلا " يا شيخ جوده بكرة إن شاء الله نتقابل علشان هنوزع وجبات على الناس الغلابه " ، فرد عليه " جوده " مبتسما " إن شاء الله حاضر " .... ثم جلس بجوار " كمال " ...
كمال : هههههههههههه شيخ جوده ، من إمتى الموضوع دا يا مولانا
جوده : إنت هتتريق يا كمال ، إتلم فى ليلتك دى ، أنا لسه مصلى ومش عاوز أفقد الثواب
كمال : فوق ياد دا أنا كمال ، إنت نسيت ولا إنت فاكر نفسك بقيت شيخ علشان وزعت وجبتين
جوده : هههههههههههه وجبتين يا جاهل ، دا أنا بوزع بالعشرات والمئات ..
كمال : ههههههههههه بالعشرات والمئات ، وبقيت تتكلم بالفصحى كمان ، ماشى
جوده : أقولك إيه بس ، أصل إنت مش متابعنى على الفيس بوك ، ومتابع اللى أنا بعمله
كمال : ههههههههه خير ، إوعى تقولى إنك بتوزع وجبات إلكترونيه
جوده : هههههه جاهل ، دا أنا بنشر كل اللى بعمله على الفيس بوك ،
كمال : بتنشر إيه ، مش فاهم ؟!
جوده : مثلا بنشر صورالوجبات اللى إحنا وزعناها على الفقراء ، وكمان صور التبرعات ...
كمال : دا كدا ناقص تتصور مع الفقير سيلفى ..
جوده : بطل يا كمال شغل اللوع دا ، يعنى لا منك ولا كفاية شرك ..
كمال : تصدق يا جودة ، لولا إنى عارفك وعارف طيبة قلبك كنت شتمتك
جوده : ليه يا عم هوا أنا بعمل حاجه غلط  ..
كمال : لا مش غلط ، ولكنه مظهرى أوى

هنا وقف صبى المقهى ، قاطعا حديثهما ، يسألهم ماذا يشربان ، فطلب جودة " كوباية شاى كبيرة شاى تقيل سكر خفيف " ، وطلب كمال " إزازة حاجه ساقعه بيبسى مش كوكا كولا "  ، ثم مضى ينادى على المشروبات من البوفيه ...

جوده : كمل لى بقى يا عم كمال ، مظهرى يعنى إيه ؟
كمال : إسمع يا سيدى ، إنت تعرف إن قبر الرسول (ص) ، بيحرسه آغوات
جوده : ههههههههههه مش أنا بقول إنك قربت تكفر
كمال : ههههههههههه عارفهم ولا مش عارفهم
جوده : أيوه يا عم ، مش دول اللى بيسموهم الخصيان ، بس إنت أكيد بتهزر يا كمال
كمال : والله مش بهزر
جوده : الله يخرب بيت عقلك ، يا ابنى الكلام اللى بتقوله دا حرام وعيب !!

هنا ظهر صبى المقهى ، وبدأ يضع المشروبات على المنضده ، أتبعها بجمله " أى خدمة تانى يا بشوات " فأشار له " كمال " بعدم وجود أى شئ آخر ...

كمال : إشرب شايك يا شيخ جودة وأسمعنى ، وساعتها هتعرف العيب والحرام فين
جوده : ههههههههه قول ، بس متغوطش فى الكفر أوى ، علشان إحنا فى رمضان
كمال : ههههههههههه ماشى ، فى أيام الرسول (ص) كان فيه ناس إسمهم أهل " الصفه " كانوا فقراء مهمتهم نظافة المسجد النبوى والعناية به ، المهم راحت أيامهم وعلى أيام الخليفه معاوية بن أبى سفيان ظهرت فكرة حراسة قبر الرسول (ص) ، ومع إختلاف الروايه حول بداية الفكرة ، هل الخليفه معاوية أم الأميرعماد الدين الزنكى أيام الصليبيين الذى رأى رؤيا تقول بأن هناك من يريد هدم وتدنيس قبرالرسول (ص) ، وبعيدا عن ترجيح كفة الخصيان من عدمها ، إلا أن الرأى الراجح أن الخصيان هم الأولى برعاية القبر بسبب إنقطاع الشهوات ويصبحون متفرغين لرعاية ونظافة وحراسة القبر .
جوده : ههههههههههه واد يا كمال ، إنت بتتكلم بجد ولا بتألف
كمال : ههههههههههه سيبنى أكمل ، المهم مرت السنوات الطويله والخصيان بدأوا يتكاثروا ....
جوده : مش أنا قلت إنك بتألف ، خصيان إية يا كمال اللى هيتكاثروا ...
كمال : إستنى يا جاهل لما تعرف لما أكمل الحكايه ، التكاثر كان بيتم بسبب إن الخصيان كانوا بيختاروا أساسا من الأفارقه المسلمين ، وعليه أصبحت مهنه ، وكان بعض الأفارقه يقومون بإخصاء أولادهم مخصوص لإلحاقهم بالعمل فى الحرم النبوى ، بسبب الأموال الكثيره ، وكانوا عندما يريدون أن يظهروا بمظهر الرجال الأسوياء فبدأوا يتزوجوا من الأرامل والمطلقات الذين لهم أولاد حتى يظهروا بمظهر طبيعى
جوده : هههههههههههه تصدق ملعوبه
كمال : المهم ، فى السبعينيات من القرن العشرين ، السعوديين إعترضوا على إستمرار وجود الخصيان فى الحرم النبوى ، لكن الملك ساعتها أصدر قرار بإستمرار عملهم ، ولكن بعدم الأخذ بالنظام دا بعد موت أخر واحد من الخصيان ...
جوده : يعنى عاوز تقولى إنهم لسه موجودين لحد دلوقتى ..
كمال : أيوه ، وعددهم حوالى ثلاثه على الأكثر ....
جوده : طيب ماشى ، حلوه المعلومه بتاعت الخصيان دى ، لكن إيه علاقته بعمل الخير اللى انا بعمله
كمال : شوف يا جوده ، لو إعتبرنا العمل الخيرى دا هوا قبر الرسول (ص) ، وعاوزين نفعله ونوصل للفقراء كل ما يحتاجونه ، فأكيد هنختار ناس أمناء بعيدين عن المظهرية وحب الظهور يحبون السر أكثر من العلانيه ، صح ولا مش صح ؟!
جوده : تمام ، عندك حق !!
كمال : بطول السنوات ، تغير شكل العمل الخيرى ، وغلب عليه المظهر ، وأصبحت وسائل الميديا والسوشيال ميديا تعكس منافسه وصراع كبير بين القائمين على العمل الخيرى ، لإجتذاب أكبر عدد من المتبرعين حتى ولو تم عرض صور مؤسفه لفقراء يستجدون المساعدات من قبل أعضاء العمل الخيرى أنفسهم ..
جوده : ههههههههههه مش فاهم ،
كمال : أنا عارف إن عندك " إخصاء فكرى " ، علشان كدا هشرحهالك بالبلدى ، زمان كانوا بيختاروا المخصى لكونه إنسان بعيد عن الشهوات والمصالح ومتفرغ للعباده وحراسة قبر الرسول (ص) ، وبمرور الوقت وإمتلاك الفلوس الكثيرة ، بدأ ينظر للمظهر فبدأ يطلب الزواج ويكثر من شراء الممتلكات والسيارات مع إنه لن يورث أحد شيئا بسبب عدم وجود نسل له ، كذلك العمل الخيرى بدأ بناس يحبون الخير والعمل الصالح فى السر والعلانيه بدون إحراج للفقير ، حتى بدأ حب المظهريه والذات يغلب على الأكثريه منهم ، بل أصبح منهم من يمتلك الملايين من الأموال ، ولكن فى النهاية سيبقى حب العمل الصالح فى السر والعلانيه ، وسيبقى قبر الرسول (ص) ، والعمل الخيرى إلى أن تقوم الساعه ، وسينسى كل أصحاب المظاهر والظهور ، كما نسى الناس المخصيين من حراس قبر الرسول (ص) ...
جوده : روح يا شيخ الله يوجع بطنك ، الخير اللى الواحد بيعمله نسفته إنت فى ثانيه
كمال : هههههههههههه ليه بس !! هوا انا قلت لك إعمل فيها مذيع وتفضح الناس
جوده : ههههههههههه خلاص من بكرة ، هحاول أعمل حاجه متحرجش الناس

هنا نادى" كمال " على صبى المقهى يطلب منه الحساب ، وقام هو و" جوده " بدفع ثمن المشروبات ، ثم إستأذن " كمال " من " جوده " أن يقوم ليذهب ليشترى بعض مستلزمات السحور ، فقام " جوده " وأمسك بيده وقال له " تعالى أنا ماشى معاك أجيب سحور للعيال وبالمرة نكمل سوا حوار الخصيان دا ، دا إنت طلعت مصيبه يا كمال "  ،
إنتهت

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

فيلم النوم في الطيبات

  بقلم ياسر رافع  من يتابع قضية الدكتور الراحل " ضياء العوضي" منذ بدايتها وحتى وفاته وإلى الآن، سيجد أننا نعيش حرفيا أحداث فيلم ...