بقلم / ياسر رافع
قبل الإفطار ببضع دقائق ، وبينما يمشى " كمال "
متجها ناحية البيت ، يحمل فى يديه بعض المشتروات والعصائر لزوم الإفطار ، لمح من
بعيد " جودة " يركب دراجه نارية
وراء السائق ، ويحمل أكياس بها علب بيضاء اللون ، وفجأة تمر الدراجه بجانبه
ويرتفع صوت " جودة " ، " السلام عليكم يا كمال " ، فيرد عليه
" كمال " ، " وعليكم السلام ما تيجى يا واد ياجوده تفطر معايا
النهاردة " ، ولكن سرعة الدراجه الناريه جعلت من تكملة الحوار ضرب من
المستحيل .
بعد أن أتم " كمال " صلاة العشاء ، نادى إمام المسجد لصلاة التراويح ،
وبينما يقف " كمال " فى الصف ، فلمح من بعيد " جوده " يقف
ويستعد هو الآخر للصلاة ، دقائق معدوده مرت سريعا وأنتهت صلاة التراويح طبقا
لتعليمات وزارة الأوقاف ، وبينما يهم " كمال " بالخروج من المسجد ممسكا
حذاءة بيده ، فنادى عليه " جوده " من وراءة يشير إليه بأن ينتظرة خارج
المسجد ، لحظات ثم خرجا من المسجد وألتقيا يسلمان على بعضهما البعض ...
كمال : حرما يا جوده ..
جوده : اللهم آمين ، يوعدنا ربنا أنا وإنت بزيارة الحرم وقبر الرسول (ص)
كمال : اللهم آمين ، بس قبل الفطار ناديت عليك تفطر معايا وأنت راكب الموتوسيكل ،
وشايل الشنطه البلاستيك الكبيرة ..
جوده : معلهش أصلى كنت مستعجل علشان أوصل علب الأكل للفقراء ، ربنا يتقبل منا
كمال : ربنا يتقبل منك صالح الأعمال ويبعد عنك الرياء
هنا نظر " جوده " إلى " كمال " شذرا وتوقف عن السير ،
جوده : أنا شامم ريحة تريقه فى كلامك يا كمال
كمال : ولا تريقه ولا حاجه ، دا أنا بدعيك ، متزعلش
جوده : لا أنا الحمد لله ، ماليش فى الرياء والكلام الفاضى دا ،
وبينما يواصلان السير ناحية المقهى كعادتهم بعد الصلاة فى رمضان ، تبادلا السلامات
والتحيات مع المارة فى الشارع ، حتى وصلا إلى المقهى ، وبينما يجلسان نادى أحد
الجالسين عل " جودة " قائلا " يا شيخ جوده بكرة إن شاء الله نتقابل
علشان هنوزع وجبات على الناس الغلابه " ، فرد عليه " جوده " مبتسما
" إن شاء الله حاضر " .... ثم جلس بجوار " كمال " ...
كمال : هههههههههههه شيخ جوده ، من إمتى الموضوع دا يا مولانا
جوده : إنت هتتريق يا كمال ، إتلم فى ليلتك دى ، أنا لسه مصلى ومش عاوز أفقد
الثواب
كمال : فوق ياد دا أنا كمال ، إنت نسيت ولا إنت فاكر نفسك بقيت شيخ علشان وزعت
وجبتين
جوده : هههههههههههه وجبتين يا جاهل ، دا أنا بوزع بالعشرات والمئات ..
كمال : ههههههههههه بالعشرات والمئات ، وبقيت تتكلم بالفصحى كمان ، ماشى
جوده : أقولك إيه بس ، أصل إنت مش متابعنى على الفيس بوك ، ومتابع اللى أنا بعمله
كمال : ههههههههه خير ، إوعى تقولى إنك بتوزع وجبات إلكترونيه
جوده : هههههه جاهل ، دا أنا بنشر كل اللى بعمله على الفيس بوك ،
كمال : بتنشر إيه ، مش فاهم ؟!
جوده : مثلا بنشر صورالوجبات اللى إحنا وزعناها على الفقراء ، وكمان صور التبرعات
...
كمال : دا كدا ناقص تتصور مع الفقير سيلفى ..
جوده : بطل يا كمال شغل اللوع دا ، يعنى لا منك ولا كفاية شرك ..
كمال : تصدق يا جودة ، لولا إنى عارفك وعارف طيبة قلبك كنت شتمتك
جوده : ليه يا عم هوا أنا بعمل حاجه غلط
..
كمال : لا مش غلط ، ولكنه مظهرى أوى
هنا وقف صبى المقهى ، قاطعا حديثهما ، يسألهم ماذا يشربان ، فطلب جودة "
كوباية شاى كبيرة شاى تقيل سكر خفيف " ، وطلب كمال " إزازة حاجه ساقعه
بيبسى مش كوكا كولا " ، ثم مضى ينادى
على المشروبات من البوفيه ...
جوده : كمل لى بقى يا عم كمال ، مظهرى يعنى إيه ؟
كمال : إسمع يا سيدى ، إنت تعرف إن قبر الرسول (ص) ، بيحرسه آغوات
جوده : ههههههههههه مش أنا بقول إنك قربت تكفر
كمال : ههههههههههه عارفهم ولا مش عارفهم
جوده : أيوه يا عم ، مش دول اللى بيسموهم الخصيان ، بس إنت أكيد بتهزر يا كمال
كمال : والله مش بهزر
جوده : الله يخرب بيت عقلك ، يا ابنى الكلام اللى بتقوله دا حرام وعيب !!
هنا ظهر صبى المقهى ، وبدأ يضع المشروبات على المنضده ، أتبعها بجمله " أى
خدمة تانى يا بشوات " فأشار له " كمال " بعدم وجود أى شئ آخر ...
كمال : إشرب شايك يا شيخ جودة وأسمعنى ، وساعتها هتعرف العيب والحرام فين
جوده : ههههههههه قول ، بس متغوطش فى الكفر أوى ، علشان إحنا فى رمضان
كمال : ههههههههههه ماشى ، فى أيام الرسول (ص) كان فيه ناس إسمهم أهل " الصفه
" كانوا فقراء مهمتهم نظافة المسجد النبوى والعناية به ، المهم راحت أيامهم
وعلى أيام الخليفه معاوية بن أبى سفيان ظهرت فكرة حراسة قبر الرسول (ص) ، ومع
إختلاف الروايه حول بداية الفكرة ، هل الخليفه معاوية أم الأميرعماد الدين الزنكى
أيام الصليبيين الذى رأى رؤيا تقول بأن هناك من يريد هدم وتدنيس قبرالرسول (ص) ، وبعيدا
عن ترجيح كفة الخصيان من عدمها ، إلا أن الرأى الراجح أن الخصيان هم الأولى برعاية
القبر بسبب إنقطاع الشهوات ويصبحون متفرغين لرعاية ونظافة وحراسة القبر .
جوده : ههههههههههه واد يا كمال ، إنت بتتكلم بجد ولا بتألف
كمال : ههههههههههه سيبنى أكمل ، المهم مرت السنوات الطويله والخصيان بدأوا
يتكاثروا ....
جوده : مش أنا قلت إنك بتألف ، خصيان إية يا كمال اللى هيتكاثروا ...
كمال : إستنى يا جاهل لما تعرف لما أكمل الحكايه ، التكاثر كان بيتم بسبب إن
الخصيان كانوا بيختاروا أساسا من الأفارقه المسلمين ، وعليه أصبحت مهنه ، وكان بعض
الأفارقه يقومون بإخصاء أولادهم مخصوص لإلحاقهم بالعمل فى الحرم النبوى ، بسبب
الأموال الكثيره ، وكانوا عندما يريدون أن يظهروا بمظهر الرجال الأسوياء فبدأوا
يتزوجوا من الأرامل والمطلقات الذين لهم أولاد حتى يظهروا بمظهر طبيعى
جوده : هههههههههههه تصدق ملعوبه
كمال : المهم ، فى السبعينيات من القرن العشرين ، السعوديين إعترضوا على إستمرار
وجود الخصيان فى الحرم النبوى ، لكن الملك ساعتها أصدر قرار بإستمرار عملهم ، ولكن
بعدم الأخذ بالنظام دا بعد موت أخر واحد من الخصيان ...
جوده : يعنى عاوز تقولى إنهم لسه موجودين لحد دلوقتى ..
كمال : أيوه ، وعددهم حوالى ثلاثه على الأكثر ....
جوده : طيب ماشى ، حلوه المعلومه بتاعت الخصيان دى ، لكن إيه علاقته بعمل الخير
اللى انا بعمله
كمال : شوف يا جوده ، لو إعتبرنا العمل الخيرى دا هوا قبر الرسول (ص) ، وعاوزين
نفعله ونوصل للفقراء كل ما يحتاجونه ، فأكيد هنختار ناس أمناء بعيدين عن المظهرية
وحب الظهور يحبون السر أكثر من العلانيه ، صح ولا مش صح ؟!
جوده : تمام ، عندك حق !!
كمال : بطول السنوات ، تغير شكل العمل الخيرى ، وغلب عليه المظهر ، وأصبحت وسائل
الميديا والسوشيال ميديا تعكس منافسه وصراع كبير بين القائمين على العمل الخيرى ،
لإجتذاب أكبر عدد من المتبرعين حتى ولو تم عرض صور مؤسفه لفقراء يستجدون المساعدات
من قبل أعضاء العمل الخيرى أنفسهم ..
جوده : ههههههههههه مش فاهم ،
كمال : أنا عارف إن عندك " إخصاء فكرى " ، علشان كدا هشرحهالك بالبلدى ،
زمان كانوا بيختاروا المخصى لكونه إنسان بعيد عن الشهوات والمصالح ومتفرغ للعباده
وحراسة قبر الرسول (ص) ، وبمرور الوقت وإمتلاك الفلوس الكثيرة ، بدأ ينظر للمظهر
فبدأ يطلب الزواج ويكثر من شراء الممتلكات والسيارات مع إنه لن يورث أحد شيئا بسبب
عدم وجود نسل له ، كذلك العمل الخيرى بدأ بناس يحبون الخير والعمل الصالح فى السر
والعلانيه بدون إحراج للفقير ، حتى بدأ حب المظهريه والذات يغلب على الأكثريه منهم
، بل أصبح منهم من يمتلك الملايين من الأموال ، ولكن فى النهاية سيبقى حب العمل
الصالح فى السر والعلانيه ، وسيبقى قبر الرسول (ص) ، والعمل الخيرى إلى أن تقوم
الساعه ، وسينسى كل أصحاب المظاهر والظهور ، كما نسى الناس المخصيين من حراس قبر
الرسول (ص) ...
جوده : روح يا شيخ الله يوجع بطنك ، الخير اللى الواحد بيعمله نسفته إنت فى ثانيه
كمال : هههههههههههه ليه بس !! هوا انا قلت لك إعمل فيها مذيع وتفضح الناس
جوده : ههههههههههه خلاص من بكرة ، هحاول أعمل حاجه متحرجش الناس
هنا نادى" كمال " على صبى المقهى يطلب منه الحساب ، وقام هو و"
جوده " بدفع ثمن المشروبات ، ثم إستأذن " كمال " من " جوده
" أن يقوم ليذهب ليشترى بعض مستلزمات السحور ، فقام " جوده " وأمسك
بيده وقال له " تعالى أنا ماشى معاك أجيب سحور للعيال وبالمرة نكمل سوا حوار
الخصيان دا ، دا إنت طلعت مصيبه يا كمال "
،
إنتهت
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه