الجمعة، 24 ديسمبر 2021

مصر والطريق للحرب على ضفاف النيل




بقلم / ياسر رافع

بعد هزيمة يونيو وتحديدا فى العام 1968 ، وفى المؤتمر القومى الطارئ للإتحاد الإشتراكى التنظيم السياسى الوحيد فى مصر آنذاك ، تحدث الرئيس " جمال عبدالناصر " فى جلستة العامة عن كل التفاصيل الخاصه بالعمل الوطنى والوضع الداخلى والخارجى وبالطبع تناول ماحدث وما سيحدث بعد هزيمة يونيو ، حيث تحدث صراحة عن أن حرب يونيو 1967 هى هزيمة أمام إسرائيل دون إستخدام مصطلح " النكسة " الذى شاع بعد الهزيمة ، ولكنه بوضعه مصطلح الهزيمة مكان النكسة ، كان يريد إيصال رساله خاصة ، حيث قال إن إسرائيل هزمتنا عسكريا لكنها لم تكسب الحرب السياسية والإعتراف منا بها وبما تفعله ، إنها تريد نظاما جديدا يقر بوجودها عبر إتفاقيات سياسية موقعه منا ، حتى ترجع لنا أرضنا ، ولكننا لن نوقع ، ومضى يحدد طبيعة مصر كشعب ونظام ، فقال " نحن نريد السلام ولكن السلام بعيد ، ونحن لا نريد الحرب ولكن الحرب من حولنا ، وسوف نخوض المخاطر مهما كانت دفاعا عن الحق والعدل " .
بعد إنتهاء أزمة السفينة الجانحة فى مجرى قناة السويس ، وإثبات قدرة المصريون على إدارة القناة بعدما توقفت حركة الملاحة فى أهم مجرى ملاحى فى العالم ، وقف الرئيس المصرى " عبد الفتاح السيسى " فى مؤتمر صحفى وفى الخلفية مجرى قناة السويس ، ليعلن للعالم إنتهاء أزمة الملاحة فى القناة ، وليعلن أن مصر قادرة على إدارتها ، ولكنه تعقيبا على سؤال موجهه إليه عن سد النهضه الأثيوبى ، قال " نحن لا نهدد أحدا ولكن لا يستطيع أحد أخذ نقطة مياة من مصر ، وإلا ستشهد المنطقة حالة من عدم الإستقرار لا يتخيلها أحد ومن يريد أن يجرب فليتفضل " ، و " محدش يتصور أنه يقدر يبقى بعيد عن قدرتنا "  و " انا مبهددش حد وعمرنا ما هددنا وحوارنا رشيد جدا "  و " نسعى للحصول على حقنا فى مياة النيل لا أكثر ، هناك تحرك إضافى خلال الأسابيع المقبله عبر المفاوضات " .
تشابهت الحوادث وأختلفت طبيعتها بين ناصر والسيسى ، وأتفقت رؤيتهما على تحديد طبيعة حركة مصر نحو درأ العدوان ، نريد السلام ولكن لا سلام ، نريد التفاوض ولكن لا تفاوض ، لا نريد الحرب لكن الحرب من حولنا فى الحالتين . فما العمل !؟ الحرب .
......................................................................................
كما فى مظاهرات الطلبه 1972 التى كانت تطالب بالحرب وترى فى سلطة الرئيس السادات تقاعسا عن الحرب وعودة الأرض المحتلة ، تساءل الشارع المصرى حاليا عن مدى تقاعس نظام الرئيس " عبد الفتاح السيىسى " عن ضرب سد النهضة ، ولكن التساؤل لم يجد إجابة ، لأن الإجابه ببساطه تتعلق بحدود وطبيعة الصراع وحدود القدرة ، فمع بداية أزمة سد النهضة كانت مصر تمر بفترة من عدم الإستقرار بسبب أحداث ثورة 25 يناير 2011 ، وهو ما جعل مصر تنكفأ على نفسها فى محاولة لترتيب البيت الداخلى ، ومع مرور السنوات برزت للسطح أزمات وجودية فى الصراع حول المنطقة ، فلأول مرة فى التاريخ المصرى تصبح مصر مهددة من أركانها الأربعة مرة واحدة ، فالشمال صراع حوال غاز المتوسط كاد ان يشعل حربا إقليميه ناهيك عن الخلاف المصرى التركى ، والغرب والصراع الليبيى الذى تحول لحرب أهلية إستدعت وجود قوات أجنبية وإقليمية جعل من مصر مستنفرة عسكريا ومستعدة للتدخل ، والشرق بطبيعة الحال تقبع إسرائيل ومن وراءها محيط إستراتيجى مهلل يهدد مصر، والجنوب وسد النهضة الأثيوبى الذى يهدد الوجود المصرى والحياة نفسها ، وفى خضم هذة الأحداث تمادت أثيوبيا فى بناء السد ومراوغة فى المفاوضات ، الأمر الذى إستدعى بعد عشر سنوات أن تعلن مصر ضمنا أن الحرب ستكون هى الحل فى حال فشلت المفاوضات .
إستقرت الجبهتين الشمالية والغربية وهناك مسارات للحل خففت العبء عن القيادة المصرية ، ناهيك عن تعاون النظام السودانى الجديد ، ولكن غياب المفاوضات الجادة مع أثيوبيا جعل من السلام على ضفاف النيل محل شك ، طرف " مصر والسودان " يريد السلام ، وطرف " أثيوبيا " لا يريد السلام ، والجميع لا يريد الحرب لكن الحرب تحوم حول الجميع ، وأن خوض مخاطر الحرب سيصبح أمرا واقعيا دفاعا عن الحق والحقوق فى مياة النيل .
فهل تستطيع مصر أن تضرب سد النهضه ! أم ستشعل حربا لا طائل منها ؟!
......................................................................................
فى الميزان العسكرى الجيش المصرى أقوى من الجيش الأثيوبى تدريبا وتسليحا ، لكن مصر قابلها فى بداية الأزمه عاملين جعلا من اللجوء للمفاوضات طريقا إضطراريا ليعطى فاصلا زمنيا تحتاجه مصر لترتيب أوضاعها .
العامل الأول : هو أن أثيوبيا دولة حبيسه جغرافيا ، لا تستطيع مصر أن تشتبك معها مباشرة ، أو أن تقوم بقصف سد النهضه إلا إذا تدخل طرف ثانى مساند لها ، وهو طرف لن يخرج عن إريتريا التى تردد فى بعض الأيام أن مصر تريد قاعدة عسكرية بها ، والطرف السودانى وهو الأحق والأقرب جغرافيا وله مصالح فى ضرب السد ولكن نظام " البشير " كان مراوغا ، حتى سقط وجاء النظام الإنتقالى بقيادة " البرهان " وتلاقت المصالح وأصبح هناك موطئ قدم بجوار السد تنطلق منه العمليات العسكريه
العامل الثانى : وهو تساؤل عريض ، هل تمتلك مصر القدرات العسكرية والتكنولوجيه لضرب السد ؟ ، وهو تساؤل أجابت عنه مصر عبر السنوات الماضية ، بعقد صفقات تسليح نوعيه أضافت لها نوعيه من الأسلحه جعلت ذراعها أطول ، مثل صفقات طائرات الرافال ، والميج 29 ، والسوخوى 35 ، وتلك طائرات ذات مدى كبير وتحمل ذخائر ذات طبيعه خاصه مثل الصاروخ " سكالب " الخاص بضرب التحصينات والسدود ، وغيرها من الأسلحة التى إن نقلت إلى جوار السد ستحدث فارقا هائلا ، ما كان ليكون لولا التغير النوعى لطبيعة التسليح المصرى ، أو لربما إحتاج الفارق لشكل مختلف من السلاح .
ومع الإستعداد المصرى للحرب ، هل تحسبت القاهرة لسيناريوهات ما بعد إنطلاق العمليات العسكرية ؟
.....................................................................................
بعد إنطلاق العمليات العسكرية من المؤكد أن الوقوف عند التداعيات وحصرالخسائر بين أطراف الصراع فقط هو ضرب من المستحيل ، حيث تحتل منطقة القرن الإفريقى مكانه خاصه فى الإستراتيجيات العسكرية للدول الكبرى ، وهو ما ينذر بتدخل دولى ربما يتحول لحرب بين الدول الكبرى خاصة وأن أمريكا مثلا لا تريد للنفوذ الصينى فى شرق افريقيا أن يتمدد ، وكذلك بالنسبه للنفوذ الروسى ،
المنطقه تحمل بين جنباتها أكثر من قاعدة عسكرية لدول متعددة ، أمريكا وبريطانيا وفرنسا والصين وإسرائيل والإمارات ، وبالتالى مع إندلاع الحرب ستتقاطع المصالح ويصبح أمن المنطقه كلها فى خطر وخاصة أمن الخليج الهش بطبيعته ، ناهيك عن الصراع الداخلى فى دول القرن الأفريقى والتى مرشحه لإندلاع حروب أهليه تنتظر فقط الظروف المناسبه ، فوق هذا وذاك سيصبح ضرب سد النهضه سابقة عالمية خطيرة وستدشن أولى الحروب على المياة ، وستعطى الذريعه لأكثر من أربعون دوله بين بعضها البعض مشاكل على المياة لتسوية نزاعاتها على الحقوق المائيه عن طريق الحرب .
إذا أليس هناك طريق لحل أزمة سد النهضة بعيدا عن الحرب ؟!
....................................................................................
حل الأزمه فى يد أثيوبيا التى عليها أن تدرك أن مصر التى أقرت بهزيمتها العسكرية أمام إسرائيل كسبت المعركة السياسية مما مكنها من إمتلاك القدرة وأنتصرت فى حرب أكتوبر 1973 ، وأن مصرعندما أقرت بأحقيتها ببناء السد إعتبرتها هى إنتصارا على الأرض لكنها كما إسرائيل خسرت المعركة السياسيه أمام العالم ومع إمتلاك القدرة العسكرية المصريه فخسارة أثيوبيا لسد النهضه أصبحت تلوح فى الآفق لا يملك التحكم فى توقف ساعتها الرمليه إلا أثيوبيا ذاتها .
مصر تريد السلام ، مصر لا تريد الحرب ، لكن إنتقاص حقها فى المياة سيجعل أثيوبيا تتحمل عبء إشعال الحرب ، وأن تجعل السلام على ضفاف النيل بعيد المنال ربما لعشرات السنين القادمه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...