بقلم / ياسر رافع
تحل علينا ذكرى ثورة 23 يوليو 1952 هذة الأيام معلنة
مرور ستعة وستون عاما على خروج الجيش المصرى من ثكناته معلنا إنتهاء عهد الملكيه
وبداية عصر الجمهورية !! ولكن فى هذة السنه يبدوا أن تغيرا جذريا قد وقع فى سياق
الحياة المصرية ليجعل من الحديث عن ثورة 23 يوليو يختلف عن سياقاته الماضية
والمستمرة منذ ما يربوا على السبعين عاما ، من تراشق وتراشق مضاد من كلا الجانبين
المتفقين والمختلفين حول ماهية ثورة 23 يوليو فى مقابل العهد الملكى ؟!
وهذا الحدث السياسى الجديد هو صك شعارعرف " بالجمهورية الجديدة " من قبل
النظام السياسى المصرى الذى آتى بعد ثورة 25 يناير و30 يونيو ، فى محاولة لتدشين
أو إعلان شكل سياسى وإقتصادى وإجتماعى جديد ، مما يقطع بأن الحديث عن ثورة 23
يوليو سيختلف حتما هذة المرة . لماذا ؟!
...................................................................................
لقد كان إعلان بيان الجيش يوم 23 يوليو 1952 ، قاطعا بأن إنقلابا عسكريا قد وقع فى
مصر ، وأن نهاية العصر الملكى قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى ، وأن البيان راهن فى
كلماته على " أن مصر كلها (الشعب) ستتلقي هذا الخبر بالإبتهاج والترحيب
" ، وقد صدق المصريون البيان وتفاعلوا معه وساندوه ، مما جعل موقف الجيش
يزداد قوة فى مقابل الملك ورجاله والإنجليز وقوة رجال الإقطاع .
وقد تسارعت الإحداث وسقط النظام الملكى ، وأعلن النظام الجمهورى بقيادة الضباط
الأحرار ، ولكن فى غمرة الشعور بنشوة الإنتصار الغير متوقع نجاحه بهذا القدر
الباهر ، يبدوا أن هناك من فطن لتوصيف ما قام به الجيش ، وقام بصك تعريفات لتبدوا
قريبه من الشعب ، خصوصا وأن الضباط الأحرار راهنوا منذ اللحظة الأولى على إلتفاف
الشعب حولهم ، ومنها " الحركة المباركه " على سبيل المثال ، ولكن تم
إعتماد مصطلح " ثورة 23 يوليو " ليكون عنوان ماقام به ضباط الجيش من أجل
التغيير .
ولكن مع مرور عشرات السنوات لا زال هناك من يستهك نفسه ووقته فى محاولة تعريف ما
حدث يوم 23 يوليو 1952 ، هل هو إنقلاب أم ثورة ؟! ولكننى أميل لكونه ثورة ....
لماذا ؟
.................................................................................
إن الثورات تقوم على مبادئ ، ومفكرين ينظرون لها ، وقادة يقودونها نحو النصر
والتغيير ، وهذا ينطبق على الثورة الفرنسيه فى فرنسا ، والثورة البلشفيه فى روسيا
، ولكنه لا ينطبق بالتأكيد على الثورات الشعبيه التى تكون أشبه بالإنتفاضات التى
تحمل مطالب مشروعه لكن تفتقر للتنظيم والإطار الفكرى ، بل تفتقر لقائد جامع تلتف
حوله الجماهير . وتلك الثورات الشعبيه هى السائد فى التاريخ المصرى إذا إستثنينا
" الثورات المسلحه " لقطاعات سكانيه معينه ضد سلطة الحكم فى
العاصمه ، وبالتأكيد ثورة 25 يناير فى مصر
ليست إستثناءا من هذا التحليل .
وعليه فإن الثورة عندما تحكم فإنها تعمل على خلق حالة مفاصله تاريخيه بين الماضى
والحاضر ، والعمل على تغيير مجرى نهر الحياة فى إتجاة آخر يعزز مكانتها ورؤيتها
تجاة تغيير المجتمع ، وعليه فإن الحديث عن ما جرى فى 23 يوليو 1952 من أنه ثورة أم
إنقلاب ؟ يصبح حديثا مختلطا يجب التدقيق فيما حدث بدقه لتبيان الفارق الضئيل بين
الثورة والإنقلاب .
إن ما يجمع حركة الضباط الأحرار بمنطق الثورات ، هو المبادئ السته التى أعلنوها
كإطار جامع ، وقادة قادرون على تنفيذ الوعود ، لكن الحركه كانت تفتقر لإطار فكرى
ومنظرين فى الداخل الشعبى سرعان ما تجاوزته بإلتفاف الشعب حول الجيش ، وعليه يصبح
الشق الثانى من الثورة هو الأهم للحكم عليها ألا وهو ما الذى حدث لنؤكد أن ما حدث
قد تحول لثورة ممتدة غيرت مجرى نهر الحياة فى مصر ؟
مع ترتيب البيت الداخلى فى بدايات حركة الضباط الأحرار ، بدأت تغييرات كبرى تنذر
ببداية عهد جديد كليا ، فقد تم إنهاء النظام الملكى وإعلان النظام الجمهورى لأول
مرة فى التاريخ المصرى ، وحل الأحزاب السياسيه وإستبدالها بحزب واحد وهو الإتحاد
الإشتراكى ، وجرى إنهاء النظام الإقتصادى القائم على الإقطاع الزراعى وإستبداله
بالنظام الإشتراكى ، كما أعلن لأول مرة منذ ما يربوا على القرنين والنصف من حكم
الأجانب لمصر منذ إنهيار الدوله الفرعونيه القديمة عن تولى المصريين دفة الحكم بعد
تلك الفترة الطويله وذلك مع الإنتهاء الفعلى لجلاء القوات الإنجليزيه المحتله لأرض مصر.
ثم بدأت عملية التحديث تطال كل القطاعات حتى كان الحدث الأبرز فى التاريخ المصرى
الحديث وهو تكون طبقه متوسطه مصرية لأول مرة فى التاريخ فى حجم مساحتها المجتمعيه
ودورها المؤثر فى الحياة المصرية على كافة الأصعدة .
ومن هنا يصبح الجدل حول فكرة الإنقلاب أو الثورة ، هو عقم فكرى وتكلس لأناس لا
تريد أن تسمع أو ترى أو تقرأ أو تبحث عما جرى قبل وبعد يوم 23 يوليو 1952 ، لقد
حدثت المفاصله بين عهدين ونظامين وعالمين مختلفين ، ولم يعد الماضى قابلا للتكرار
، ولكن هل لا زالت ثورة يوليو صالحه حتى بعد قيام ثورة 25 يناير و30 يونيو ويكون
الحديث عن جمهورية جديدة بمثابة إستكمال لها ؟ أم أن الجمهورية الجديدة بدايه
جديدة ومختلفه ؟!!
...................................................................
مما لا شك فيه أن شرعية ثورة 23 يوليو سقطت بعد نكسة 1967 ، وسقط مشروعها السياسى
داخليا وخارجيا ، وهذا على لسان منظرها الأول الكاتب الأستاذ " محمد حسنين
هيكل " ، وهو ما أكده الرئيس " عبد الفتاح السيسى " عندما أشار إلى
تدهور الدوله المصرية سياسيا وإجتماعيا وإقتصاديا قائلا " بأنه ليس هناك دوله
بل شبه دوله بعد نكسة 67 " ، مما يقطع الطريق حتى على أنصار دولة يوليو بأنها
لا زالت موجودة وراسخه بل إنها تحكم لمجرد إستمرار قادة الجيش فى حكم مصر وهذا ليس
صحيحا بالمرة .
إن ما يؤكدة الرئيس المصرى " عبد الفتاح السيسى " على قيام " جمهورية
جديدة " يجعلنا نتساءل حول ماهية تلك الجمهورية !! وماهى أبرز ملامحها ؟
من المؤكد أن الحديث عن شكل مكتمل للجمهورية الجديدة هو شئ غير منطقى ، ولكن
نستطيع أن نتلمس بعضا من جوانبها ، فالرئيس " السيسى " يبدوا أنه معجب
بالتجربة الإقتصاديه للرئيس " عبد الناصر " ولكن ليس بإشتراكيتها بل بشكل
رأسمالي بمفهوم التنميه الشامله والتى
تطال كل مناحى الحياة فى مصر ، ولكنه يعتب على عدم وجود منظومه إعلاميه كما قال
سابقا " عبد الناصر محظوظ بإعلامه " تسانده ، ربما لعدم وجود إطار فكرى
معين يحدد ملامح وشكل الحكم . الحديث عن ثورة شعبيه ساندها الجيش فى 30 يونيو 2013
ليس مصوغا لقيام مشروعيه لجمهورية جديدة إلا إذا غلفت بإطار فكرى يحدد ملامحها
وطريقه تعاطيها مع الداخل والخارج .
النظام الإقتصادى للجمهورية الجديدة فى حال إكتماله سيعد مفاصله تاريخيه مع نظام
23 يوليو ، بين النظام الإشتراكى والنظام الرأسمالى ، وبالتالى سيحدث تغير إجتماعى
بدأت بوادرة فى الظهور متمثلة فى تآكل الطبقه المتوسطة حتى تنتهى وطأة التغيير من
النظام الإشتراكى للنظام الرأسمالى وتتشكل ملامح المجتمع النهائيه ولسنوات قادمه .
وكذلك النظام السياسى الذى يبدوا أنه يماثل تجربة ثورة يوليو لكنه بالتأكيد لن
يتكرر بسبب عدم معقولية التكرار فى أزمنه سيادة التكنولوجيا المعرفيه ، وهو بعد ما زال فى طور التشكل .
وعليه فإنه على الرغم من عدم إكتمال الشكل النهائى لما يعرف " بالجمهورية
الجديدة " للنظام المصرى الحالى ، إلا أنه بالقطع لن يكون إمتداد لثورة 23
يوليو 1952 ، وعليه فإن الإحتفال بتلك الثورة لن يعدوا كونه تذكيرا وتعريفا للأجيال
الحاليه بمن قام بإنشاء أول جمهورية فى
التاريخ المصرى
............................................
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه