بقلم / ياسر رافع
تعالت الأصوات الشعبية فى كلا من مصر والسودان بالمطالبه
بعمل عسكرى يتم بموجبه هدم سد النهضه من أجل ضمان جريان مياة النيل الذى يغذى
الملايين من الناس فى مصر والسودان ، لكن على المستوى العسكرى لم تصدر تأكيدات
بعمل عسكرى من قبل الدولتين بل وأفسحتا المجال على إتساعه لكل الجهود الدبلوماسيه
والسياسيه من أجل التوصل لحل سلمى يجنب دول حوض النيل ويلات الحروب ، وإن كانت
المناورات العسكرية بين مصر والسودان ، والإتفاقات العسكرية المصرية مع دول الجوار
الأثيوبى أعطت إشارات لا تخطأها العين للجانب الأثيوبى أنه فى حال فشلت
الدبلوماسية والحلول السياسية للأزمة فحتما اللجوء للسلاح سيصبح أمرا لا مفر منه .
ولكن تأتى تصريحات الجنرال الأثيوبى " بوتا باتشاتا " مدير إدارة
الهندسة بالجيش الأثيوبى ، لتدفع بسقف التحدى الأثيوبى إلى حدود الإستعداد للحرب ،
ففى تصريحات وصفتها مصر بالإستفزازية صرح قائلا " مصر والسودان لن تستطيعا حل
مشكلة سد النهضه عسكريا ، لأنه لا يمكن تدمير السد بقنابل الطائرات المقاتلة ، وهم
يعرفون أن السد متين " ، وكذلك " نأمل بحل مشكلة السد من خلال النقاش
وقد بدأت حكومتنا المرحلة الثانية من ملء السد ، ومتى إنتهت هذة المرحلة سيكون كل
شئ آمنا وسيأتى الجميع لبحث مقترحات تقاسم المياة ، ليس بناء السد وإنما كيفية
تقسيم المياة " ، وأضاف قائلا " أن الجيش الأثيوبى مستعد لصد أى عدوان
يحاول تقويض سيادتنا ونحن جاهزون للدفاع " .
فى المقابل خرج وزير الخارجية المصرى " سامح شكرى " ليرد على تصريحات
الجنرال الأثيوبى قائلا " تصريحات إستفزازية ، ونحن نعلم ما هى مصلحة مصر وحقوقها
وحقوق الشعب المصرى وكيفية الدفاع عنها بكل الطرق " ، وأضاف " نلجأ لكل
الأجهزة والآليات الدولية ، وهذا لا ينفى بأن لدينا القدرة والإصرار على عدم
الإضرار بمصلحة الشعب المصرى ، وفى حال وقوع الضرر لن تتهاون الدولة المصرية فى
الدفاع عن مصالح شعبها "
ما بين " عدم إستطاعة " الجنرال الأثيوبى ، وبين " قدرة "
وزير الخارجية المصرية ، تكمن معضلة الأزمة الحالية لسد النهضة حيث بدأت سحب الحرب
تتجمع لتنذر بواقع جديد ربما تمتد تداعياته لسنوات طويلة قادمه . فهل تستطيع مصر
عسكريا ؟ وهل لديها القدرة على فعل ذلك ؟
...........................................................................................
تعرف القدرة على أنها أعم من الإستطاعه ، لأن الإستطاعه " إنطباع الجوارح
للفعل " أما القدرة " هى ما أوجب كون القادر عليه قادرا " ، ولهذا
فالإستطاعه أخص من القدرة وكل مستطيع قادر وليس كل قادر مستطيع .
من هذا المنطلق تشابهت الحوداث والأحداث الحاليه مع أحداث ما قبل إندلاع العلميات
العسكرية لحرب أكتوبر 1973 ، فعلى الرغم من إحتلال إسرائيل للأراضى المصرية إلا أن
مصر لم تدخر جهدا سياسيا ودبلوماسيا يدعم موقفها ضد إسرائيل إلا وسعت إليه ، فى
مقابل تقوية قوتها العسكرية ، ومع ذلك وصلت الأمور الساسية والدبلوماسيه إلى طريق
مسدود ، وأصبح الحديث عن عدم " إستطاعة " مصر القيام بعمل عسكرى من قبل
إسرائيل وحلفاءها الغربيين وأمريكا هو الحاكم على تحركات مصر الدبلوماسية ، وأصبحت تصريحات القادة العسكريين
الإسرائيليين عن عدم إستطاعة مصرعبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف مسألة إعتيادية
، ترسخت فى ذهن الإسرائيليين ، أيدها موقف أمريكى داعم وبشدة ورافض للمواقف
المصريه تمثلت فى حديث " هنرى كيسنجر " مستشار الأمن القومى ، مع وزير
الخارجية المصرى " حافظ إسماعيل " الرافض لأى تنازلات إسرائيليه
وأمريكيه لمصر لأن " مطالب مصر بأى تنازلات أو غنائم المنتصرين وهى مهزومة هى
عبثيه وعليها أن تخلق أزمة " .
لهذا كانت التصريحات الإسرائيليه بعدم
الإستطاعة والتعنت الأمريكى بمثابة وقود شعبى مصرى للهجوم على قيادته المتخاذلة
التى لا تستطيع الحرب ولهذا كانت مظاهرات الطلبه قبل إندلاع حرب أكتوبر بشهور ،
ولكن مع بداية شهر أكتوبر 1973 أيقنت القيادة المصرية أن سبل الحل السياسى
والدبلوماسى قد وصلت لطريق مسدود ورسخ فى يقين إسرائيل وقطاع كبير من الشعب المصرى
أن مصر لن تستطيع القيام بالحرب لتحرير الأرض رغم الإستعدادات العسكرية وشراء
معدات عسكرية بمليارات الدولارات .
هنا إتخذت القيادة المصرية قرار الحرب ، لهذا كانت العلمليات العسكرية مع إنتصاف
يوم السادس من أكتوبر بداية لعهد جديد فى السياسة وعودة الأرض والحقوق المسلوبة ، والأهم من ذلك
عودة الثقة الشعبية المصرية فى قيادتها وأنها تستطيع بل وقادرة على الفعل على
الرغم من إنسداد الأفق السياسى .
ومع إنتصار القدرة المصرية على عدم الإستطاعة الإسرائيلية ، تغيرت معطيات السياسة
فى الشرق الأوسط بكاملة وأصبح ينظر لمصر حتى وهى فى أضعف حالاتها على أنها تملك
الإستطاعه والقدرة على تغيير معادلات القوة فى المنطقة إذا ما قررت ذلك .
لهذا هل كانت تصريحات الرئيس المصري " عبد الفتاح السيسى " التى حذر فيها قائلا " ستشهد المنطقة حالة
من عدم الإستقرار لا يتخيلها أحد ومن يريد أن يجرب فليتفضل " ، و " محدش
يتصور أنه يقدر يبقى بعيد عن قدرتنا " فى معرض ردة على سؤال حول سد النهضه ،
عنوانا عريضا على إستطاعة مصر وقدرتها على إدارة سيناريوهات الحرب فى حال إنسداد
الأفق السياسى والدبلوماسى ؟ وهل تنتظر
القوات المسلحة المصرية قرارا إستراتيجيا وتوجيها يحدد لها ملامح العمليات
العسكرية من قبل القيادة ؟ كل هذا مغلف بغضب شعبى ينظر بعين الأمل لتكرار سيناريو
حرب أكتوبر 73 لثقته فى إستطاعة بلادة عسكريا ، وثقته فى قدرة قواته المسلحه على
الفعل ، لكنه متخوف كما قبل حرب أكتوبر من إطالة أمد الحل السياسى .
هل تفعلها مصر مرة آخرى بقوة السلاح بعدما خذلتها السياسة ؟
.......................................................................................
كان التوجيه الإستراتيجى للرئيس " السادات " الموجه للفريق أول "
أحمد إسماعيل " وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة ، مبنى على "
الظروف المحيطه بالموقف السياسى والإستراتيجى " ، والذى بناءا عليه قرر تكليف
القوات المسلحة بثلاث تكليفات آساسية :
- إزلة الجمود العسكرى الحالى بكسر وقف إطلاق النار إعتبارا من يوم 6 أكتوبر 1973
- تكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة فى الأفراد والأسلحة والمعدات
- العمل على تحرير الأرض المحتلة على مراحل متتالية حسب نمو وتطور إمكانيات وقدرات
القوات المسلحة سواءا منفردة أو بالتعاون مع القوات المسلحة السورية
بهذا التوجيه نجد أن الظرف التاريخى الحالى مشابه لحرب أكتوبر ، فالجمود السياسى
سيد الموقف ، وأثيوبيا تريد إحتلالا للموارد المائيه تتحكم بموجبه فى السيادة
المصرية ، وتبدلت الأدوار بين سوريا التى شاركتنا إحتلال الأرض بالسودان التى
تشاركنا التلويح بإحتلال الموارد المائيه . وعليه فإن توقع المصريين والعرب ومن خلفهم
العالم بأن تقوم مصر بعمل عسكرى هو نابع من يقين تؤيدة وقائع تاريخيه ثابته تعززها
شواهد الإستعدات العسكرية وشراء الأسلحة الجديدة والمتطورة ، فى توازى مع تحركات
سياسية ودبلوماسية محمومه على مختلف الأصعدة العربية والإقليمية والعالمية ، ووسط
صلف أثيوبى ينظر للدولة المصرية على أنها لا تستطيع شن حرب .
فهل تشى الحوادث الحالية بشواهدها السابقه بقرب صدور قرار رئاسى مصرى بتوجيه
إستراتيجى للقوات المسلحة المصرية بالقيام بعمليات عسكرية ليس فقط لمهاجمه سد
النهضه ، بل وإرجاع المنطقة لحدود ما قبل الصلف الأثيوبى وحلمه بسيادة إمبراطورية
وهمية على دول حوض النيل .؟!
.............................................................................................
مصر تستطيع وقادرة على الفعل عندما تغلق الأبواب فى وجه الحل السلمى ، لهذا حوى
التوجية الإستراتيجى لحرب أكتوبر 1973 حدود الإستطاعه والقدرة فى " تحدى
نظرية الأمن الإسرائيلى عن طريق عمل عسكرى " وكذلك " إقناع العدو أن
مواصلة إحتلاله لأراضينا يفرض عليه ثمنا لا يستطيع دفعه " وعليه " فإن
نظرية الأمن على أساس التخويف النفسى والسياسى والعسكرى ليس درعا من الفولاذ يحميه
الأن أو فى المستقبل"
وعلى ذلك يقف ملايين المصريين منتظرين توجيها إستراتيجيا يطرب أسماعهم حال إندلاع
الحرب التى لا يرغب فيها أحدا ، يختلف فيه العدو وطبيعة سياسته العدوانيه ، ولكن
تبقى حدود الإستطاعة والقدرة وثقة المصريين فى قواتهم المسلحة هى الأمل بين طيات
هذا التوجيه والذى يرغبون فى أن يحتوى نصه ما يلى " تحدى نظرية فرض سياسة
الأمر الواقع الأثيوبية عن طريق القيام بعمل عسكرى حسب إمكانيات القوات المسلحه ،
يكون فيه إلحاق أكبر قدر من الخسائر بالعدو وإقناعه بأن مواصلة تعنته ومحاولة إحتلاله
لمواردنا وإحتكارها يفرض عليه ثمنا لا يستطيع دفعه ، وبالتالى فإن رؤيتها لهيمنة
أثيوبية على القرار المصرى عبر التحكم فى مياه النيل فهذا ليس درعا من الفولاذ
يحميها الأن أو فى المستقبل " .
....................................................................................
نحن لا نريد حربا ، ولكن فرضها علينا يجعلنا فى إنتظار البيان رقم واحد من القوات
المسلحة المصرية عبر شاشات الميديا وآثير موجات الراديو تعلن فيه بداية العمليات
العسكرية لكسر شوكة عدو وهدم نظريات وأوهام تهدد مستقبلنا ومستقبل أولادنا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه