الجمعة، 24 ديسمبر 2021

إدارة الأزمات .. همس بالقرب من صانع القرار




بقلم / ياسر رافع

كنت أعمل بإحدى الشركات فى بداية الألفية ، وفى أحد الأيام طرأت على ذهنى فكرة مفادها " لماذا لا تكون فى الشركة إدارة أزمات " ، وبناءا عليه قمت بمبادرة شخصيه بتجميع البيانات اللازمه والإتصال بكوادر الشركة من أجل بناء إدارة أزمات تقوم بحماية الشركه والدفاع عنها وقت الأزمات . وكان هناك متحمسين للفكرة وساعدونى ، وما أن إقتربت الدراسه الخاصه بإدارة الأزمات أن تكتمل حتى تم إستدعائى من قبل شخصيه كبيرة بالشركه وسألنى عما أفعله وقد أجبته بإستفاضه ، ولكنه فاجئنى بتهكم أعطانى إنطباع أننا وصلنا للقاع ، فتلك الشخصيه دائما ما كانت تدعو للعلم فى الظاهر ولكنها كانت تدعم الولاءات وأهل الثقه فى طريقة عملها ، وبالتالى كانت النتيجه أننى قمت بتمزيق الدراسه أمامه وخرجت ساخط على الجميع .
بعد زلزال 1992 والذى ضرب مصر قام رئيس الوزراء الراحل " عاطف صدقى " بإستدعاء القوات المسلحة لأن بها إدارة للأزمات قادرة على إدارة الأزمه ، ولما سأل " لماذا لا يتم تعميم إدارة الأزمات فى كل قطاعات الدوله " فأجب بأن ذلك مكلف جدا ...
ما الذى ينقص القطاع المدنى لكى يقوم بإدارة أزماته بعيدا عن المؤسسه العسكرية التى يكون تدخلها فى المواقف التى لا يستطيع القطاع المدنى السيطرة عليها ؟
.............................................................................
لقد كان " شحوط " سفينة الحاويات العملاقه فى قناة السويس أهم ممر مائى عالمى والأكثر إزدحاما فى العالم ، حدثا غير إعتيادى لأن توقف الملاحة فى القناة تكلف العالم فى الساعة الواحدة أكثر من أربعمائة مليون دولار ، ولهذا كانت أنظار العالم كلها موجهه للقناة وإدارتها ، ولكن إدارة القناة أخطأت خطأ فادح عندما صرحت بأنها سيطرت على الموقف وأن حركة الملاحه أستأنفت ، وهنا أفلت زمام المبادرة من يد إدارة القناة وأتجه الجميع لوسائل الإعلام العالمية ليتابع ما جرى ويجرى فى القناة الأهم فى العالم ، ودخل على خط الأزمه رؤساء دول وحكومات بعدما أدركوا أن توقف الملاحة فى القناة أصبح أمرا لا مفر منه ، وأنه لا يوجد إدارة للأزمات محترفه فى قناة السويس ، أوعلى أقل تقدير ليست إدارة مهنية قادرة على إدارة أزمه عالمية بهذا الحجم .
بعد بضع أيام حدثت أزمة إصطدام قطارين بمحافظة سوهاج فى صعيد مصر، وعلى بعد سويعات قليله من الحادث ظهر تصريح غير مسؤول عن أن السبب فى الحادث هو قيام مجهولين بالعبث بمكابح أحد القطارات ، وقام الإعلام بتسويق ذلك التصريح ، وهو تصريح إن دل فإنما يدل على غياب فكر إدارة الأزمات ، ولهذا قامت جهات التحقيق بالتنبيه على الجميع بعدم إستباق نتائج التحقيقات .
وهكذا ظهر أقل شئ فى إدارة الأزمات وهو كيفية التعامل مع الأزمه إعلاميا ، ليشير لعدم وجود إدارة ناجحه وهو ما إستدعى قيام رئيس الدولة بإعطاء توجيهات وأوامر للجميع بسرعة التعامل مع الحدث ، حتى أنك عندما ترى رئيس مجلس الوزراء وبعض الوزراء ، والنائب العام ، وأعضاء مجلس النواب والشيوخ ، ورجال وزارة الداخليه ، تشعر بأن الدولة المصريه باتت تدار من " سوهاج " على وقع حادث كان يمكن تفاديه أو على الأقل التعامل معه بإحترافيه من قبل مجموعه صغيرة إذا كانت هناك إدارة واعية ومحترفه للأزمات .
وهكذا تستمر إخفاقات القطاع المدنى فى إدارة أزماته ، ويثار التساؤل مرة أخرى " لماذا لا توجد إدارة أزمات داخل كل وزارة للتعامل مع أزماتها بنجاح دون تدخل رأس الدوله "
.......................................................................................
عندما توجه تساؤلاتك عن عدم وجود إدارة أزمات ، تجد سيلا من الهجوم عن جهلك وعدم متابعتك لما يجرى ، فهناك إدارات أزمه موجودة فى البلد ، وأنك مغرض وما إلى هنالك من الهجوم المعلب ، والذى لا يعلمه المهاجمين أن إدارة الأزمات ليست إدارات إعتياديه تمتلك موظفين ومكاتب ، بل هى خطط وسيناريوهات تعامل مع الأزمات قبل وبعد وقوعها ، وأنها تكون جاهزة للتعامل على مدار الأربع والعشرين ساعه فى اليوم وعلى مدار العام ، وأن أعضاءها يجب أن يكونوا من الكفاءات من كل القطاعات ، ولهذا عندما تقع أزمه نجد المواطن العادى يطالب بتدخل الجيش للتعامل مع الأزمه وهذا ليس طبيعيا فى معظم الأحوال والأزمات ، حيث أن وجود الجيش فى الكوارث الطبيعيه والكوارث التى تهدد كيان الدوله ، والأزمات التى تفوق قدرات القطاع المدنى هو أمر مستساغ شعبيا وعلميا ، لكن وجودة وسط المواطنين فى أزمات بسيطه يمكن للقطاع المدنى حلها هو أمر يحتاج لشرح وتوضيح لما أصاب القطاع المدنى من فساد .
.........................................................................................
مصر بلد مؤسسات ، جمله كنا نسمعها كثيرا أيام الرئيس المخلوع " حسنى مبارك " ولكن على أرض الواقع المصريون لا يعرفون إلا شخصا واحدا فى الدوله وهو رئيس الجمهورية ، يناشدونه لإصلاح كل شئ فى حياتهم ، الطرق وطوابير العيش وطوابير البنزين وإنقطاع الكهرباء ، حتى ضاق بهم الحال من غياب دولة المؤسسات . وكان الإختبار الأكبر فى أزمة زلزال 1992 ، وكارثة غرق العبارة السلام 98 فى العام 2006 ، والذى غرقت فيهما مؤسسات الدوله.
لهذا بعد ثورة 25 يناير و30 يوينو ، تصور الناس أن دولة المؤسسات القديمة سيتم إستبدالها بمؤسسات ودوله جديدة ، ومع التعامل الجاد والحاد والمباشر مع كل الأزمات التى شهدتها مصر فى السنوات الماضية ، تحول التصور لإنطباع جاد بأن هناك تغيير بات يؤتى ثمارة وأن مؤسسات الدوله باتت قادرة على إدارة نفسها مستقله عن المؤسسه العسكريه ، ولكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن ، فبعد حديث الرئيس عن ميلاد جمهورية جديدة ، أتت حادثة سفينة الحاويات فى قناة السويس ، وحادثة قطارى سوهاج ، لتلقى بظلال قاتمة على قدرة القطاع المدنى على إدارة أزماته بنفسه .
وهنا نتساءل ما الحل إذا !! مدنى أم عسكرى لإدارة مؤسسات دوله جديدة ؟!
.............................................................................
إن الفرق بين المدنى والعسكرى فى مصر هو القوة فى إصدار القرار ، وحجم الصلاحيات المتاحه لصانع القرار والخبرة العلميه والعمليه ، ولهذا إذا أعطيت الصلاحيات والقوة المساندة للقطاع المدنى فإنه سيؤدى أداءا جيدا ، مع الأخذ فى الإعتبار تنقيته من الفساد والمفسدين . فأقل وحدة محلية فى مصر ستؤدى أداءا مبهرا ولا تحتاج للدوله كثيرا إذا أعتبر رئيس وحدتها أن قراراته ستنفذ من خلال صلاحيات واسعه فى نطاق عمله .
سيادة الرئيس ، إن دولة المؤسسات فى دوله جديدة ، تستدعى أن يكون القطاع المدنى مؤهلا للقيادة ، وقادرا على إدارة أزماته ، ولا يعتمد على أن أخطاءه سيتم تداركها من خلال إدارات أزمات القوات المسلحه ، يجب إنشاء إدارات أزمات إحترافية فى كل مؤسسات الدولة قبل فوات الأوان .
وأن تطوير الكوادر البشريه فى القطاع المدنى أمرا لابد منه ، إذا كنا نريد الوصول للمستقبل دون أخطاء كارثيه تعوق التقدم نحوه ، لأنه ليس من الطبيعى أن تتحمل المسؤوليه المؤسسه العسكريه وحدها فى الوقت الذى من المفروض فيه أن تساعد لا أن تدير ، وسط ما يجرى من أحداث غير مستقرة فى المنطقه .
إنتهى الهمس ..................

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...