الخميس، 23 ديسمبر 2021

المواطن والفرخه .. جدلية الحياة فى مصر



 

بقلم / ياسر رافع

إحتل الحيوان فى حياة الإنسان المصرى مكانه خاصه فمنذ أن مارس فعل الإعتقاد الدينى كان الحيوان حاضرا برمزيته كشكل من أشكال الإشاره لطبيعة ذلك الإعتقاد  !! وقد تم رصد أربعة عشر حيوانا قدسهم المصريين قديما فى العهد الفرعونى ، لكن وعلى الرغم من إنتهاء علاقة الإعتقاد بالرمزيه الحيوانيه مع ظهور المسيحيه ومن بعدها الإسلام إلا أن علاقة المصرى بالحيوان علاقه ملتبسه نستطيع من خلالها فهم بعض الظواهر الإجتماعيه بسهوله .
أربعة عشر حيوانا مقدسا ترى لهم نقوشا على جدران المعابد ، لبؤة أسد ، ثعبان ، نسر ، فرس النهر وأخرين جميعهم يعبرون عن شخصيه تواقه إلى القداسه والسمو والقوة ، ولكن لم يكن بين تلك الحيوانات الدجاجه حيث ينظر المصرى إليها على أنها هشه القوام لا تصلح أن يتخذها رمزا لأى شئ حتى بات يطلق على وضعية المرأة المصرية بجملة " فرخه مكسورة الجناح " فى إشاره إلى أنها ليست مثل الرجل المحلق فى السماء كنسر حورس ، ولكن مع مرور الأيام والسنوات إحتلت الدجاجه أو الفرخه مكانتها التى تليق داخل المجتمع حيث حفرت لنفسها فى الذاكرة المصريه أخاديد لن تندمل بسهوله .
فالساسه والنخبه المصريه على طرفى الصراع السياسى والمجتمعى كثيرا ما يستخدمون مصطلح " الإنسان المدجن " لوصف بعضهم البعض بالضعف والإستكانه أمام سلطة الحكم ، ومع ذلك يتواضع ويتضاءل هذا المصطلح أمام سطوة الفرخه على حياة المواطنين المصريين اليوميه ، فباتت تلك الفرخه بحجمها الصغير والهش البنيه مقياسا لحياة المصريين اليوميه ، إلى الدرجه التى يجب حفر صورتها على معابد الفراعنه لرد إعتبارها التاريخى .
على الرغم من الست المصريه تقوم منذ الأزل بتربيه الفراخ فى البيت لسد فجوة البروتين الحيوانى بسبب عدم شيوع أكل اللحم حيث كان الفراخ للغلابه واللحم للأغنياء ، ومع تطور المجتمع وظهور النمط الطبقى فى مصر بعد ثورة يوليو 1952 وبدأ يطرأ تغير على نمط الإستهلاك الحيوانى فظهر اللحم على موائد الفقراء الذين إلتحقوا بالطبقة المتوسطه الوليدة بجانب الفراخ التى ما زالت تربى على أسطح المنازل فى المدينه والريف على حدا سواء . ومع بداية الإصلاح الإقتصادى فى منتصف السبعينيات من القرن العشرين على يد الرئيس السادات ظهرت الفراخ كعنوان لمرحلة من الفساد الإقتصادى فقد تم إستيراد آلاف الأطنان من الفراخ الفاسده مما جعل المواطن يشك فى جدوى إصلاح إقتصادى فاسد يطال آخر حصون البروتين الحيوانى له ، وجعله يتشكك فى كل ماهو داجنى لا يذبح أمام عينيه فى محل " الفرارجى " .
ولم تستطع الفرخه المجمده سيئة السمعه أن تزيح الفرخه المصريه الحيه من علياءها وأستمر المواطن ينظر لها بعين الريبه حتى ظهر نوع جديد مهجن سريع النمو ليواكب طلبات الإستهلاك السريعه والمتناميه أطلق عليه شعبيا " الفراخ البيضا " ، وتربع النوع الجديد على عرش الإستهلاك وبرخص ثمنه النسبى فى مقابل سعر اللحوم أصبح وجبه تأكل يوميا بوصفات طبخ مختلفه ، وأستمر هذا الوضع تقريبا حتى ما يقارب نهاية عهد مبارك والذى ما أن شارف عهده على الزوال حتى بات حلم أكل فرخه يوميا يتضاءل أمام زيادة الأسعار وبوادر أزمه إقتصاديه أدت فى النهايه إلى قيام ثورة 25 يناير المجيده .
ولكن بعد ثورة 25 يناير تدهور الوضع الإقتصادى سريعا حتى أصبحت الفراخ  يتضاءل عددها على موائد غالبية الأسر المصريه ، وأصبح وجود فرخه كامله فى الأسبوع الواحد مرتين أو ثلاثه حلم ، وأزداد الأمر سوءا إلى أن ظهرت أنماط تقاوم السقوط الإجتماعى من قبل طبقه متوسطه تحاول أن لا تنزلق إلى أسفل وتستقر بجانب الفقراء والمعدمين ، تلك الأنماط الإستهلاكيه إعتمدت على تفكيك الفرخه إلى قطع منفصله حتى تستطيع الشراء فكانت الصدور " الفيليه " ، والوراك والأجنحه تباع منفصله كغذاء وكانت الرأس والأرجل تباع للكلاب والقطط إلى أن حدث تعويم الجنيه مقابل الدولار وأزداد الأمر سوءا إقتصاديا وأرتفعت الأسعار فإزداد إنزلاق المواطنين إلى طبقة الفقراء وهو ما جعل أرجل ورؤوس وأحشاء وأجنحه وهياكل الفراخ تباع كطعام بعدما إستحال الوضع الإقتصادى .
وعلى الرغم من ضخ الدوله كميات ضخمه من الفراخ المجمده المستورده إلا أنها إصطدمت بعلاقه شبه مقدسه بين مواطن يشك فى مشروعية الفرخه المستورده ويريدها مذبوحه أمامه بعدما فقد الثقه فى الرقابه على غذاءه ، وبين إحتياجه إلى مشتملات الفرخه المقطعه من أرجل وأجنحه ورأس لا توفرها تلك المستورده التى تريد مبلغا من المال لا يتوافر فى يده كل مره .
الفرخه طائر هش ولكنه عبر عن حالة المواطن المصرى بكل صدق إلى الدرجه التى أطالب بوضعه على العمله المصريه تخليدا له ، فيكفى أن تمشى فى مدن وريف مصر لتجد أن أكثر المحلات هى من تتعامل بيعا وذبحا وشويا مع ذاك الطائر حتى أنه أصبح الوسيله التى تربط المواطن المصرى بأخيه السورى اللاجئ عنده الذى إفتتح مشويات فراخ رخيصة الثمن نسبيا جعلت المصرى يتهافت إليه .
وإلى أن تتحسن الأحوال المعيشيه فى مصر ستظل الفرخه هى عنوان المرحله التاريخيه التى نعيشها .   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...