الخميس، 23 ديسمبر 2021

مصر بين الملك المؤمن والرئيس المؤمن




بقلم / ياسر رافع

يخطئ من يريد الحكم على علاقة الدين بالدوله فى مصر من ناحية إختياره لبدايات خطأ ينطلق منها مما يؤدى به إلى نهايات مغلوطه تؤدى إلى سوء فهم يصل إلى حدود الدم فى بعض الأحيان ، فدعاة الدوله المدنيه ينطلقون من فكرة أن الدوله يجب عليها أن تفصل فصلا تاما بين الدين والدوله لضمان تقدما نحو المستقبل منطلقين من مفهومهم للدوله المدنيه بالمعنى الإصطلاحى الغربى ، فى مقابل تيار دينى يرى أنه يجب أن تتحول الدوله إلى دوله دينيه محضه وللأسف لا وجود لها فى الإسلام ، لذلك ينعت أصحاب كلا التيارين الدوله بأقذع الصفات من التخلف والرجعيه إلى الكفر والإلحاد ، وهما بذلك قد أثبتا أنهما لم يفهما دور الدين فى إدارة الدوله المصريه !!
فعلاقه قصر الحكم والمعبد هى نفس علاقة القصر بالكنيسه ، وكذلك علاقة القصر بالمسجد ، لم تتغير مصر فالدين حاضر فى رأس الدوله  ، يجرى إستدعاءه فى حالات كثيره لإنقاذ النظام من السقوط لذلك كانت مكانة المؤسسه الدينيه ورموزها الدينيه كهنه وقساوسه وشيوخ محل إعتبار كبير لدى السلطه ، ومع ذلك لم تكن مصر دوله دينيه بحته لكن يمكن تعريفها بأنها دوله أسرفت فى إستخدام الدين فى السياسه . ومظاهر ذلك الإسراف هو بناء المعابد والكنائس والمساجد على طول التاريخ المصرى فى محاوله من الدوله لبيان أنها تراعى وتحترم الدين وأنها لا تقبل المساس به فى محاوله أزليه للتمترس وراء الدين ضد معارضيها وضمان أبديه حكم أيا ما كانت توجهاته وسياساته .
وفى مصر حددت العلاقه بين الدوله والدين بما يضمن عدم تغول أحدهما على الآخر فحراس العقيده والدين لم يقتربوا من دائرة الحكم فى المقابل لم تستحوذ الدوله على الدين حتى وإن تسمى الملوك والرؤساء بمسميات دينيه فهذا لا يعدوا كونه شكلا دينيا أمام شعب جرى إغراقه فى العبادات الدينيه حتى صدق أنه متدين بطبعه ولم يقف ولو للحظه أمام أنه قد غير دينه مرتين ، حتى لا يقترب من تحالف أزلى لم ولن تنفك عراه أبدا طالما أن الشعب لا يرى فى تلك العلاقه أى ضرر .
ومع بداية مصر الحديثه لم يفطن الجميع إلى أنها قد بدأت بتنصيب المؤسسه الدينيه وحراس العقيدة لمحمد على باشا ملكا على مصر وروجوا له وظنوا أن لهم اليد العليا عليه فإذا به يعيدهم إلى رشدهم سريعا ويذكرهم بالعلاقه بين الدين والدوله وينكل برؤسائهم حتى عادت العلاقه الى مسارها الصحيح ، ومع مرور السنوات فإذا بالملك فاروق آخر ملوك أسرة محمد على باشا ، يستدعى الدين فى محاوله لإنقاذ عرشه وتقوية لشوكة حكم واقع تحت الإحتلال الأجنبى وضد محاولات لتقليص صلاحياته لصالح حكومة الوفد برئاسة النحاس باشا ، فإذا به يتقرب إلى مشايخ الأزهر الذين كانوا يرون فى التوجهات الغربيه الليبراليه خطرا ينتشر فى مصر بما يقلص من صلاحياتهم ، وهو ما بدا خطرا على مفهوم ( الدوله_الدين ) فكان التحرك سريعا فتحمس الأزهر لدعوة إرجاع الخلافه الإسلاميه مرة أخرى وعلى رأسها الملك فاروق الذى أغدق الأموال الكثيره على الأعمال الخيريه وبناء المساجد فى محاوله يائسه لم تثمر عن شئ وسقط الملك وحكمه على الرغم من هتاف الناس له بلقب " الملك المؤمن "  لأنه قد تجاوز الزمن ولكن ( الدوله_الدين ) لم تسقط فعلى الرغم من صدام ( الدوله_الدين ) مع تيار دينى حركى طارئ على تلك العلاقه الأزليه ( الإخوان المسلمين )  بعد ثورة يوليو 1952 إلا أن ذلك لم يستطع أن ينال منها فبناء المساجد ودعم الأزهر والكنيسه كان على نفس الوتيره الأزليه ، حتى كان حكم الرئيس السادات الذى رأى أن حكمه على وشك الإنهيار على الرغم من إنتصاره الباهر على العدو الإسرائيلى فى أكتوبر1973 فقام بإستدعاء الدين فى محاوله للتغلب على خصومه السياسيين فى الداخل والخارج ولكنه وعلى الرغم فى أنه تسمى بـ " الرئيس المؤمن " مثل الملك فاروق إلا أنه تخطى الخط الأحمر ولم يتمترس حول ( الدوله_الدين ) التقليدى وقام بإستدعاء التيار الدينى الإسلامى الوافد الطارئ على تلك العلاقه ويجهل ممارساتها عبر التاريخ وهو بذلك أعاد للأذهان محاولة الفرعون " إخناتون " الجنوح بالدوله ناحية معتقداته الدينيه الخاصه فكان جزاءه القتل وهو ما حدث مع السادات الذى خرج عن ثوابت ( الدوله_الدين ) على الرغم من المظاهر الإيمانيه وعمارة المساجد التى قام بها .
لهذا فإن على جميع من يتعامل بالسياسه فى مصر أن يعيد تعريف العلاقه بين الدوله والدين حتى يستطيع الحركه ، وعلى أنصار التيار الدينى أن يعيدوا النظر فى مفهوم العلاقه بين الدوله والدين من الناحيه الدينيه البحته لأن مصيرهم فى مصر سيكون على المحك . وليس بمشهد ( الدوله_ الدين ) تحت قبة البرلمان قبل ثورة 25 يناير ببعيد عندما وجدت نفسها مضطره للدفاع عن وجودها عندما تقدم الإخوان المسلمون (الوافد الطارئ على علاقة الدوله _الدين ) بطلب إحاطه ضد تصريحات وزير الثقافه الذى أنكر الحجاب وظنوا انه قد حانت لحظة الإنقضاض على الدوله سياسيا فإذا بهم تحت قبة البرلمان أمام رجال دوله طالت لحاهم  فجأه وظهرت فى وجوههم زبيبة الصلاه وقاموا ليؤكدوا أن الوزير لا يمثلهم وأن نساؤهم محجبات قانتات عابدات ، مما أوقع أنصار الإخوان فى ذهول مما يحدث فلم يعلقوا بكلمه بعد ما سمعوا وأفلتت ( الدوله _الدين ) من المأزق بخبرة السنوات الطويله .
لا تحسبوا أن الدين بعيدا عن حرم السياسه والحكم ، إنه فى القلب ولكنه على الطريقه المصريه ولن تجدوا فارقا كبيرا بين ملك مؤمن أو رئيس مؤمن فقانون ( الدوله_الدين ) أزلى وقديم قدم الحياة فى مصر .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

هل يعتبر الذهب الفرنسي مؤشرا على إنهيار القوة الإقتصادية الأمريكية، و إنتهاء عصر الدولار ؟!

بقلم ياسر رافع أثار سحب فرنسا لذهبها المتبقي في أمريكا والبالغ 129 طن من خزائن البنك الفيدرالي الأمريكي، موجة عاتية من التساؤلات حول العلاقة...