بقلم / ياسر رافع
يبدوا أننا أمام حدث تاريخى تتشكل أحداثه فى فرنسا للمرة الثانيه بعد خمسون عاما بالتمام ، وكأن المظاهرات التى تجتاح فرنسا تحتفل بالعيد الذهبى لتظاهرات الشباب 1968 والتى غيرت وجه فرنسا والعالم والتى بشرت بزمن جديد ، والتى تضاءل إرثها بمرور الزمن مما جعل أعدائها من أنصار اليمين يحاولون طمس إنجازاتها وهو ما قررة الرئيس السابق " نيكولا ساركوزى " فى بداية فترة حكمه قائلا " إن من أهدافه القضاء على ميراث حركة 1968 " ، والتى كان وراء إشتعالها اليسار الفرنسى بكل أطيافه والذى كان ينادى بالحريه فى وجه الرئيس " ديجول " وحكومته اليمينيه التى كانت تحكم بقبضه أمنيه كبيره بحجة " حماية الجمهورية ومبادئها " ، ولكن الوضع الإقتصادى كان حاضرا بقوة ، بل هو محرك الأحداث حيث دخل الإقتصاد الفرنسى مرحلة الركود بعد مرحلة النمو وهو ما ألقى بظلاله على المجتمع الفرنسى ركودا وبطاله ، وعلى الرغم من إشتعال المظاهرات منذرة بسقوط نظام الرئيس " ديجول " اليمينى بسبب الوضع الإقتصادى إلا أن زعامة المظاهرات آلت للطلاب الذين تصدروا المشهد العام وأصبحوا عنوان المظاهرات ، وكانت النتيجه حل البرلمان (الجمعية الوطنيه ) وإجراء إنتخابات جديدة . وعلى الرغم من فوز الرئيس " ديجول " إلا أن فرنسا لم تعد كما كانت قبل مظاهرات 1968 فقد تم تقليم أظافر اليمين الفرنسى وحد من تغوله .وكما اليسار فى العام 1968 تظهر اليوم حركه " السترات الصفراء " ، بسبب فيما بدا قبل المظاهرات من تغول أنصار " النيوليبراليه " على المشهد الفرنسى بالكامل إقتصاديا وإجتماعيا وسياسيا الأمر الذى ترجم فى تولى الرئيس الحالى " إيمانويل ماكرون " الذى أعتبر مندوب النيوليبراليه فى قصر الإليزيه ، فأنصار السترات الصفراء ليسوا منتمين إلى حركه سياسيه بعينها أو إتجاه سياسى معين ، بل هى لا تعدوا كونها دعوات للتظاهر عبر وسائل التواصل الإجتماعى للإحتجاج على إرتفاع أسعار الوقود ولكن مع تصاعد المظاهرات تحولت إلى إحتجاجات على كامل سياسات الرئيس ماكرون برمتها والتى جعلت من فرنسا حقل تجارب لليبراليون الجدد ،
هنا أضحى المشهد اليوم 2018 مشابها لعام 1968 على الرغم من فارق الخمسين عاما ، ولكن هناك فارق جوهرى بينهما هو متصدرى المشهد فى كلا الحالتين ، ففى العام 1968 كان اليساريون والشيوعيون والأناركيين هم دعاة التظاهر ووقف خلفهم جميع أطياف الشعب الفرنسى ضد اليمين الفرنسى ، ولكن السترات الصفراء فى العام 2018 لا ينتمون إلى اليسار أو اليمين بل هم شباب وورائهم جموع عريضه من الشعب الفرنسى خرجت ضد تغول سياسات النيوليبراليه والتى أثرت على حياة الفرنسيين بشكل رئيسى وسط تراجع أداء إقتصادى واضح ، وهو ما ينذر بتغير أعتقد سيكون مشابها لما حدث سابقا ففرنسا التى وقعت فى قبضة الليبراليون الجدد لن تعود هى فرنسا ما قبل تلك التظاهرات ، وتنبأ بأن جيلا جديدا ولد فى فرنسا سيكون نواة لأجيال عالميه ستقاوم سيطرة النيوليبراليه وأنصارها فى كل بلاد العالم والذين يقودون العالم إلى كارثه عالميه .
السترات الصفراء تنبأ بزمن جديد مع السقوط المدوى للأيدولوجيا السائده فى القرن العشرين ، وسقوط الأفكار العظيمه تحت وطأة دعاة النيوليبراليه الذين لا يعترفون بالأيدولوجيه ولا الأفكار ، إنهم فقط يريدون عبيد فى مزرعتهم العالميه
فهل نشهد عالما جديدا كما بشرت به مظاهرات 1968 من العداله الإجتماعيه ، يولد من رحم تظاهرات فرنسا 2019 ونجد عالما جديدا ينتزع عدالته الإجتماعيه من بين براثن النيوليبراليه وأنصارها الذين عشش بيضهم فى كل أركان العالم ، وأصبحوا يسيطرون على المراكز الرئيسيه فى العالم مما ينذر بكوارث إقتصاديه عظمى وحروب كبرى نكاد نشم رائحة شياطها كل يوم .
إنى أكاد ألمح من خلف الستار خوف أنصار الليبراليون الجدد فى كل بلاد العالم من تمدد المظاهرات الفرنسيه وتحولها إلى سلوك عالمى كما فى العام 1968 ، يهدد سيطرتهم ويمهد الطريق أمام أفكار سياسيه وإجتماعيه جديده تنذر بقدوم زمن جديد يقضى عليهم ويجعل من العداله الإجتماعيه شعار قابل للحياة مرة أخرى .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه