بقلم / ياسر رافع
فرحة الشعب العراقى بتحرير مدينة الموصل من يد تنظيم داعش الإرهابى قد بددت وهما قد عشش فى الذاكره ، وهما قد سيطر على كامل تفكيرى من أننى لن أرى مرة أخرى عراق المجد يعود من جديد بعدما ذرفت الدمع يوم سقوط بغداد المنصور على يد المحتل الأمريكى عام 2003 ، وبعدما سمعت من صديق عراقى شجونا وألما عما آل له الوضع فى العراق وتخوفاته من ضياع عراق الأمه تحت سنابك خيل الطائفيه البغيضه.الموصل نموذج صغير للعراق الكبير ، تاريخ من المحن والحروب وصراع القوى الدوليه و الإقليميه قديما وحديثا ولعل ما حدث من سيطرة تنظيم داعش إلا فصلا مكررا من تاريخ طويل لتلك المدينه الشاهده على الصراع بين الشرق والغرب ، وبين الأقليات العرقيه والدينيه ، ولعل الجميع سيتفاجئ بأن تنظيم داعش ومحاولته الفاشله لإقامة دوله له فى الموصل لم تكن الأولى فى تاريخ الموصل ، فمنذ 1121 عام تحديدا تم القضاء على " الخوارج " الذين خرجوا على حكم الخلافه العباسيه بعد وفاة الخليفه " المتوكل " وأستولوا على الموصل فى محاوله لإقامة " ولايه " لهم فيها لكن تلك المحاوله لم تدم أكثر من عام ، ولكن يبدوا أن إستحضار التاريخ عند الحديث عن تلك المدينه الغارقه فى القدم التاريخى والحضارى يستدعى بالضرورة سؤالا عريضا لماذا ظهر التطرف بشكله القديم الحديث الذى يرفض كل قيم الحضاره ، فى بلد حضارى عريق مثل العراق ؟
للإجابه على هذا التساؤل فيجب أن نرحل غربا إلى الأندلس القديمه حاضرة الإسلام فى أوروبا ما قبل السقوط لنتعرف على إبن الموصل الطريد الفنان البغداى الشهير " زرياب " الذى طرد من بغداد تحت وطأة الحسد والغيره من أستاذه الأشهر " إسحاق الموصلى " ولم يجد ملجأ إلا الأندلس والذى سرعان ما غير من تفكير المجتمع الأندلسى وأدخل أشكالا حضاريه فى المأكل والمشرب والملبس بخلاف إدخاله للموشحات والتى عرفت لاحقا بالأندلسيه وكان له أثر بارز فى التطور الحضارى الأوروبى لاحقا . " زرياب " هذا وعلى الرغم من إسهامه الحضارى الأندلسى إلا أنه لم يسلم من الإتهامات التى لاحقته من قوى التطرف والتى ألصقت به كل نقيصه إلى الحد أن وجه له الإتهام فى المساعده فى هدم دولة الخلافه فى الأندلس تحت دعوى أنه ساعد الناس على ترك القرآن والتفقه فى الدين والإستماع إلى الموسيقى وإتباع الشهوات ، فى المقابل لم يوجهوا سهامهم إلى الحكام الظلمه الذين أهملوا كل شئ وتفرغوا للنساء والصراع على الحكم ولا إلى تخلفهم الإبداعى والحضارى . كما فعل داعش حديثا عندما حطموا محتويات متحف الموصل ظنا ووهما أن تلك الأثار الحضاريه هى السبب فى إنهيار الدين الإسلامى ..
ولكن كما فى الأندلس القديمه والعراق الحديث ، لم يكن " زرياب " ولا متحف الموصل هما السبب فى إنهيار الدين الإسلامى ولا التخلف الحضارى ، بل أعداء الحضاره هم السبب فى الطائفيه الدينيه والعرقيه الذين يحاولون إسترجاع ماضى ظنوه جاء بحد السيف وسنابك الخيول ، ولم يعوا أن الأقدمين بنوا حضاره هم أبعد خلق الله عنها وعن جوهرها ، لذلك إذا فهم العراقيون أنهم بإستعادتهم الموصل فإنهم بذلك قد قضوا على تنظيم داعش الإرهابى كما قضوا على الخوارج فيها سابقا ، فإنهم بذلك يكونوا قد تلبسهم الوهم فتكرار مشهد تنظيم داعش قابل للتكرار مرات ومرات فى العراق وفى سنين قليله ولن يحدث أن يمر ألف عام أخرى أو يزيد كما الماضى حتى يظهروا ثانيه إلا إذا عاد " زرياب " إلى مدينته التى ولد فيها ليحيى فيها الحضاره ويعيد لمتحف الموصل رونقه من جديد ليس بإعادة الثار مرة أخرى ولكن لتعليم أهل الموصل أنهم أهل حضاره وأن المحنه الداعشيه يجب أن تعلمهم أن الحضاره وحدها هى الحل الأمثل لوحدة التجانس العرقى والطائفى فى الموصل ومن وراءها العراق الكبير .
هل أجد صدى لما أقوله فى عراقنا الحبيب ، وينفض الجميع عنهم تراب الطائفيه ويبحثوا عن كل " زرياب " حضارى فى أنفسهم حتى تخرج من بين أظهرهم عوارض مرض الطائفيه والمذهبيه ويعود عراق الأمه الإسلاميه والعربيه ، عراق الحضاره التى لا تموت ولا ينضب معينها أبدا .. أدعوا معى أن يعود " زرياب " إلى وطنه الموصل مرة أخرى .
عاش العراق حرا أبيا عنوانا للحضاره العربيه والإسلاميه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه