بقلم / ياسر رافع
" الدين ضرورى للحكومات لا من أجل الفضيله ولكن لغرض السيطره على الناس " مقوله لـ " نيكولا مكيافيلى " صاحب الكتاب الأشهر فى عالم السياسه " الأمير " ، وهذا يفسر كثير من الأحداث العالميه الكبرى قديما وحديثا ، فالحروب الصليبيه على الشرق كانت حروب إستعماريه مغلفه بالدين تم دفع الناس لها تحت وهم الحفاظ عن مدينة الله ومهد المسيح ، وكذلك الحرب بين الخلافه العثمانيه التى عندما توقف زحفها فى أوروبا تحت أسوار فيينا إتجهت شرقا مغيرة تكتيكها الدينى من حرب الصليبين فى أوروبا إلى التوسع شرقا بنفس التكتيك ولكن عن طريق جعل صراعها مع الدوله الصفويه فى إيران صراعا سنيا_شيعيا حتى تضمن تجييش الناس معها فى حربها الإستعماريه والتى فشلت فى القضاء على الدوله الصفويه ، ولكن سرعان ما غلب الفعل الإستعمارى على الوجه الدينى فإذا بالخلافه العثمانيه تقوم بالإغاره على الدوله السنيه المملوكيه التى كانت حائط صد ضد كل الحملات على العالم الاسلامى منذ الحروب الصليبيه وتفوز وتقضى عليها وتحتل أراضى الحرمين وترث الإسم من المماليك " خادم الحرمين الشريفين "مع دخول القوات العثمانيه القاهره معلنة نهاية الدوله المملوكيه فقد بدأت علاقه جديده ، قوامها تفريغ مصر من علماءها من كل المذاهب الذين كانوا يرفضوا حكم بنى عثمان ، وجعل الحكم فى يد المماليك وإن كان ظاهره الحكم العثمانى متمثلا فى الوالى ممثل سلطة السلطان فى الأناضول ، وهذا من أجل السيطره على المركز الرئيسى الذى يضمن للدوله الجديده أن تستمر فى السيطره على المشرق العربى وقد حدث ذلك .
وغير هذا فلم تكن تنظر الدوله العثمانيه ولا وريثتها الدوله التركيه إلى مصر إلا أنها حجر العثره الذى وإن تمكن من النهوض فإنه سيعرقل تمددها فى المشرق الذى عادة يصادف فشلها فى التمدد الغربى فى أوروبا ، وبنظره بسيطه للعلاقه بين مصر وتركيا نجد أن تركيا كانت على عكس طموحات الشعب المصرى ، وسنوجزها فى فترة الدوله الحديثه فقط فى هذا المقال .
بداية ومع تولى محمد على باشا حكم مصر والذى جاء على غير هوى السلطان العثمانى ، والذى سرعان ما تحول القبول العثمانى لمحمد على إلى صراع مسلح كاد أن يقضى على الدوله العثمانيه ذاتها وتؤول ملكيتها لدولة محمد على الجديده ، ومع إهتراء الدوله العثمانيه فلم يستطع السلطان أن يستخدم سلاح الدين ضد محمد على حتى مع تجييش الدعاه لوصف محمد على بالخارج عن الدين ، وهنا لم يجد السلطان بدا من أن يطلب مساعدة ورثة الصلبيين القدماء إنجلترا وفرنسا فى حربه ضد محمد على والذى أدى إلى هزيمة محمد على وتراجعه إلى مصر ولم يجد السلطان أى حرج أو خروج عن الدين عندما إستولت فرنسا وإنجلترا جزاء ما فعلوه مع السلطان أن يحتلوا الموانئ فى الشام مع السماح بحريه التجاره بغير قيود .
وتمر السنوات ويخرج الجيش المصرى بقيادة أحمد عرابى ليطالب بمزيد من الحريات للشعب المصرى من الخديوى توفيق باشا ، ولكن سرعان ما تحولت الثوره إلى صراع دولى تدخلت فيه إنجلترا نتيجة طلب من الخديوى توفيق لحماية عرشه ، فتجهز عرابى بجيشه المصرى لمحاربة إنجلترا فى التل الكبير ولكن قبل المعركه أصدر السلطان العثمانى فرمانا يعلن عرابى عاصيا مما أفقده الشرعيه الدينيه من وجهة نظر الناس فى الشارع مما أدى إلى هزيمة عرابى وجيشه لأن السلطان يرى مصر قوه يجب أن تكون تحت السيطره .
وتمضى الأيام وتسقط الخلافه العثمانيه وتتحول إلى جمهوريه علمانيه بقيادة كمال أتاتورك وظن الجميع أن مواقفها ستتغير ولكن ما أن قامت ثورة يوليو 1952 وإتخذاها فكرة القوميه العربيه والتى كانت سببا فيما مضى فى إنهاء السيطرة العثمانيه الإستعماريه على المنطقه العربيه فقامت تركيا بالوقوف فى وجه طموحات الشعب المصرى فى الحريه مع العلم أن الإخوان المسلمين كان لهم شأن كبير فى تلك الثوره لكنهم تحالفوا مع السعوديين الذين كانوا يروا فى أن القوميه خطرعلى تواجدهم الإستعمارى وكونوا منظمه إسلاميه بغرض تقويض الحلم المصرى .
ومع إندلاع ثورة 25 يناير فقد باركت تركيا ثورة الشعب المصرى وكان هذا محمودا حتى زيارة رجب طيب اردوغان مصر إبان الثوره والتى ظاهرها تهنئة الشعب المصرى على ثورته ولكنه جاء وفى الخلفيه وفدا كبيرا يطالب بمصالحه الجديده فى غاز شرق المتوسط عبر إبرام إتفاقيات كبرى فى مصر ولكن قوبل طلبه برفض المجلس العسكرى بقيادة المشير حسين طنطاوى ، وهذا يفسر ما حدث بعدها من تمترسها خلف الإخوان المسلمين فى نزاعهم مع المؤسسه العسكريه فى مصر ، وأستمر الهجوم ضاريا حتى جرى تغليف الصراع بين القاهره وأنقره بغلاف دينى إستخدمه كلا الجانبين ببراعه فالقاهره عبر داعميها إستطاعت أن تمرر أن اردوغان ما هو إلا إخوانى يريد تقويض إستقلال الدول العربيه وكذلك عقد إتفاقيات مع اليونان وقبرص نكاية فى أنقرة التى لم تستطع أن تصمد طويلا فى التمترس حول خلف الغلاف الدينى الذى ظهر مدة قوة إخفاءه عندما قامت أنقره ضد حلم الكراد السنه فى الإستقلال ، وكذلك الدخول لسوريا لحماية مصالحها ضد الأكراد وسط تعاون أمنى وإقتصادى مع الكيان الصهيونى ولكن مع ذلك لا زال أدوغان مستمرا فى الغلاف الدينى لتبرير سلوكه الإستعمارى فى المنطقه عبر دغدغة الجماهير فى تركيا المؤيده له التى تعتبر تصريحاته نزعه نحو إستعادة المجد العثمانى التليد فى الشرق بعدما خاب حلمها بالإنضمام للنادى المسيحى الأوروبى " الإتحاد الأوروبى "
وقبل أن تحكم على ما ذكرته فلك أن تعلم أن تركيا دوله سنيه الغالب عليها النزعه الصوفيه النقشبنديه النافذه فى الحكم والتى تدعم أردوغان وأنه لا يمت للإخوان ولا للدعوه الإخوانيه بصله ولكنه يرى فى النزعه الدينيه الإسلاميه التى ظهرت بعد ثورات الربيع العربى ليس حبا فيها ولكن فرصه لتأكيد أو إستعادة النفوذ التركى مرة أخرى خصوصا وأنها لم تخرج من المنطقه إلا منذ 1923 أى منذ 94 عاما فقط .
علينا جميعا أن ننزع الغلاف الدينى عند الحديث عن العلاقات التركيه المصريه فالقاهره وأنقره قطبين كبيرين تتقاطع مصالحهما حتما فى المنطقه وكل منهما بارعة فى إستخدام أدواتها ، لكن المؤكد أن اردوغان ليس إخوانيا ولكن عثمانيا صرفا يريد إستعادة ماضى وسط الركام
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه