بقلم / ياسر رافع
" الإعتماد على إحتراف الكتابه فى البيئه العربيه تحديدا أمر بالغ الصعوبه وقد يصل إلى الإستحاله حيث الظروف لا تسمح للكاتب أن يعيل نفسه بالأساس من ناتج كتاباته " ، كانت تلك الكلمات تدوينه على الفيس بوك لصديقى الصحفى أيمن الشحات المتعدد المواهب والمناصب الصحفيه والتى أحسست من خلالها أنه يعانى أزمه فتحدثت معه وكانت المحادثه مآساة فى تفاصيلها و تحولت إلى مراره تطال كل شئ فى المجال الصحفى الذى أصبح يضيق على أصحاب الضمائر اليقظه التى تريد زمنا جديدا وترغب بالمقابل أن تعيش حياة كريمه لا فقر فيها ولا عوز ، ومع إنتهاء كلماته المليئه بالألم كنت قد كونت عنه صوره فى مخيلتى إنه " على طه " فى فيلم القاهره 30 وقلت له " إنت صحفى فقرى يا على يا طه ، إنت عنوان مقالى القادم " .فيلم القاهرة 30 لنجيب محفوظ من أكثر الأفلام التى تناولت الوضع الصحفى فى أسوأ مراحله التاريخيه ، فمع بداية مشهد خروج الأصدقاء الثلاثه " على طه " و " أحمد بدير " و " محفوظ عبدالدايم " من باب الجامعه فى آخر يوم لهم بعد سماعهم نتيجتهم النهائيه وحديثهم عن كيفيه بداية حياتهم العمليه ، فـ " على طه " المثقف رأى أن يبحث عن وظيفه ويكتب للصحافه فى محاولة تغيير الواقع السياسى ، و " أحمد بدير " فرأى أنه كان صحفى تحت التمرين وهو طالب وسيظل صحفى بعد التخرج ، أما " محفوظ عبدالدايم " فكان مهموم بالبحث عن وظيفه تنشله من الفقر أى وظيفه .
مع مرور أحداث الفيلم نجد أن الأحداث قد تشابكت وأصبحت الصحافه قاسم مشترك بينهم ، فمحفوظ عبدالدايم ذهب إلى وصولى بلدياته " سالم الإخشيدى " إبن نفيسه العجانه ليعينه على إيجاد وظيفه فأوجد له وظيفه مترجم لإحدى المجلات الصحفيه ولكن قبل أن يكمل أول أعماله فاجأه سالم ابن العجانه بإختياره ليكون زوج محلل " ذو القرنين " لوزير فاسد وأن هذا سيكون طريقه للصعود ولا داعى لإستكمال المشوار الصحفى فوافق حتى ترقى فى المناصب وأصبح عنوان المرحله .
أما أحمد بدير فهو على الرغم من ذكره أنه صحفى إلا أنه يعشق نوع معين من الصحافه ، صحافة غرف النوم وسهراتها الحمراء ومطاردة الفنانات ، ونقل الأخبار المثيره حول فساد الوزراء من أجل الشهره السريعه ولكنه لم يحصل عليها وكان دائما ناقما على وضعه مع جرائد المعارضه التى لا تعطيه حقه فى الشهره فى مقابل أنه كان لا يشتكى الفقر .
أما " على طه " الذى لم يحصل على وظيفه ولكنه أصر على أن يفتتح مجله صحفيه مع بعض زملاءه يقوم فيها بتوعية الناس ومقاومة الإحتلال الإنجليزى وزمرة ملاك الأراضى ، ولكنه لم يسلم من البوليس السياسى الذى أوسعه ضربا وسجنا وأصبح فقيرا جدا ولكنه أصر على أن تصبح الصحافه على يديه أداه لتوعية الناس بحقوقها . ولكن مع نهايه الفيلم نجد أن السلطات الأمنيه قد أصدرت حكما بالإغتيال عليه فجرى يحمل أوراق ومنشورات صحيفته ويلقيها على الناس فى الشارع لعل وعسى أن يجد من يقرأ ويتفاعل قبل أن يلقى مصيره المحتوم قتلا .. وأصبح عنوانا للصحفى الفقرى الذى يرفض بيع مبادئه فى مقابل المال والمناصب
ثلاثة نماذج دخلت المعترك الصحفى إنتهى بها المطاف إلى وصولى إتخذها بدايه ثم صعد بطرق غير شريفه ، وراقص على حبال الفضائح والأسرار لعل وعسى ترفعه إلى أعلى ، ومثقف آثر أن يكون مدافعا عن بلاده وقضاياها ، وكانت نهاية الفيلم الطبيعيه فى تلك البيئه الفاسده أن محفوظ عبد الدايم أصبح عنوان المرحله وأصبح الأشهر ، وتحول أحمد بدير إلى أسهل النماذج التى يريد معظم من يشتغل بالصحافه أن يتمثل بها لسرعة الصعود وهو نموذج الفضائح والإثاره ، أما على طه فتحول إلى أيقونه فقر وعوز ومصادره وإعتقال لكل من لا يريد أن يساوم على قضاياه ومبادئه .
حنانيك على نفسك يا صديقى أيمن فأنت إخترت طريق " على طه " الصحفى الفقرى ، طريق المبادئ والقيم وإحمد ربك إنك لا زلت تكتب لغاية الأن ، ولا تبتأس فأنت لست أول الواصلين إلى هكذا الحال ولن تكون بالطبع آخرهم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه