بقلم / ياسر رافع
فى أواسط القرن الثامن عشر بدأت بوادر الثورة الصناعيه فى أوروبا والتى مهدت لبداية عصر الآله وإحلالها محل القوة الجسمانيه للبشر ، وكان لتلك الثورة الصناعية فى آلالات الإنتاج آثرا كبيرا فى تطور البشريه إلى الأن ، فقد إزدهرت الصناعه والزراعه وأنتشر العمران وتحسنت إلى حدا كبير إقتصاديات الدول الأوربيه . ولكن كان لتلك الثوره الصناعيه عوارض كارثيه حيث إنقسم المجتمع الأوروبى إلى مجتمع رأسمالى يتكون من أصحاب المصانع والمؤسسات التجاريه والصناعيه ورؤوس الأموال من حملة السندات الكبار، فى مقابل طبقه العمال والفلاحين النازحين من الريف الفقير أملا فى الحصول على فرصة عمل فى مصانع المدن ، وهذا أوجد فوارق إجتماعيه نتج عنها دعوات تدعوا إلى تقليص تلك الفوارق والعمل على تحسين بيئة العمل والأجر المناسب للعمال ، وهو ما مهد إلى ظهور الأفكار الإشتراكيه والشيوعيه والتى وجدت تجاوبا واسعا لها من طبقة العمال والفلاحين الأمر الذى مهد إلى قيام الثورة الشيوعيه فى روسيا 1917 . وبعد إنتهاء الحرب العالميه الثانيه وجدت أوروبا الرأسماليه أن العدو الرئيسى لها هو روسيا (الإتحاد السوفيتى سابقا) ليس لقوته العسكريه ولكن لأن شيوع الأفكار الإشتراكيه فى بلدانها خطر عظيم يقوض النظام الرأسمالى ويقضى عليه ولهذا أخذت أوروبا بعدة تدابير عرفت لاحقا " بدولة الرفاه " وهى أن تجعل المواطن الأوروبى لا يحتاج إلى شئ يجعله يفكر فى إعتناق الأفكار الإشتراكيه ، وعليه فقد ظهرت تشريعات الضمان الإجتماعى وتأمينات العمال من الأمراض والحوادث ، ومنح العمال والنساء حق التصويت الإنتخابى وإعانات البطاله وإلى كثير من التشريعات التى تنازلت عنها الرأسماليه الأوروبيه مكرهة وخوفا من تغلل الأفكار الإشتراكيه .ولكن كان للرأسماليه الأوروبيه وجها إستعماريا إستنزف موارد دول المستعمرات ونشرت فيها مبادئها التى جعلت من مواطنى الدول المستعمره عبيدا لدى وكلاءها من العملاء المحليين ولهذا ما أن إنتهت الحرب العالميه الثانيه حتى بدأت موجه التحرر الوطنى ، التى لم تكن إستقلالا سياسيا فقط بل تحررا من قيود الرأسماليه الجائرة
................................................................................................
فى صبيحة يوم 23 يوليو 1952 ألقى البكباشى " محمد أنور السادات " بيان الثورة ، والذى تلاه إعلان المبادئ السته الشهيرة لثورة يوليو ، ولكن أهم مبدأين من الناحيه الإقتصاديه كان المبدأ الأول والذى يدعوا إلى القضاء على الإقطاع ، والذى كان ينتمى إلى منظومة عمل القرون الوسطى والذى تحول بمرور الوقت إلى إقتصاد موجه لتوفير المواد الخام للرأسماليه الأوربيه وأتباعها من الرأسماليين المحليين وكلاء الإستعمار ، والمبدأ الثالث وهو الذى يدعوا للقضاء على سيطرة رأس المال على الحكم ، حيث أصبح كبار الرأسماليين المصريين والأجانب بالأخص يتحكمون فى الحياة السياسيه المصريه ويستحوذون على كل مناصب الدوله الحساسه بما يضمن لهم السيطره الكامله على الحكم فى مصر .
وهكذا طبقا للمبدأين الأول والثالث تحدد شكل توجه الدوله الجديدة فى مصر بعد 23 يوليو، حيث إتجه النظام الجديد بقيادة الرئيس " جمال عبدالناصر " إلى تقويض النظام الإقطاعى وتفكيك منظومة رأسماليه الإستعمار " الكولونياليه " عبر قرارات تحديد الملكيه وتأميم الشركات والمصانع ، وكانت المرحلة الثانيه وهى إنشاء البنيه الأساسيه لمصر القرن العشرين ، فأنشأت المصانع والمزارع الكبرى والسدود والقناطر ، مما مهد لنشوء حقيقى وواقعى للطبقه المصريه لأول مرة فى التاريخ وصدرت تشريعات تحمى العمال والفلاحين وتعطى دورا أكبر للمرأة المصريه لأول مرة فى التاريخ ، وأستمر هذا النهج الإقتصادى حتى كان الصدام السياسى بين النظام المصرى والنظام الرأسمالى العالمى فكانت النهايه المأسويه فى نكسة 5 يونيو 1967 التى وضعت حدا لحلم كبير وأملا إقتصاديا واعدا ، ومع إنقشاع دخان قنابل الطائرات الإسرائيليه دخلت مصر مرحلة إقتصاد الحرب .
ورحل " جمال عبدالناصر " بتجربته الإقتصاديه
........................................................................
فى 17 يناير 1977 وقف الدكتور " عبد المنعم القسيونى " نائب رئيس الوزراء للشئون الماليه والإقتصاديه فى مجلس الشعب ليعلن عن إجراءات تقشفيه لخفض العجز فى الموازنه العامه للبلاد وهى إجراءات ضروريه لتمهيد الإتفاق مع صندوق النقد الدولى والبنك الدولى لتدبير الموارد الماليه التى تحتاجها البلاد ، وكان ذلك بداية لإنتفاضه شعبيه عارمه يومى 18 و 19 يناير وصفت بأنها " إنتفاضة الخبز " إجتاحت المدن الرئيسيه وكان العمال فى المجمعات الصناعيه الكبيره هم وقود تلك الإنتفاضه الشعبيه ضد الغلاء وكان شعار " يا ساكنين القصور الفقرا عايشيين فى قبور " شعارا ملفتا لإن هناك إرتداد مجتمعى عن مكتسبات فترة الحقبه الناصريه .
وما هى إلا ساعات حتى أصدر الرئيس " أنور السادات " قرار بالتراجع عن القرارات الإقتصاديه مضطرا واصفا تلك الإنتفاضه " بإنتفاضة الحراميه " ، وأعتبر العمال ان ذلك إنتصارا لهم على من قرأ بيان ثورة يوليو وأرتد عن مبادئها الإقتصاديه ، فى مقابل رئيس ونظام يرون أن إقتصاد الحرب قد إستنزف مصر إقتصاديا وماليا وأن تلك الإجراءات ضروريه فى ظل تحول إقليمى ناحية كتلة الرأسماليه العالميه مصر مجبره على إتخاذ مساره . ما العمل إذا ؟
إتخذ الرئيس السادات بعض الإجراءات الإقتصاديه والسياسيه تصب فى تحول مصر ناحية إقتصاد السوق ، فأعاد طمأنة الرأسماليه المصريه القديمه عبر رفع الحراسه عن أموالها وأراضيها المصادرة وإخراج تيار الإسلام السياسى من السجون ليكون عونا له عند إتخاذ أى قرار إقتصادى يقف العمال والفلاحيين والطلبه ضده ، وأعلن عن سياسة " الإنفتاح الإقتصادى " التى تحولت إلى كارثه بعدما تحول إلى إقتصاد الوكلاء بدلا من إقتصاد متطور ، فقد أغرق دعاة الإنفتاح مصر فى نمط الإستهلاك وظهرت طبقات إجتماعيه ظن الشعب أنها قد ماتت وأصبح على الطبقه الوسطى أن تكافح لكى لا تفقد مكتسباتها أمام بوادر لإنقسام مجتمعى حاد بين غنى وفقير، وهو ما دعا الكاتب الكبير " أحمد بهاء الدين " لوصف سياسة الإنفتاح الإقتصادى للرئيس السادات بانها سياسة " السداح مداح " وهو ما أغضب السادات .
ومات السادات 1981 تاركا قطاع عام مثقل بالديون وقطاع خاص يمرح بطول البلاد وعرضها .
..............................................................................
بتركه مثقلة بالديون وميراث سياسى ملطخ بالدماء تسلم الرئيس " مبارك " حكم مصر ، فكان أول شئ أن دعا إلى مؤتمر إقتصادى كبير لكيفية إدارة البلاد إقتصاديا ، وعلى الرغم من قرارات المؤتمر فقد إتخذ " مبارك " طريقا آخر وجعل من الديون الخارجيه حلا أمثل وسريع لتطويرالبنيه الأساسيه المهترئه فى مصر ، حتى ظهرت بوادرلعدم القدره على سداد الديون فى نهاية حقبة الثمانينيات من القرن العشرين ، هنا جاءت اللحظه التاريخيه لنظام " مبارك " الإقتصادى " وذلك بمشاركة مصر فى حرب تحرير الكويت فى أوائل التسعينات من القرن العشرين والتى كانت بمثابة طوق النجاه للإقتصاد المصرى حيث جرى مكافأة مصرعلى دورها فى الحرب بإسقاط أكثر من نصف ديونها للدول العربيه والأوروبيه وأمريكا والإتفاق على جدولة النصف الثانى مع نادى باريس للدول الدائنه ، ولكن هذا كان مرهونا بتحول مصر ناحية إقتصاد السوق بالكليه وإدارة ظهرها للإقتصاد الإشتراكى . وقد بدأت مصر فى إجراءات التحول ناحية الإقتصاد الحر بروشتة البنك الدولى ، فكان إجراءات الإصلاح المالى والتشريعات الإقتصاديه التى مهدت لما عرف بسياسة " الخصخصه " والتى تقضى ببيع الدوله لبعض أصولها من شركات ومصانع القطاع العام للقطاع الخاص بهدف تقليل سيطرة الدوله على الإقتصاد بما يسمح للقطاع الخاص والنظام الرأسمالى بالنمو . ولكن تحولت سياسه الخصخصه إلى سياسة " المصمصه " كما يصفها أحد المتهكمين وظهر الفساد فى عمليات البيع والشراء لشركات القطاع العام وتم تشريد آلاف العمال بدعوى المعاش المبكر لعدم حاجة العمل لهم لدى المالك الرأسمالى الجديد ، وعلى الرغم من أن معدلات النمو قد بدأت ترتفع فى مصر إلا أن تلك المعدلات لم ترى الدوله من وراءها إزدياد معدلات الفقر والبطاله فى المجتمع ، حتى جاءت الأزمه الإقتصاديه العالميه 2008 لتزيد من معاناة الشعب ، لكن النظام المصرى تدخل بسرعه لتوفير إحتياجات الشعب من السلع فى محاوله لخفض الأسعار خوفا من إنتفاضه شعبيه ظنها قريبه ، ولكن يبدوا ان ذلك كان مسكنا إلى حين .
وأندلعت ثورة 25 يناير وأزاحت الرئيس مبارك نتيجة سياساته الإقتصاديه
...................................................................................
بعد أحداث 30 يونيو 2013 وتولى الرئيس " السيسى " مقاليد الأمور فى مصر ، فقد إتخذ الرئيس إجراءات ظنها تأخرت 40 عاما منذ عهد " السادات " وأن التدهور الإقتصادى بدأ بعد نكسة 1967
وقد تحمل الشعب أعباء تلك الإجراءات التقشفيه والتى كانت وفقا لبرنامج الإصلاح بالمشاركه مع البنك الدولى إلى الأن على أمل تحسن الأوضاع الإقتصاديه وسط إنقسام مجتمعى حاد بين أغنياء وفقراء وتآكل كبير للطبقه الوسطى عماد المجتمع وعموده الأساسى ، ووسط تراجع معدلات التضخم الصاروخيه فى بدايه الإصلاح وزيادة الإحتياطى النقدى الأجنبى وبوادر إنفراجه فى الإقتصاد جاءت أزمة فيروس كورونا والأزمه الإقتصاديه العالميه لتقوض ما تم سابقا ، ولكنها أعطت متنفسا كبيرا لمراجعة الإجراءات التى تتم لتحويل مصر إلى دوله رأسماليه حيث ظهرت الحاجه إلى دور كبير للدوله وليس تراجعا من أجل الحفاظ على مكتسبات الشعب بعدما أثبت القطاع الخاص فى مصر والعالم انه لا يلتفت إلى الدور المجتمعى إلا من منظور توريد الشغيله من العمال إلى مصانعه
العالم لن يعود كما كان وأن على الدوله أن تعمل على صياغة نظام إقتصادى برؤيه جديدة تراعى الإنقسام الحاد فى المجتمع وأن يكون لها دورا مجتمعيا أكبر ، والحاجه إلى تشريعات تحافظ على مكتسبات العمال والفلاحيين فى مقابل قطاع خاص يجب أن يكون له دور مجتمعى أكبر إذا أراد أن يكون له دور فى مصر الجديدة .
الإجراءات الإقتصاديه القويه للدوله المصريه بعد أزمه كورونا يجب أن تجعلنا ننصت جيدا لصوت العقل وأن لا ننساق وراء الدعوات التى تدعوا إلى تحويل مصر إلى دوله رأسماليه بدون مراعاة البعد الإجتماعى والتى ستجعلنا جميعا أمام مستقبل مجهول .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه