الخميس، 23 ديسمبر 2021

الدوله النيوليبراليه .. مصر نموذجا




بقلم / ياسر رافع

(1)
فى مرحلة الصبا كنا نسمع كثيرا من المصطلحات السياسيه الكثيره ولا ندري لها معنى ولكنها كانت تثير خيالنا بإعتبار أن من يلقيها كان يريد لها وقعا حماسيا ورنين مقصود به توجيه بعينه ، وكان من ضمن تلك المصطلحات الرنانه ، مصطلح " الدوله " وهو مصطلح جرى سحبه ومحاولة تدجينه من كل الأطياف السياسيه المصريه فى محاوله للتقرب للجماهير ومداعبة خيالها الحماسى ، فنرى التيار الإسلامى يصف النظام الإمبراطورى الإسلامى فى العصور الوسطى " بالدوله الإسلاميه " فى محاوله لمسايرة الجماهير والواقع المستجد ولكنه سقط فى إختبار التطبيق حيث أنه يقصد بالدوله ليس الدوله القطريه الضيقه بل عالميه الدوله وهو ما يتناقض مع مصطلح الدوله ومفهومه . فى المقابل كان القوميون هم أكثر من إستخدم مفهوم الدوله لتأكيد أن مصر هى أول دوله فى التاريخ متجاهلين الفوارق الكبيرة بين مفهوم وشكل الدوله الحديث وبين التنظيم الأولى لشكل الحكم السياسى والإجتماعى فى مصر الفرعونيه ،
(2)
لما كبرنا عرفنا أن مفهوم وشكل الدوله الحديثه ما هو إلا نتاج معاهدة أو صلح " وستفاليا " فى العام 1648 التى أنهت الحرب فى الإمبراطوريه الرومانيه المقدسه وحرب الثمانين عاما بين أسبانيا ومملكة الأراضى المنخفضه ، وتعتبر تلك المعاهدة إتفاق مؤسس لنظام جديد أنهى الشكل القديم لحكم القرون الوسطى وأرسى مبدأ جديد قائم على سيادة الدول . وهكذا تحول الحكم من فكرة الدوله-الحصن القائمه على حصن يسكنه الملك ورعايا يتحلقون حوله بدون حقوق إلى شكل الدوله-المواطن والذى تحول فيه الشعب من رعايا الملك إلى مواطنين مشاركين فى الحكم وفاعلين فيه .
(3)
على الرغم من الإقرار من أن " محمد على " باشا هو بانى مصر الحديثه إلا أنه لم يأخذ بشكل الدوله الحديث إلا من خلال التحديث الصناعى والزراعى والعسكرى فقط دون الدخول إلى تنظيم الدوله الداخلى الحديث وأستمرت دولة-الحصن (دولة-القلعه) المستمرة من العصور الوسطى تحكم سياسيا دون تغيير كبير وأستمر الشعب يحمل لقب رعايا الوالى ! وعلى الرغم من الإقرار من أن الخديوى " إسماعيل باشا " قد حاول إدخال مصر إلى نمط الدوله الحديثه بمفهومها والذى بدأ يتجذر فى أوروبا إلا أنه لم يلقى النجاح المنشود ولكنه كان بدايه لتجذر حقيقى لمفهوم الدوله الحديثه فى مصر .
(4)
كان الوجود الحقيقى لمصطلح الدوله بمفهومه الحديث هو بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 والتى أحدثت مفاصله تاريخيه بين مصر القرون الوسطى وبين الدوله الحديثه العصريه ، وتحول شكل الدوله من الدوله-الحصن أو القلعه إلى شكل الدوله-المواطن والتى تجذر فيها مفهوم المواطنه والمشاركه المجتمعيه وإعلاء مكانة الطبقه الوسطى وأصبحت الديموقراطيه أساس يبنى عليه فى العلاقه بين سلطة الحكم والمواطنين فى الدوله الجديدة . وقد تعرضت الدوله –المواطن الجديده فى مصر لإختبار قوى عندما تبنت السلطه الحاكمه نظام إيديولوجى يتخذ من فكر القوميه العربيه مبررا لوجودة فى محيطه الإقليمى عندما وضعت تلك السلطه الفكرة القوميه محل تجربه على أرض الواقع عبر الشعارات والخطابات السياسيه إلى أن جاءت لحظه الإختبار الحقيقى وتم الإعلان عن قيام دولة الوحدة القوميه بين مصر وسوريا فى أول تخلى مصرى عن فكرة الدوله القطريه ومحاولة تطويرها فى إطار فكر الدوله القوميه ، ولكن سرعان ما حدثت المفاصله بين مصر وسوريا وسقط الحل القومى لأنه لم يراعى الفروق التى حدثت نتيجة تبنى الدول العربيه فكرة الدوله الحديثه . ورجعت مصر مرة أخرى إلى حدود الدوله الحديثه تحاول على مدار عشرات السنوات التاليه تقويه مفهوم الدوله والمواطنه ، ولكن حدث مالم يكن فى الحسبان !!
(5)
مع إندلاع ثورة 25 يناير 2011 والتى تعتبر أول ثورة فى ظل مفهوم الدوله الحديثه حيث مثلت تلك الثورة صرخه فى وجه نظام المخلوع مبارك وزمرته ، وأن محاولة تغيير شكل الدوله من نظام الدوله-المواطن إلى شكل الدوله-السوق عبر تبنى مفاهيم إقتصاد السوق وإجراءات صندوق النقد والبنك الدوليين لن يمر مرور الكرام حيث آتى هذا على ثوابت إجتماعيه عاش المصريين فى ظلها لعشرات السنوات وأن عملية التغيير يجب أن تمرعبر مشاركه مجتمعيه شامله وأن خروج النظام الحاكم على مفهوم الدوله-المواطن سيقابل بالعنف مالم يقدم دعاة الدوله-السوق مبرراتهم لتطوير الدوله .
(6)
الدوله النيوليبراليه هى الشكل الأحدث من تطور مفهوم الدوله الحديثه ، حيث تتبنى أمريكا والبنك الدولى وصندوق النقد الدولى مهمه تأكيد سيادة هذا المفهوم الجديد الذى تتآكل فيه فكرة المواطنه عبر ضمور الطبقه الوسطى وسيادة النموذج الرأسمالى وذلك عبر دمج إقتصادات الدول التى تريد الإندماج فى الإقتصاد العالمى ، وتسويق فكرة الديموقراطيه الإجتماعيه والتى تبتعد كثيرا عن طريقه عمل الديموقراطيه فى زمن الإيديولجيات السابقه والتى تصارع من أجل البقاء عبر محاولاتها المسارعه نحو جعل أفكارها مواكبه لحقبة النيوليبراليه التى تحكم العالم وهو ما نتج عنه ظهور نمط الشعبويه السياسيه التى تختلط فيها المفاهيم والتى تجعل من المواطن الهدف الأول والنهائى دون رؤيه محددة الملامح ! كل هذا جعل من فكرة الدوله -المواطن بشكلها القديم تتداعى فى نظر الشعوب التى تتبنى الفكر الإقتصادى النيوليبرالى بسبب عالميه المواصلات والإتصالات والإهتمام بقضايا موحده مثل الإرهاب وحقوق الإنسان .
(7)
الرئيس " السيسى " فى المؤتمر الثامن للشباب والذى عقد مؤخرا قد صرح قائلا " أنا ببنى فى العاصمة الإداريه الجديدة (دوله) كل العالم هيتكلم عنها لأن مصر مش شويه " ! وهو التصريح الذى قوبل بتأييد من المواليين للنظام السياسى الذى رأوا أن النهضه الإقتصاديه التى يقودها الرئيس ستجعل مصر دوله كبرى خلال بضع سنين ، فى المقابل قوبل التصريح من المعارضه بالسخريه والإستهجان تحت دعاوى أن السيسى يقلل من شأن مصر ويريد بناءها من جديد وهى الدوله المستقرة منذ آلاف السنين !
لكن وفى خضم الصراخ العقيم بين الموالين والمعارضين لم يقف أحد ليسأل عن ماهية الدوله التى يريدها الرئيس السيسى ؟ ما شكلها ؟ ما علاقه الدوله بالمواطن فيها ؟ ما الشكل السياسى الذى ستدار به ومن خلاله تلك الدوله ؟ كيف ستقام تلك الدوله وسط تآكل حاد للطبقه المتوسطه المصريه ؟ هل ستكون الديموقراطيه بشكلها القديم هى وسيلة الإنتقال السلس للسلطه ؟ وما مدى تحصينها فى الدوله الجديده ضد الشعبويه التى تقود إلى الفوضى والإقتتال الداخلى ؟
(8)
وسط ما يشهده العالم من تغييرات كبرى على كل المستويات الإقتصاديه والسياسيه والإجتماعيه وعلى الرغم من شيوع النظام الرأسمالى وسيادته على مجريات الأحداث فى العالم ، وظهور نموذج الدوله النيوليبراليه والتى تعيد المواطن لفكرة المواطن-الرعيه كما فى القرون الوسطى ، إلا أن الشعوب وإنتفاضاتها فى دول أمريكا الجنوبيه التى نراها على شاشات الفضائيات والتى عانت من ويلات نموذج الدوله النيوليبراليه وتدخلات أمريكا والبنك الدولى راحت تعجل بقرب نهاية ذلك النموذج .. ولكن متى ؟
(9)
مصر كنظام سياسى وشعب يجب أن يكونا أكثر حذرا فى تبنى أو رفض نظام الدوله –السوق أو النيوليبراليه لأنه فى كلتا الحالتين سيكون لهما عواقب وخيمه ، لكن الأخطر هو تبنى ذلك النظام لأنه الأخطر على الهويه الثقافيه والدينيه ولا أجازف إذا قلت وضياع السيادة على الأرض فى نهاية المطاف وبالضروره التبعيه الإقتصاديه التى لن ترحم . ولهذا يجب أن تطرح الدوله المصريه أفكارها حول شكل الدوله الجديد فى إطار حوار مجتمعى عام لتقى نفسها شر المزالق والإنتفاضات الشعبيه التى ستكون أشد فتكا خارجه عن السياقات الإيديولجيه القديمه بل مدفوعه بالإحتياجات الأساسيه فقط ولن تصبح للإنتماءات الوطنيه مكانا لمخاطبة الجماهير للعوده مرة أخرى لبيوتها لإعاده ما تم هدمه . وليكون هذا الحوار بمثابة مقدمه لتأسيس علاقه جديده بين الدوله والمواطن لتواكب التحديث ونظرة مر للمستقبل .
(10)
لا لنموذج الدوله النيوليبراليه 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...