الخميس، 23 ديسمبر 2021

الكفن له جيوب وشكر الله سعيكم !!




بقلم / ياسر رافع

(1)
إستهل الرئيس المصرى السابق حسنى مبارك بداية حكمه بكلمات عاطفيه تدغدغ المشاعر تخاطب ضمير المواطن الفقير وتجعله ينظر إلى حاكمه الجديد على أنه مبعوث العنايه الإلهيه لإنتشاله من براثن الفساد والسرقه التى شابت آخريات عهد الرئيس السادات وإنفتاحه الإقتصادى الذى تحول إلى كارثه فساد تزكم الأنوف ، فوقف يقول " الكفن مالوش جيوب " وظل يرددها كثيرا فى إشارة إلى أنه ضد الفساد ولن يسمح له بالعوده مرة أخرى ، وهو ما جعل الناس تستبشر خيرا فى بداية جديدة ، ولكن مرت السنوات الثلاثون على حكمه وأزداد الفقر والفساد وأصبح للكفن جيوب كثيرة .
(2)
بعد أن إعتلى الخطيب منبر المسجد ليخطب فينا خطبة الجمعه ، وبعد أن فرغ من ديباجة البدايه دخل على موضوع الخطبه وكان عن " حماية الشأن العام والمصلحة العامة "  وتحدث فى إطار الخطبه المحددة له من وزارة الأوقاف عن أهمية حماية الدوله وشأنها العام والتوعيه بذلك بين الناس حتى نحافظ على الدوله من الإنهيار ، وتحدث أيضا عن إتلاف أوسرقة المال العام ومدى حرمته ، وراح يلقى فى نهاية الخطبه على مسامعنا أدعية الختام لعل وعسى أن يستجيب له ولنا الله تعالى ، فراح يدعوا على الظالمين والفاسدين وكررها أكثر من مرة وكأنه يرجوا من أحدنا أن يلقى ما فى جيبه توبة إلى الله ولم يحدد من هم الظالمين والمفسدين .
(3)
فى مشهد جنائزى مهيب تنساب فيه دموع المواطنين أنهارا وبعد أربعين يوما إستغرقها تحنيط جثة الفرعون العظيم تسير الجنازة إلى مثواها الأخير محمولة على عربه تجرها الخيول المطهمه بداخل تابوت ذهبى فاخر محلاة بالقلادات الذهبيه ووراءها يمشى العبيد والجوارى يلطمون الخدود ويحملون فى أيديهم صناديق بها من الذهب والجواهر لتدفن بجانب الفرعون الإله ، الذى سبيعث مرة أخرى ويجب أن يكون فى كامل زينته ، وكان هذا أول تدشين فى التاريخ للكفن أبو جيوب فى التاريخ .
 (4)
وقف كبير الكهنه يدعوا للفرعون المتوفى وراح يتلوا الترانيم المقدسه على روحه الطاهرة داعيا جموع الشعب أن تدعوا بالرحمه لفرعونها العظيم الذى سيكون حكما ومخلصا لهم فى الدار الآخرة ! فى دراما مسرحيه تذر الرماد فى عيون فقراء الشعب تعميهم عن السؤال عن الكنوز التى أخذها معه الفرعون إلى قبره والتى تعتبر نتاج تعبهم وشقاءهم الذى يتوارثونه جيلا بعد جيل .
(5)
يقف بين الجموع متواريا لابسا مسوحا جنائزيه ولكنه لا يأبه لجلال المشهد الجنائزى ولا لكلام كبير الكهنه عن الموت والحياة الآخرة ومحاولاته المتكررة لإستدرار دموع الفقراء على جسد الفرعون ! إنه لص المقابر الملكيه الذى لا يخشى السجن أوالموت إذا ما ضبط بالسرقه لأنه يريد أن يشارك فى قسمة ما يحويه تابوت وكفن الفرعون الميت لأنه يعلم أن الكاهن وورثة الفرعون قد شيعوا كفن الفرعون الأكبر وأقتسموا ثروته المسروقه من دم الشعب قبل أن يشيعوا كفنا من الكتان مملوءا ببقايا كنوز ليثبتوا أن الملك لا يملك من حطام الدنيا غير تلك الكنوز فقط . وما هى إلا ساعات معدودة وفرغ الكهنه من الدفن وراحوا يضعون طرقا خداعيه لمكان دفن الفرعون حتى لا يعرفه اللص ، ولكن اللص مع ذلك عرف مكان القبر وأقتسم مع الفرعون والكاهن بقايا ما بقى من سرقه فى الكفن . ولا عزاء للمشيعيين الفقراء الذين رجعوا ليعملوا لتجهيز كنوز الكفن التالى للفرعون المقبل .
(6)
بعد آلاف السنين من موت الفرعون والكاهن واللص تطورت طبيعة الحكم وتغير الدين أكثر من مرة والذى جعل من الشعب أكثر وعيا ، ظهرت الحفريات وفتحت المقابر ووجدت جثث الملوك الفراعنه وكبار الكهنه وبها الكنوز تملئ الكفن مع بعض الأثار التى تشير إلى أن اللص قد زار تلك المقابر إما نهابا إياها بالكامل أو بطريقه جزئيه ، وظهر علينا من يقوم بلعن اللص الصغير لأنه سرق قبر الفرعون ! ولا يسأل نفسه لماذا لا يكتشف فقط فى مصر إلا مقابر الملوك الفراعنه وكهنتهم بكامل كنوزهم ولا يوجد مقبره لفقراء هذا الوطن ؟
(7)
لماذا بقيت كنوز الملك توت عنخ آمون سليمه ولم تمس فى كفنه ومقبرته ؟ سؤال يحاول علماء الآثار تفسيرة على أن لص المقابر الحقير لم يستدل على عنوان المقبرة ولهذا بقيت سليمه بكامل كنوزها التى توضح مكانه الملك وتقدم مصر الفنى وكلام كثير يقال بالمتاحف جاهز ومعلب ! لكن الذى تغافل عنه علماء الآثار أن هناك سبب آخر وجيه وهو أن الملك توت عنخ آمون كان صبيا جاءوا به كحل وسط وسريع بعد أن ثار كهنة آمون على حكم الملك إخناتون ودخول البلاد فى فوضى كبيرة وأنتشرت الحرائق والسرقات وحوادث القتل والتخريب وبالتالى إنشغل اللص التعيس بالفتات وأفلت الفرعون المحظوظ بكنوزة كامله داخل كفنه
(8)
بنوك سويسرا و جزر الكايمن وأماكن شبيهه مثلها شكلت التطور الطبيعى للمقبره المصريه القديمه والكفن أبو جيوب ، حيث يشيع المواطنون الفقراء ملكهم أو رئيسهم ملفوفا بكفن أبيض فى صندوق خشبى ملفوفا بعلم الوطن لا يحوى أى أموال أو كنوز مرددين ما آمنوا به من أن الكفن ليس له جيوب وأن الجسد الطاهر الآن بين يدى الله يحاسب على نظافة يده . ولكن على الجانب الآخر من العالم تشيع جنازه أخرى للجسد الطاهر حيث يوجد كفن من الصناديق المملوءه ذهبا وأموالا يجرى دفنها فى البنوك العالميه لصالح ورثة المرحوم بعيدا عن أعين الفقراء ، وبعيدا عن أعين اللص الأبدى الذى يحضر كل جنازات الملوك منذ بدأ التاريخ فى مصر وسط جو إيمانى تغلفه آيات وترانيم الأديان السماويه كلها .
(9)
اللص يجلس أمام شاشة التفلزيون وبيده مسبحه يستمع إلى أحد المشايخ فى جو إيمانى لا يخلوا من الورع والتقوى وفجأة تهللت أسارير وجهه وطار فرحا وراح يرقص ، فقد سمع من الشيخ فتوى تقول بأن من عثر على كنز فى الأرض فهو له وليس عليه إلا أن يتبرع أو يتصدق أو يتزكى بعشر هذا الكنز والباقى حلال له بإذن الله ! ومن يومها وهو يحفر مقابر الأقدمين على امل أن يعثر على كنز الرئيس الميت .
(10)
لملايين البشر من المواطنين الفقراء " شكر الله سعيكم " و " عظم الله أجركم "

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مرحب بكل الآراء ما عدا الآراء التي تحمل محتوى عنصري او يدعو إلى العنف او التفرقه السياسيه والاجتماعيه

مقدمة كتابى .. صديقى الوهمى محاولة ما قبل السقوط النهائى

  بقلم ياسر رافع " إحنا جيل مظلوم " ، عباره سمعتها كثيرا منذ نعومة أظفارى من أجيال مختلفة الأعمار والمشارب الثقافيه والإجتماع...